مقدمة
لم تكن جلسة مجلس الأمن الدولي يوم الثامن من أكتوبر 2026م جلسة عادية، رغم أنها لم تستغرق أكثر من دقيقتين و33 ثانية. فقد سبقتها معركة دبلوماسية طويلة دارت طوال شهر سبتمبر، وانتهت بتمديد تقني لنظام العقوبات على السودان بدلاً من التوسيع الذي سعت إليه واشنطن وأبوظبي. ولم يكن الإجماع الذي صدر به القرار علامة توافق، بل كان غطاءً لهزيمة تجنّبت الولايات المتحدة إعلانها في تصويت مفتوح. نقرأ في هذا المقال ما جرى داخل القاعة وخارجها، وما يعنيه ذلك للسودان وللمجلس ولموقع واشنطن فيه.
ما الذي جرى في الجلسة؟
اقتصرت الجلسة على ثلاثة إجراءات: اعتماد جدول الأعمال ودعوة مندوب السودان بموجب المادة 37، ثم التصويت. وبعد التصويت أعلنت الرئاسة أنه لا يوجد متحدثون آخرون.
قدّمت الولايات المتحدة مشروع القرار S/2026/788، الذي ينص على تمديد نظام العقوبات المنشأ بالقرار 1591 (2005) لمدة شهرين حتى ديسمبر 2026م دون أي تغيير في مضمونه، وهو ما يُعرف بـ«التمديد التقني». ويشمل النظام ثلاثة تدابير:
– حظر الأسلحة في دارفور.
– حظر السفر.
– تجميد أصول أفراد وكيانات مدرجين بالاسم.
المسودة الأصلية التي سُحبت
كانت واشنطن قد قدّمت مسودة أصلية تقترح فيها ثلاثة أمور:
1. أن يشمل الحظر السودان كله.
2. أن يسري على جميع الأطراف.
3. أن يعالج الطائرات المسيّرة والتقنيات ذات الاستخدام المزدوج.
لكنها سحبتها لعدم التوافق عليها.
المواقف بعد التصويت
قال مسعد بولس بعد التصويت: «هذا التمديد لا يعني تراجعاً عن عزمنا، بل هو فرصة للمجتمع الدولي لتكثيف جهوده، والتمهيد لحوار وطني حقيقي وشامل، وتيسير انتقال موثوق إلى حكومة بقيادة مدنية». وأكد التزام واشنطن بتوسيع حظر الأسلحة وتعزيزه، بما في ذلك مواجهة خطر المسيّرات.
في المقابل رحّبت بعثة السودان بالتمديد التقني، وقالت إن مشكلة نظام العقوبات لا تكمن في ضيق نطاقه الجغرافي، بل في غياب الإرادة اللازمة لإنفاذه. واتهمت الإمارات بانتهاكات متكررة ومتعمدة، وبإمداد قوات الدعم السريع بالسلاح والمسيّرات والمرتزقة.
اتفاق على الإجراء لا على المضمون
اتفق الأعضاء على الإجراء لا على المضمون، فالقرار أجّل الخلاف ولم يحسمه. واكتفت واشنطن بالتمديد التقني بدلاً من طرح مسودتها للتصويت، لتتجنب فيتو روسياً وصينياً شبه مؤكد. فقد أعلنت موسكو صراحة أنها لن تسمح حتى بمجرد التلميح إلى التوسيع.
ومن حيث الأرقام، تملك مجموعة «الوضع القائم» ستة أصوات، بينها عضوان يملكان حق الفيتو. لذلك كان يتعذر اعتماد التوسيع حتى لو جمعت واشنطن الأصوات التسعة، وهي لم تستطع جمعها أصلاً.
كواليس شهر من الضغوط
كانت نهاية الجلسة في دقيقتين و33 ثانية عنواناً للفشل الأمريكي الإماراتي خلال شهر سبتمبر. فقد مارست الدولتان ضغوطاً كبيرة وقدّمتا حوافز ضخمة، لكنها باءت بالفشل.
– 36 ساعة من الحشد: كثّفت واشنطن جهودها لمدة 36 ساعة لجمع الأصوات التسعة اللازمة، وظنت فجر يوم التصويت أنها أقنعت ليبريا والكونغو الديمقراطية، ثم تراجعت هذه الثقة خلال اليوم.
– مساومة ليلية: اجتمع المندوبون الدائمون للولايات المتحدة والصين وروسيا ليلاً، فطلبت موسكو وبكين مقابل التصويت تنازلات أمريكية في ملفّي إيران وأوكرانيا: العودة إلى مبادئ هدنة الستين يوماً مع إيران، وتعليق عناصر من الدعم العسكري لأوكرانيا. رفضت واشنطن، فأصبح الفيتو الروسي متوقعاً.
