Popular Now

وكيل وزارة وراكب حمارة!حين يهدر السودان خبراته الوطنية ويبحث عن طريق التعافي في زمن الحرب والذكاء الاصطناعي .. د. أحمد الطيب السماني …أستاذ الإدارة والتنمية

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها .. (30) السودان بين التصعيد العسكري ومواجهة مجلس الأمن واتساع التدخلات الإقليمية . ضربات نيالا وموقف روسيا من شرعية مؤسسات الدولة والتحذير المصري بشأن النيل الأزرق ورسالة البرهان إلى ترامب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أصل القضية | السودان.. هندسة العجز .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

قراءات في أحوال الجنوب الليبي .. الكفرة وأوباري وسبها… صراع القبائل وتنافس القوى (3) .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية

قراءة المشهد الأمني والاجتماعي في جنوب ليبيا لا يكتمل دون التوقف عند ثلاث مدن تمثل، كل واحدة منها بطريقتها، مفاتيح لفهم معادلة صراع النفوذ في إقليم فزان، مدينة الكفرة في الجنوب الشرقي، ومدينة أوباري في الجنوب الغربي وسبها في قلب الإقليم. فهذه المدن بالإضافة إلى كونها مراكز سكانية متباعدة في مساحة صحراوية واسعة، فهي نقاط احتكاك جيوسياسي تتقاطع فيه شبكات التجارة العابرة للحدود، والمصالح الاقتصادية المحلية والتوازنات القبلية، وتمثل متسع يعج بزوبعة من تنقل عناصر وجماعات الجريمة المنظمة والتحركات العسكرية للقوى المتنافسة على السلطة في ليبيا.
وفي تقديري، فإن القاسم المشترك بين المدن الثلاث يتمثل في تراجع قدرة الدولة على إدارة التعدد الاجتماعي ضمن إطار مؤسسي موحد. وهذا يؤكد القول أنه بضعف المؤسسات الرسمية، تقوى شبكات الحماية المحلية القبلية، وتنمو المناطقية وتصبح العلاقات القبلية عاملاً أساسياً في تنظيم الأمن والوصول إلى الموارد. غير أن هذه الشبكات، على الرغم من قدرتها أحياناً على احتواء النزاعات داخل مجتمعاتها، إلا أنها قد تتحول إلى أدوات للصراع عندما تتنافس على النفوذ أو ترتبط بتحالفات عسكرية متعارضة.

