Popular Now

الإدارة الأهلية بين الموروث ومتطلبات المستقبل .. بقلم: الصادق عبدالله أبوعيّاشة .. خبير ومستشار في السياسات العامة .. والإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟(16) | إسرائيل وإيران والسودان حدود القوة العسكرية ومستقبل التسويات السياسية في الشرق الأوسط .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أصل القضية | السودان … متى نواجه ومتى نُعرض؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

بين “الرصاصة السحرية” وإعادة الهيكلة: قراءة استراتيجية في “القرار الواحد” لإصلاح السودان د. محمد الخاتم تميم

أثار تساؤل طُرح مؤخراً من قِبل كادر عسكري سابق برتبة رفيعة على منصات التواصل الاجتماعي نقاشاً جوهرياً يعكس ملامح الأزمة الراهنة؛ حيث دار السؤال حول: “ما هو القرار الواحد الذي لو اتخذه رئيس مجلس السيادة الحالي لصلح حال السودان، ورُفعت معاناته، واستقامت أموره؟”. هذا التساؤل، رُغم بساطته الظاهرية، تحول إلى منصة لعصف ذهني وعكف على تحليله طيف من النخب الأكاديمية والعسكرية المتقاعدة والمواطنين، مشكلاً مرآة دقيقة للوعي الجمعي السوداني في أدق مراحله التاريخية.
من خلال إخضاع الردود والتفاعلات للاستقراء والتحليل الموضوعي، يمكن تصنيف الرؤى والأطروحات المقدمة للخروج من حالة “الانسداد السياسي والتنفيذي” الراهنة إلى أربعة تيارات استراتيجية أساسية:
أولاً: تيار الحسم الهيكلي والإصلاح الدستوري الجذري
ينظر أصحاب هذا التيار إلى المعضلة السودانية باعتبارها أزمة “بنية نظام، وسيولة دستورية، وتداخل صلاحيات”. وترتكز الأطروحات الهيكلية في هذا الصدد على حزمة قرارات متلازمة يراها هذا التيار ضرورية لاستعادة هيبة الدولة:
– تجميد الأطر الدستورية السابقة وإعلان حالة الطوارئ: لإنهاء حالة التماهي السياسي وحسم ملف إدارة الدولة.
– إعادة صياغة السلطة السيادية والتنفيذية: عبر حل مجلسي السيادة والوزراء الحاليين، وإلغاء الاتفاقيات الفيدرالية السابقة (مثل اتفاقية جوبا) التي يرى هذا المنظور أنها أثقلت كاهل مؤسسات الدولة بالمحاصصات السياسية والجهوية.
– التحول نحو الفيدرالية وتجميد العمل الحزبي: إذ برزت رؤية نخبويّة تدعو لإعلان السودان دولة فيدرالية تحكم فيها كل ولاية بواسطة تكنوقراط مستقلين من أبنائها، مع تجميد الأنشطة الحزبية والطائفية التقليدية، والتي تُحمّلها هذه الرؤية المسؤولية التاريخية عن التدهور المؤسسي.

ثانياً: تيار “تدوير القيادة” وإعادة ترتيب النخبة العسكرية
في قراءة سيكولوجية لافتة للنقاشات المتداولة في الأوساط القريبة من المؤسسة العسكرية، يرى جزء من المحللين أن “القرار الواحد” المنشود يجب أن يمس هيكل القيادة العليا نفسه. وقد انقسم هذا الاتجاه إلى مسارين:
1. خيار التنحي ونقل الصلاحيات: وينطلق من فرضية أن المرحلة تتطلب ضخ دماء جديدة في قيادة الجيش لتركيز الجهود نحو الحسم العسكري الميداني بنهج مغاير.
2. سيناريو الفصل بين السياسي والعسكري: واقترح هذا المسار صيغة تدوير استراتيجية؛ يتم بموجبها ترقية رئيس مجلس السيادة الحالي إلى رتبة سيادية شرفية رفيعة كـ “رئيس للجمهورية الفيدرالية” (بصفة التقاعد)، مع نقل القيادة العامة المباشرة للقوات المسلحة وإدارتها العملياتية إلى قيادات عسكرية ميدانية معروفة بكفاءتها، وذلك لفك الارتباط الحرج بين العمل السياسي الدبلوماسي والعمل العسكري الميداني.