– الدور الإماراتي: عملت الإمارات مع واشنطن على المسودة بعيداً عن الأضواء، وطالبت علناً بتوسيع الحظر ليشمل كل السودان ويُطبَّق على جميع الأطراف.
– الموقف السعودي: عارضت السعودية التوسيع لأنه يفيد الدعم السريع على حساب الجيش، واعتبرته خطاً أحمر لا تستطيع البحرين تجاهله. كما مارس المندوب السعودي ضغطاً على الكونغو الديمقراطية صباح يوم التصويت.
كانت حصيلة هذه الضغوط أن عدد المؤيدين لم يتجاوز ثمانية أصوات، أي أقل بصوت واحد من التسعة اللازمة. وحتى لو اكتمل العدد كان الفيتو الروسي في انتظار المشروع. وبذلك لم تعد المسألة حشد أصوات، بل تجنّب هزيمة علنية.
جلسة متفق عليها سلفاً
كانت جلسة الدقيقتين ونصف ترتيباً متفقاً عليه مسبقاً. فقد أرادت واشنطن ألا تتكرر جلسة سبتمبر، التي ظهر فيها الانقسام علناً وتلقّت فيها انتقادات سودانية مباشرة. وكان صدور القرار بالإجماع محاولة لستر الهزيمة المؤلمة التي تلقتها أمريكا وحليفتها الإمارات للمرة الثانية. وفي الوقت نفسه حصل المعارضون على ما أرادوه، أي عدم توسيع الحظر، دون حاجة إلى الكلام.
وإذا كانت واشنطن تريد أن تجعل من التمديد القصير ورقة ضغط على السودان، فإنه يبقى سيفاً مسلطاً على الجميع، لأن تكراره السريع يعيد عرض الصورة الهزيلة للمستوى الذي انحدرت إليه الهيبةو الهيمنة الأمريكية.
دلالات أبعد من السودان
غطاء الإجماع الذي سعت إليه الولايات المتحدة كان تجنباً لتصويت كانت ستخسره، ودلالة ذلك أكبر من ملف السودان نفسه. فلأول مرة تعجز الدولة المكلفة بصياغة النص في ملف عقوبات أفريقي عن جمع الحد الأدنى من الأصوات قبل أن تصل المسألة إلى الفيتو. والسبب ليس قوة روسيا والصين وحدهما، بل اجتماع أربعة عوامل:
1. كتلة أفريقية متماسكة.
2. تنافس خليجي انتقل إلى داخل المجلس.
3. تمسك أغلبية الأعضاء بمبدأ التمييز بين الدولة والميليشيا.
4. خلل في أسلوب الإدارة الأمريكي مقروناً مع سقوط الهيبة الأمريكية.
وأخطر ما في المشهد أن المعارضين لم يحتاجوا إلى الفيتو. فعندما تعجز الدولة الكبرى المكلفة بالصياغة عن جمع تسعة أصوات، تكون الرسالة أن أغلبية المجلس، لا الدول دائمة العضوية وحدها، لا تشاركها تشخيصها للنزاع. وهذا يضعف حجة واشنطن المضادة بأن روسيا وحدها هي التي تعطّل.
الدولة والميليشيا: خلاف مبدئي لا تقني
اصطدمت المقاربة الأمريكية بمبدأ راسخ لدى أغلبية دول الجنوب. فقد صاغ بولس المشروع على أساس أن الحظر يسري على الطرفين، انطلاقاً من تصريح وزير الخارجية بأن الطرفين لا يمثلان حكماً دستورياً شرعياً.
في المقابل ركزت تعديلات الدول الأفريقية وباكستان على أمرين: أن يستهدف الحظر الجهات المسلحة من غير الدول، وألا تستهدف التدابير السلطات السودانية. فالخلاف إذن ليس تقنياً بل مبدئي، إذ ترفض القوى المعارضة المساواة بين جيش دولة وقوة متمردة. وهذه سابقة سيحتج بها السودان في أي مفاوضات قادمة.
الموقف الأفريقي وتراجع الهيبة الأمريكية
حاولت أمريكا حتى الساعات الأخيرة إقناع ليبريا والكونغو، وظنت أنها نجحت، ثم تبدد ذلك. حدث هذا رغم أن الاتحاد الأفريقي أصدر بياناً يؤيد توسيع الحظر، ورغم العلاقة الخاصة جداً بين واشنطن وليبريا، وعلاقتها الخاصة بالكونغو.
ويرجع ذلك إلى حساسية أفريقية عميقة تجاه فرض حظر على حكومة قائمة، فالدول الأفريقية ترى فيه سابقة قد تُطبَّق عليها لاحقاً. كما يكشف موقف ليبريا والكونغو إلى أي مدى سقطت الهيبة الأمريكية.
التنافس السعودي الإماراتي داخل المجلس
أعمق الطبقات وأقلها ظهوراً هو التنافس السعودي الإماراتي داخل المجلس. فقد نسّقت الإمارات مسودة المشروع التي اعتبرتها السعودية خطاً أحمر، ومارست الرياض ضغوطاً مباشرة على الكونغو.