تقدم الكفرة نموذجاً وقحاً على هذه المعادلة. فقد شهدت المدينة خلال السنوات التي أعقبت سقوط نظام القذافي مواجهات متكررة بين التبو و قبيلة الزوية، ارتبطت بالخلاف حول النفوذ المحلي والتمثيل السياسي والسيطرة على المجال الحدودي وطرق التهريب. وتفاقم التوتر عام 2015، عندما سعت قيادات من التبو إلى إنشاء سلطة محلية موازية بدعم من خليفة حفتر في شرق ليبيا، في محاولة من اثنية التبو لمعالجة ما اعتبرته تهميشاً سياسياً وإدارياً. وقد أسهمت هذه الخطوة في تصعيد الخلاف مع الزوية، التي احتفظت بنفوذها في المؤسسات المحلية، وانتهت المواجهات بسقوط قتلى ونزوح مدنيين.
الا ان اختزال هذه الأحداث في صراع بين جماعتين يغفل جانباً مهماً من الأزمة، وهو تداخل النزاع على التمثيل السياسي مع التنافس على طرق التجارة ونقاط العبور الحدودية. فالكفرة تقع في موقع استراتيجي يربط ليبيا بمناطق واسعة من السودان وتشاد، وتؤدي دوراً مهماً في حركة السلع والأفراد عبر الصحراء. ولذلك، فإن السيطرة على المجال المحيط بالمدينة تمنح الفاعلين المحليين موارد ونفوذاً يتجاوزان حدود الإدارة البلدية.
وقد تناولت دراسات سابقة شبكات التهريب في ليبيا هذه و العلاقة بين الصراع على السلطة المحلية والاقتصاد العابر للحدود، موضحة أن التنافس بين الزوية والتبو في الكفرة يرتبط بمسائل الحكم والنفوذ، وأن الأنشطة غير المشروعة أصبحت جزءاً من اقتصاد محلي تشكل في ظل ضعف الدولة.
وتبرز في الكفرة أيضاً أهمية كتيبة سبل السلام، وهي تشكيل مسلح ذو توجه سلفي مدخلي بالاشارة إلى الجماعة المدخلية التي تبرر التعاون مع الحاكم وأن كان علمانياً ظالم، لذا فإن كتيبة سبل السلام متحالفه مع قوات لخليفة حفتر. وقد أصبحت سبل السلام جزءاً من منظومة النفوذ الأمني في المنطقة، بما يعكس تداخل المؤسسات العسكرية مع التوازنات المحلية. إلا أن وجود قوة عسكرية أكثر تنظيماً لا يعني بالضرورة انتهاء أسباب الصراع، لأن الاستقرار لا يعني فقط قدرة طرف على فرض سيطرته، بل بقدرة هذا الطرف على توفير الأمن لجميع السكان من دون تمييز.
وفي رأيي، فإن معضلة الكفرة تتمثل في أن معالجة الخلافات الأمنية بالقوة وحدها قد تعزز شعور بعض الجماعات بأنها مستبعدة من ترتيبات الحكم. وإذا ارتبطت المؤسسات الأمنية بجماعة اجتماعية دون غيرها، فإنها قد تفقد صفتها العامة في نظر قطاعات من السكان، حتى إن نجحت في الحد من بعض مظاهر العنف. ومن ثم، فإن بناء الاستقرار يتطلب ضمان التمثيل العادل، وتوحيد المؤسسات وإخضاع جميع التشكيلات المسلحة للقانون، مع تطوير آليات مدنية لتسوية النزاعات حول الأراضي والموارد.
أما أوباري، فإنها تمثل نموذجاً آخر لتداخل الهوية بالمصالح الاستراتيجية. فقد شهدت المدينة ومحيطها مواجهات دامية بين مجموعات من التبو والطوارق خلال الفترة 2014–2016، في بيئة اتسمت بضعف مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسلحة. ولم تكن تلك المواجهات معزولة عن التنافس على المواقع الاستراتيجية والموارد والطرق التي تربط الجنوب الليبي بالحدود الجزائرية والنيجرية.
وتكتسب أوباري أهمية إضافية لقربها من حقل الشرارة النفطي، أحد أهم حقول الإنتاج في ليبيا. وهذا الموقع يجعل الأمن في المنطقة مرتبطاً بصورة مباشرة باستمرارية إنتاج النفط وتأمين المنشآت والطرق المؤدية إليها. وعندما تتراجع قدرة الدولة على حماية هذه المصالح بصورة محايدة، يصبح المجال المحيط بالحقول النفطية عرضة للتنافس بين الجماعات المسلحة، وقد تتحول المنشآت الاقتصادية إلى أوراق ضغط في المساومات السياسية.
وفي هذا السياق، برزت سياسة خليفة حفتر القائمة على استقطاب بعض المجموعات المحلية في أوباري ومحيطها. فقد انضمت مجموعات من الطوارق إلى قواته، في إطار ترتيبات ارتبطت بالحماية والموارد وإعادة تشكيل موازين القوى. وقد ساعد هذا الاستقطاب على توسيع حضور القيادة العامة في الجنوب، لكنه لا يعني أن الطوارق يمثلون كتلة سياسية أو عسكرية واحدة، أو أن جميع أبناء المكون يتبنون موقفاً موحداً من حفتر أو من السلطات الأخرى.
إن التحالفات المحلية في فزان لا تُفهم على نحو دقيق إذا نُظر إليها باعتبارها امتداداً آلياً للهوية القبلية. فقد تنضم مجموعة من الطوارق إلى قوة عسكرية، بينما تختار مجموعة أخرى مساراً مختلفاً، وقد تتغير التحالفات تبعاً لتبدل الظروف الأمنية والاقتصادية. وينطبق الأمر ذاته على التبو والقبائل العربية، بما فيها أولاد سليمان، والزوية، والقذاذفة والمقارحة وغيرها.
ومن هنا، فإن توظيف الروابط الاجتماعية في بناء النفوذ العسكري قد يحقق نتائج سريعة على المستوى الميداني، لكنه يحمل مخاطر إذا تحول إلى وسيلة لإعادة توزيع الموارد والسلطة على أساس الولاء. فحين تشعر جماعة بأن منافستها تحصل على امتيازات بسبب تحالفها مع قيادة عسكرية، قد تسعى إلى بناء تحالف مضاد، وهو ما يجعل التوازنات الأمنية عرضة للتقلب المستمر.
وتتجلى هذه الإشكالية بصورة أكثر وضوحاً في سبها، التي تمثل المركز الإداري والتجاري الأهم في فزان؛ فالمدينة تجمع أولاد سليمان، والقذاذفة، والتبو، والطوارق، والمقارحة، والحساونة وأولاد بوسيف ومكونات أخرى، وقد بين وأثبت التاريخ الحديث مؤشرات التحولات العميقة التي شهدتها ليبيا منذ سقوط نظام القذافي،
فقد أدى انهيار نظام القذافي إلى إعادة ترتيب مواقع النفوذ داخل المدينة. وتراجعت المكانة التي كانت تتمتع بها قطاعات من القذاذفة بحكم ارتباطها بالنظام القديم، في حين سعت مجموعات من أولاد سليمان إلى استعادة نفوذها المحلي. وفي الوقت نفسه، تعزز حضور التبو في بعض المناطق والطرق الجنوبية، بينما ظل الطوارق ومجموعات عربية أخرى أطرافاً فاعلة في التوازنات الاجتماعية والأمنية.