ثالثاً: تيار “حكومة الحرب” الحسمية وتصفية التمرد
يربط هذا التيار بشكل عضلي بين إصلاح الخدمات الأساسية (الكهرباء، المياه، الصحة، التعليم، الطرق) وبين الحسم الأمني المطلق؛ فاستقرار الدولة بحسب هذه الرؤية مستحيل في ظل غياب الاستقرار العسكري. وتتمحور أدبيات هذا التيار حول:
– إطلاق العنان للمؤسسة العسكرية واستخدام أقصى درجات القوة لتحرير المناطق الخاضعة للتمرد.
– تطبيق معادلة دمج صارمة ومحددة زمنياً لكافة القوات المساندة، والفصائل المشتركة، وحركات المقاومة الشعبية داخل بوتقة القوات المسلحة والأجهزة الأمنية الرسمية وفقاً للشروط والمعايير العسكرية البحتة، مع تصنيف أي مكوّن يرفض هذا الإجراء كقوة متمردة تجب مجابهتها عسكرياً.
– تشكيل “حكومة طوارئ عسكرية” أو “حكومة حرب تكنوقراط” مصغرة، ترفض الإملاءات والمبادرات الخارجية وتركز على البناء الداخلي.

رابعاً: المنظور الواقعي وفلسفة “المعضلات المركبة”
في مقابل الأطروحات الراديكالية والحلول الأحادية، برز صوت أكاديمي وعقلاني يحذر من الانكفاء وراء وهم “القرار الواحد السحري”. يجادل أصحاب هذا المنظور بأن أزمات السودان المتراكمة – من سوء الأداء الإداري، والفساد المؤسسي، وانهيار البنية التحتية، وصولاً إلى الأزمة الاقتصادية وتدهور البيئة الأخلاقية العامة – هي معضلات بنيوية ومركبة، لا يمكن لقرار أحادي الصدور من شخص واحد حسمها، نظراً لتعقيداتها العميقة وتأثير “البطانات والمستشارين”. ويرى هذا التيار أن الدولة بحسب واقعها الحالي تحتاج إلى “منظومة قرارات متكاملة” مدعومة بسيادة القانون ومحاكم خاصة لمحاربة الفساد الإداري.

الاستنتاج الاستراتيجي: “مجموعة المبادرات الوطنية” كرافعة للإصلاح
بالرغم من تباين المقاربات، إلا أن كافة الرؤى تقاطعت عند نقطة جوهرية وهي ضرورة سحب البساط القديم من تحت أقدام القوى السياسية التقليدية وأصحاب المصالح الضيقة الذين تسببوا في تدهور البلاد.
وتجسد هذا التوافق في مقترح بنيوي بضرورة تشكيل (مجموعة المبادرات السودانية لوحدة الصف والإصلاح الوطني)؛ وهي مظلة وطنية مستقلة تجمع كفاءات البلاد من رجال، ونساء وشباب، دون تمييز عِرقي أو تسييس حزبي. يُفترض بهذه المجموعة أن تعمل كعقل مفكر ورافعة شعبية وإدارية تسند القوات المسلحة – باعتبارها حامية الأرض والعرض – وتتولى وضع خارطة طريق علمية لإعادة الإعمار وإصلاح القطاعات الحيوية (الزراعة، الصناعة، الكهرباء، التعليم) تمهيداً للعبور بالبلاد نحو مرحلة الاستقرار المستدام.

خلاصة القول:
تؤكد المعطيات المستخلصة من النخبة والشارع أن السودان لم يعد يملك ترف الوقت لأنصاف الحلول. إن “القرار الواحد” الذي ينتظره الجميع ليس مجرد مرسوم سيادي، بل هو توفر “إرادة سياسية شجاعة” تضع حداً للسيولة الأمنية والسياسية، وتطبق القانون بصرامة، وتوكل إدارة الدولة لتكنوقراط وطنيين يقودون البلاد بمسؤولية حتى تتهيأ الظروف لصناديق الاقتراع.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6088 | هذا يعيق الحوار: لجان متعددة للحوار السوداني السوداني ولا تنسيق بينها !!

المقالة التالية

أصل القضية | السودان … متى نواجه ومتى نُعرض؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر- باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *