إن فرض هيبة الدولة في المشروعات القومية لا يتعبر ترفاً سياسياً ولا نزعة نحو استخدام القوة، وإنما هو أحد أهم مقومات بناء الدولة الحديثة. فحين تعجز الدولة عن تنفيذ مشروع استراتيجي بسبب اعتراض قرية أو مجموعة محدودة، فإن المشكلة لا تكون في المشروع وحده، بل في قدرة الدولة نفسها على إنفاذ القانون وتحقيق المصلحة العامة.
ولعل مشروع الحل الجذري لمياه مدينة القضارف يمثل نموذجاً مؤسفاً، لذلك فقد تعثر المشروع سنوات ليس فقط لأسباب فنية أو مالية، وإنما أيضاً نتيجة اعتراض إحدى القرى التي يمر عبرها خط المشروع، حيث اشترط بعض أهلها توفير المياه لقريتهم أولا وتطورت الأمور إلى تهديد المقاول مما أسهم في تعطيل التنفيذ إلى جانب عوامل أخرى.
ولا خلاف على أن من حق أي مواطن في القرية أو المدينة أن يطالب بحقوقه في مياه الشرب والخدمات الأساسية، لكن هذا الحق يجب أن يمارس عبر المؤسسات والقانون لا عبر تعطيل مشروع يخدم مئات الآلاف من المواطنين، فالمصلحة العامة لا ينبغي أن تصبح رهينة لمطالب محلية مهما كانت مشروعيتها.
إن قرار حكومة ولاية القضارف بفسخ التعاقد مع الشركة الصينية وإسناد التنفيذ إلى شركات وطنية يفتح صفحة جديدة، لكنه يفرض في الوقت نفسه مسؤولية أكبر على الدولة، فلا يجوز أن تتكرر أسباب التعطيل السابقة، بل يجب أن تنفذ الأعمال وفق الجدول الزمني المحدد مع توفير الحماية القانونية والأمنية الكاملة للعاملين وللمشروع وفي تقديري فإن أي اعتراض غير قانوني على مشروع قومي ينبغي أن يواجه بحزم، مع احترام حقوق المواطنين وسماع مطالبهم، على أن تعالج تلك المطالب بالتوازي أو بعد اكتمال المشروع لا أن تكون سبباً في تعطيله، فالدولة التي تتراجع أمام الضغوط المحلية تفقد قدرتها على التخطيط والتنفيذ، بينما الدولة التي تطبق القانون بعدالة وحكمة تكتسب احترام مواطنيها.
إن هيبة الدولة لا تقاس بكثرة القوة، وإنما بقدرتها على إنفاذ القانون على الجميع دون استثناء، وتحقيق التوازن بين الحقوق الفردية والمصلحة العامة، فالمشروعات القومية ليست ملكاً لقرية أو مدينة، بل هي ملك للوطن كله وحمايتها مسؤولية الدولة قبل أي جهة أخرى. واليوم ينتظر مواطنو القضارف أن يروا هذا المشروع وقد خرج إلى النور بعد سنوات من الانتظار وذلك لن يتحقق إلا إذا اقترنت الإرادة السياسية بسيادة القانون وحسمت أي محاولة لتعطيل مشروع يمثل شريان حياة لمدينة بأكملها، مع ضمان معالجة المطالب المشروعة للمجتمعات المحلية في إطار الدولة والقانون لا على حساب مستقبل التنمية.