كشف هذا الموقف السعودي تطابق الإمارات مع أمريكا، فخسرت واشنطن صفة الوسيط المحايد في نظر جزء من المجموعة العربية. وانتقل الانقسام داخل «الرباعية» إلى المجلس عبر صوت البحرين، أي أن أداة التنسيق الإقليمي التي بنتها واشنطن للسودان أصبحت عبئاً عليها.
حجة سودانية يصعب دفعها
قال السودان إن المشكلة في عدم تطبيق الحظر القائم في دارفور، لا في نطاقه الجغرافي، لأن هذا الحظر يُنتهك منذ سنوات دون محاسبة الدول الموردة. وهي حجة يصعب الرد عليها.
السودان ورقة في مساومات الكبار
لكن هناك أمراً خطيراً ينبغي أن ينتبه له السودان: موسكو وبكين طلبتا مقابل الامتناع عن التصويت تنازلات في ملفّي إيران وأوكرانيا، ورفضت واشنطن. ومعنى ذلك أن روسيا والصين لا تنظران إلى السودان بوصفه أزمة إنسانية، بل ورقة يرتفع ثمنها كلما اشتد الإصرار الأمريكي. ومعناه أيضاً أن واشنطن قدّرت أن السودان لا يستحق أن تدفع ثمناً استراتيجياً في ملفات أهم بالنسبة لها.
مكسب حقيقي على أساس تحالف هش
تشير المحصلة إلى أن أمريكا والإمارات فشلتا فشلاً ذريعاً، وأن ذلك يعكس سقوط الهيبة الأمريكية. ومن علامات هذا السقوط أن ترفض دولة مثل ليبريا، المعروفة بقربها الشديد من واشنطن، طلباً أمريكياً، وأن يتراجع تأثير المال الإماراتي الذي مكّن الإمارات من هذا التمدد في المجتمع الدولي.
في المقابل نجح السودان في تحويل موقفه إلى موقف أغلبية مانعة، لكن هذا المكسب قائم على تحالف هش يضم روسيا والصين والدول الأفريقية والسعودية والبحرين، وقد يتغير بتغير الحسابات الخليجية، أو بتقارب أمريكي روسي بدأت علاماته تظهر.
فبعد يوم واحد من جلسة مجلس الأمن، أي يوم الجمعة 9 أكتوبر 2026م، أعلن ترامب بعد مكالمة هاتفية مع بوتين اتفاقاً تزوّد موسكو بموجبه الأسواق الأمريكية بالديزل، وأصدرت وزارة الخزانة الأمريكية في اليوم نفسه الترخيص العام. وقال ترامب في البيت الأبيض: «إنها صفقة كبيرة، كميات هائلة من النفط قادمة إلى بلادنا، وأريد أن أشكر الرئيس بوتين». وفي 10 أكتوبر عاد ليمتدحه قائلاً إنه «يطرح كثيراً من النفط للعالم وبسعر منخفض جداً».
هذا لا يعني أن موسكو ستتخلى تلقائياً عن موقفها من السودان، لكن الحفاظ على هذا الموقف يحتاج إلى تعزيزه بتحقيق المصالح الروسية في السودان، التي تحدثنا عنها في المقال السابق: الوصول إلى البحر الأحمر، والذهب وشراء السلاح الروسي. والأمر نفسه ينطبق على الصين، التي لها مطالبها التي ذكرناها سابقاً.
خاتمة: معركة مؤجلة لا محسومة
يشير فشل واشنطن في حشد تسعة أصوات إلى أن ميزان الشرعية داخل المجلس بشأن السودان يميل حالياً إلى منطق «الدولة في مواجهة الميليشيا»، لا إلى منطق «طرفين متحاربين متساويين». كما يعني أن قدرة الولايات المتحدة على قيادة المجلس تراجعت في ملف أفريقي كانت تتحكم فيه تقليدياً، وأن المنافسة الإقليمية أصبحت تتحرك داخل المجلس عبر أصوات أعضائه.
لكن هذه ليست هزيمة نهائية لأمريكا، بل تأجيل يعيد المعركة إلى ساحة الصياغة. وسيتحدد مصيرها بقدرة كل طرف على تقديم صيغة تجمع تسعة أصوات وتتجنب الفيتو.
لقد أرادت واشنطن من التمديد القصير أن يكون سيف ضغط مسلطاً على السودان، لكنه قد يصبح سيفاً مسلطاً عليها هي أيضاً، يعيد مشهد الإخفاق كل شهرين، إذا أحسن السودان استخدام أوراقه مع هذا التحالف الهش الذي تشكّل الآن. وحتى ديسمبر، تبقى الجولة القادمة في قاعة مجلس الأمن مفتوحة على كل الاحتمالات.