ومنذ العام 2012اندلعت مواجهات بين مجموعات من أولاد سليمان والتبو، ثم تكررت الاشتباكات في مراحل لاحقة ضمن سياق أوسع من التنافس على الموارد والمواقع العسكرية وخلافها. وأدت هذه المواجهات إلى تعميق الانقسام داخل المدينة، وإلى تراجع الثقة بين مكوناتها، كما جعلت الوصول إلى بعض الخدمات والمرافق مرتبطاً في أوقات معينة بالقدرة على التنقل عبر مناطق النفوذ المختلفة.

شهدت مدينة سبها تحولاً في موازين القوة بعد عام 2011، وأن المنافسة بين الجماعات المحلية ترافقت مع تهتك وتمزق المجال الأمني ونشوء مناطق نفوذ متداخلة. كما يوضح أن اقتصاد التهريب والاتجار بالبشر استفاد من ضعف المؤسسات وتراجع النشاط الاقتصادي الرسمي، وأن التحولات العسكرية أعادت تشكيل العلاقة بين الجماعات المسلحة والمصادر المحلية للدخل
وفي هذا السياق، استطاع خليفة حفتر توسيع نفوذه في سبها عبر استقطاب بعض التشكيلات المحلية وربطها بمنظومته العسكرية. ومن أبرز الأمثلة انضمام مجموعات من أولاد سليمان إلى القوات المتحالفة معه، بما في ذلك تشكيلات ارتبطت ب(حسن الزادمة) وقيادة الكتيبة 128 مما أدى لتعزيز حضور قوات حفتر في مناطق من الجنوب، لكنه لم يُنهِ بالضرورة التنافس داخل المدينة أو بين مكوناتها الاجتماعية.
ويجب هنا التمييز بين القبيلة بوصفها مكوناً اجتماعياً، وبين التشكيلات المسلحة التي تضم أفراداً ينتمون إليها. فلا يصح اعتبار جميع أولاد سليمان، أو القذاذفة، أو التبو أو الطوارق مسؤولين عن مواقف جماعة مسلحة أو تحالف سياسي. كما لا ينبغي التعامل مع التحالف العسكري باعتباره تعبيراً عن إجماع اجتماعي، لأن المصالح والتوجهات تختلف داخل كل مكون.
ومن الناحية الاستراتيجية، تكشف سبها أن السيطرة العسكرية لا تكون وحدها كافية لإنتاج الأمن والسكينة و الاستقرار. فالقوة التي تستطيع فرض وجودها في المدينة، قد تكون عاجزة عن إنهاء التنافس على الموارد أو استعادة الثقة بين السكان إذا لم تقترن سيطرتها بإدارة مدنية فعالة، وقضاء مستقل ومؤسسات أمنية مهنية. وقد يؤدي الاعتماد على التشكيلات المحلية إلى توفير قدر من الأمن في بعض المناطق، لكنه قد يعزز أيضاً الانقسام إذا أصبحت كل جماعة مسؤولة عن حماية نطاقها الخاص.
ويعيدنا ذلك إلى فكرة عالم الاجتماع الألماني (ماكس فيبر) عن الدولة بوصفها المؤسسة التي تسعى إلى احتكار الاستخدام المشروع للقوة داخل إقليم محدد. وتكمن أهمية هذه الفكرة في الحالة الليبية في أن وجود السلاح وحده لا يمنح صاحبه شرعية الحكم، كما أن السيطرة على منطقة لا تعني بالضرورة امتلاك الحق في إدارة شؤون سكانها خارج إطار القانون. فالدولة لا تُبنى بمجرد جمع التشكيلات المسلحة تحت قيادة واحدة، وإنما بإنشاء مؤسسات عامة تخضع لقواعد موحدة، وتتمتع بالقدرة على حماية المواطنين ومحاسبة المخالفين.
وفي تقديري، فإن الكفرة، وأوباري وسبها تكشف، كل بطريقتها، عن أزمة أعمق من التنافس القبلي. إنها أزمة إدارة التعدد، وتوزيع الموارد وبناء مؤسسات تحظى بثقة السكان. وقد تؤدي التحالفات العسكرية إلى إعادة ترتيب موازين القوى، لكنها لن تنهي أسباب الصراع ما لم تُعالج المظالم التاريخية وتُضمن الحقوق المتساوية.
ولهذا، فإن أي تسوية مستدامة في الجنوب ينبغي أن تجمع بين المصالحة المحلية وإصلاح المؤسسات الأمنية، وتطوير الاقتصاد الرسمي، وتحسين الخدمات وضمان المشاركة العادلة في الإدارة المحلية. كما ينبغي أن تستند إلى الاعتراف بأن التبو والطوارق والزوية وأولاد سليمان والقذاذفة وسائر المكونات ليست أطرافاً متعارضة بالضرورة، بل جماعات اجتماعية يمكن أن تتقاطع مصالحها في إطار دولة توفر الأمن والعدالة للجميع.
إن مستقبل فزان لن يُحسم بمجرد معرفة أي قوة عسكرية تمتلك النفوذ الأكبر، بل بقدرة الليبيين على بناء نظام لا يحتاج فيه المواطن إلى حماية قبيلته أو سلاح جماعته للحصول على حقه. وعندما تصبح المواطنة أساس العلاقة بين الفرد والدولة، يمكن للمدن الثلاث أن تتحول من بؤر للتنافس على النفوذ إلى مراكز للتجارة والتنمية والتكامل الإقليمي.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6326 | الشراكة الاستراتيجية بين السودان وأمريكا حتمية !!!

المقالة التالية

أصل القضية | السودان.. هندسة العجز .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *