Popular Now

وكيل وزارة وراكب حمارة!حين يهدر السودان خبراته الوطنية ويبحث عن طريق التعافي في زمن الحرب والذكاء الاصطناعي .. د. أحمد الطيب السماني …أستاذ الإدارة والتنمية

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها .. (30) السودان بين التصعيد العسكري ومواجهة مجلس الأمن واتساع التدخلات الإقليمية . ضربات نيالا وموقف روسيا من شرعية مؤسسات الدولة والتحذير المصري بشأن النيل الأزرق ورسالة البرهان إلى ترامب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أصل القضية | السودان.. هندسة العجز .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

وكيل وزارة وراكب حمارة!حين يهدر السودان خبراته الوطنية ويبحث عن طريق التعافي في زمن الحرب والذكاء الاصطناعي .. د. أحمد الطيب السماني …أستاذ الإدارة والتنمية

ليس المقصود من هذا العنوان إثارة الدهشة، ولا صناعة مفارقة لغوية تستدرج القارئ إلى المتن، وإنما هو عنوان يحمل في داخله سؤالاً وطنياً مؤلماً: كيف يمكن لدولة أن تستغني عن خبرات رجال أفنوا أعمارهم في بناء مؤسساتها، وشاركوا في صياغة قوانينها وتشريعاتها، واكتسبوا معرفة عميقة بأسرار إدارتها، ثم تمضي بهم الحياة إلى مسارات بعيدة عن ميادين تخصصهم، بينما تظل بلادهم في أمسّ الحاجة إلى عقولهم وتجاربهم؟

إن صورة وكيل الوزارة الذي عرف دهاليز الإدارة العامة، وشارك في صناعة القرار، ثم أصبح مزارعاً يتعامل مع الأرض وأدواتها، ليست في ذاتها صورة انتقاص أو عيب. فالزراعة مهنة كريمة، وهي أساس الأمن الغذائي وركيزة من ركائز النهضة الاقتصادية. وليس في العمل بالأرض ما ينتقص من قدر الإنسان، بل إن الأوطان التي تحترم العمل وتنتج غذاءها تستحق التقدير.

لكن السؤال الذي يستحق الوقوف عنده هو: هل اختار هذا الخبير الانتقال إلى الزراعة بكامل إرادته بعد أن وجد فرصته في توظيف خبرته، أم انتهى إليها لأن الدولة لم تعد تعرف كيف تستفيد مما يمتلكه من معرفة وتجربة؟
هنا تكمن القضية.

فالمشكلة ليست في (الحمارة) ، ولا في المحراث، ولا في الأرض التي تستقبل عرق المزارعين، وإنما في دولة قد تمتلك كنوزاً بشرية حقيقية ثم تعجز عن تحويل هذه الكنوز إلى قيمة مضافة في حاضرها ومستقبلها.

من ذاكرة الخدمة المدنية إلى هامش المشهد الوطني

من واقع عملي السابق في وزارة العمل، وتجربتي أميناً عاماً للمجلس القومي للتدريب، عرفت عدداً من القيادات الإدارية التي تراكمت لديها خبرات يصعب اكتسابها من الكتب وحدها. فقد أمضى بعضهم عشرات السنين في الخدمة العامة، وتدرجوا في المسؤوليات، وعاصروا تحولات مؤسسية وتشريعية وإدارية متعاقبة، وأصبحوا يمتلكون معرفة تفصيلية بكيفية نشأة القوانين، وأسباب تعديلها ومواطن القوة والضعف في تطبيقها.

ومن بين هؤلاء مسؤولون سابقون في مواقع قيادية بوزارة العمل والخدمة المدنية، عُرف بعضهم بسعة المعرفة التشريعية والإدارية، حتى أصبحوا مرجعاً في عدد من قضايا الخدمة العامة. وأعرف من هذه الفئة من تجاوزت خبرته أربعة عقود من العمل داخل السودان، دون أن يخرج مهاجراً بحثاً عن فرصة في الخارج، وإنما أمضى عمره المهني في خدمة بلاده.

ثم تمضي السنوات، وتتغير الحكومات وتتعاقب القيادات، وقد يغيب هؤلاء عن المشهد المؤسسي، لا لأن معرفتهم انتهت بالضرورة، ولا لأن المجتمع استوفى حاجته إلى خبراتهم، وإنما لأن منظومة الاستفادة من الكفاءات لا تملك دائماً آلية تحفظ الذاكرة المؤسسية وتنقلها من جيل إلى جيل.

إن انتهاء الخدمة الرسمية لا يعني انتهاء الصلاحية المعرفية. والتقاعد من المنصب ليس تقاعداً من التفكير، كما أن مغادرة المكتب لا تعني أن صاحبه فقد القدرة على تقديم المشورة أو تدريب الأجيال أو المساهمة في إصلاح المؤسسات.

إن الخبرة الإدارية ليست مجرد سنوات تُكتب في السيرة الذاتية، بل هي معرفة متراكمة بالقرارات ونتائجها، وبالمؤسسات وثقافاتها، وبالنجاحات والإخفاقات التي لا تظهر كلها في التقارير الرسمية.

وحين تفقد الدولة هذه الذاكرة، فإنها لا تخسر أفراداً فحسب، بل قد تضطر إلى إعادة اكتشاف ما سبق أن عرفته، وتكرار أخطاء سبق أن دفعت ثمنها، والبدء من الصفر في ملفات كان يمكن أن تنطلق فيها من حيث انتهى الآخرون.

رأس المال البشري: الثروة التي لا تظهر في الموازنة

تؤكد نظريات التنمية الحديثة أن الإنسان ليس مجرد عنصر من عناصر الإنتاج، بل هو محور التنمية ووسيلتها وغايتها. ومن أبرز المداخل النظرية في هذا المجال نظرية رأس المال البشري المرتبطة بأعمال الاقتصاديين غاري بيكر وثيودور شولتز، التي تبرز قيمة المعرفة، والمهارات، والتعليم والخبرة في رفع الإنتاجية وتحسين الأداء الاقتصادي.

وتقدم نظرية رأس المال الفكري، بدورها، إطاراً لفهم قيمة المعرفة المتراكمة داخل المؤسسات، بما في ذلك خبرات العاملين، والذاكرة التنظيمية، والإجراءات، والعلاقات المهنية التي تساعد على تحويل المعرفة الفردية إلى قدرة مؤسسية مستدامة.

ومن هذا المنظور، فإن الخبير الذي أمضى أربعين عاماً في الخدمة المدنية لا يمثل مجرد موظف سابق، بل قد يمثل مستودعاً للمعرفة التنظيمية، وشاهداً على تطور التشريعات، ومرجعاً لفهم السياقات التي تشكلت فيها السياسات العامة.

لكن لا بد من التمييز بين طول الخدمة وجودة الخبرة؛ فليس كل من أمضى أربعين عاماً أصبح خبيراً بالضرورة، ولا ينبغي أن تتحول الأقدمية إلى امتياز دائم. المطلوب هو تقييم موضوعي لما يمتلكه كل شخص من كفاءة فعلية، ومعرفة قابلة للتطبيق، وقدرة على التعلم والتجديد، واستعداد للعمل ضمن مؤسسات حديثة.

وهنا يأتي دور الدولة في بناء نظام وطني لإدارة الكفاءات، لا يقوم على أسماء الأشخاص وحدها، وإنما على تحديد الاحتياجات، وتقييم القدرات، وربط الخبرات بالأولويات التنموية وقياس النتائج.

فالمعرفة التي لا تُستخدم تتآكل، والخبرة التي لا تنتقل تموت بموت أصحابها، والمؤسسة التي لا تتعلم من تاريخها محكوم عليها بأن تكرر بعض أخطائها.

السودان في زمن الحرب: لماذا أصبح استرداد الخبرة ضرورة وطنية؟

لقد وضعت الحرب السودان أمام أزمة مركبة لا تقتصر على الدمار المادي أو النزوح أو تراجع النشاط الاقتصادي، وإنما تمتد إلى تعطّل المؤسسات، وتشتت القوى العاملة، وانقطاع مسارات التدريب والتأهيل وفقدان جانب من الذاكرة الإدارية والتنظيمية.

وفي مثل هذه الظروف، لا يكفي أن نفكر في إعادة بناء المباني والمكاتب والطرق؛ بل ينبغي أن نفكر في إعادة بناء القدرة على الإدارة، وصناعة القرار، وتقديم الخدمات، وتسوية النزاعات وإعادة الثقة بين الدولة والمجتمع.

فالمؤسسة العامة لا تنهض بالجدران والأثاث واللوائح وحدها، وإنما تحتاج إلى أشخاص يعرفون كيف يحولون القانون إلى إجراء، والسياسة إلى برنامج، والبرنامج إلى خدمة والخدمة إلى أثر يشعر به المواطن.

ومن هنا، فإن استدعاء الخبرات الوطنية ينبغي ألا يُفهم بوصفه عودة إلى الماضي، أو محاولة لاستعادة أنماط الإدارة القديمة بكل ما فيها من إيجابيات وسلبيات، بل بوصفه عملية انتقائية واعية تستخلص أفضل ما في التجربة السابقة، وتخضعه لمعايير الشفافية والكفاءة والمساءلة، ثم تطوره بما يتناسب مع متطلبات الدولة الحديثة.

إن السودان لا يحتاج إلى إعادة إنتاج الماضي، وإنما يحتاج إلى التعلم منه.

فإذا كانت لدينا خبرات في الخدمة المدنية والتشريع والتخطيط والتدريب وإدارة الموارد البشرية والمالية العامة، فإن من الحكمة أن نضعها في خدمة مرحلة التعافي، إلى جانب طاقات الشباب، وخبرات السودانيين في المهجر، والمعرفة التي تنتجها الجامعات، ومراكز البحوث والأدوات الرقمية الحديثة.

والأهم أن يجري ذلك وفق احتياجات حقيقية ومهام محددة، لا على أساس المجاملة أو رد الاعتبار الشخصي أو إعادة توزيع المناصب.

المصالحة الوطنية تبدأ أيضاً من الاعتراف بالكفاءة

عندما نتحدث عن المصالحة الوطنية، يتجه التفكير غالباً إلى وقف العنف، وفتح قنوات الحوار، وتسوية الخلافات السياسية والاجتماعية وإعادة بناء الثقة بين المكونات السودانية. وكل ذلك ضروري، لكن المصالحة الأعمق تحتاج كذلك إلى إعادة النظر في الطريقة التي نُقيّم بها الناس ونحدد بها من يستحق المشاركة في بناء المستقبل.

إن من أخطر ما يمكن أن يحدث في المجتمعات الخارجة من النزاعات أن تتحول الاختلافات السياسية أو الاجتماعية إلى أحكام دائمة على الأفراد، وأن يصبح الانتماء بديلاً عن الكفاءة، أو أن يُنظر إلى صاحب الرأي المختلف باعتباره خصماً لا يمكن الاستفادة من علمه أو تجربته.

ولا يعني ذلك تجاهل المسؤولية الفردية أو تجاوز القانون أو التساهل مع الفساد والانتهاكات. فالمصالحة الحقيقية لا تلغي العدالة، ولا تعفي من المساءلة ولا تساوي بين من التزم بالقانون ومن ثبتت مسؤوليته عن مخالفته. لكنها ترفض، في الوقت نفسه، أن تتحول المواقف السياسية أو الانتماءات الاجتماعية إلى تصنيف جماعي يحرم المجتمع من قدراته البشرية.

إن المعيار الذي نحتاج إليه اليوم هو: ماذا يعرف هذا الشخص؟ ماذا يستطيع أن يقدم؟ ما سجله المهني؟ هل يلتزم بالقانون وأخلاقيات الوظيفة العامة؟ وهل يمكن تقييم مساهمته وقياس نتائجها؟

بهذا المعنى، تصبح الاستفادة من الخبرات الوطنية أحد المسارات العملية للمصالحة، لأنها تعيد تعريف العلاقة بين المواطن والدولة على أساس المسؤولية، والقدرة والمصلحة العامة.

فليس المطلوب أن نتفق جميعاً في السياسة حتى نعمل معاً في إصلاح الخدمة المدنية، وليس من الضروري أن تتطابق رؤانا الفكرية حتى نتعاون في تدريب الشباب، وتحسين المستشفيات، وتطوير التعليم، وإصلاح التشريعات وإعادة الخدمات إلى المناطق المتضررة.

إن الوطن أوسع من الأحزاب، وأبقى من الحكومات وأعمق من الانقسامات العابرة.

من المحاصصة إلى الاستحقاق: كيف نستعيد الكنوز البشرية؟

إن الدعوة إلى الاستفادة من الخبرات الوطنية لن تحقق أهدافها إذا ظلت في حدود العبارات الجميلة. فهي تحتاج إلى آليات مؤسسية واضحة، وإلى إرادة تجعل الكفاءة معياراً قابلاً للتطبيق، لا شعاراً يُرفع عند الحاجة.

وأقترح في هذا السياق مشروعاً وطنياً بعنوان «المرصد السوداني للكفاءات والخبرات الوطنية»، يعمل بالتنسيق مع الجهات المختصة والجامعات والمؤسسات المهنية، ويهدف إلى حصر الخبرات القابلة للإسهام في إعادة الإعمار والتعافي المؤسسي، داخل السودان وخارجه.

ويمكن أن يقوم المشروع على ستة مسارات مترابطة:

أولاً: بناء سجل وطني للكفاءات.
حصر الخبرات في مجالات الخدمة المدنية، والقانون والتشريع، والاقتصاد والمالية، والتخطيط، والصحة، والتعليم، والزراعة، والهندسة، وإدارة الأزمات، والتدريب والتحول الرقمي. ويجب أن يعتمد السجل على بيانات مهنية موثقة، مع احترام الخصوصية، وإتاحة التسجيل الطوعي والتحديث المستمر للمعلومات.

ثانياً: تقييم الكفاءة لا الانتماء.
إنشاء معايير موضوعية لتقييم الخبرات، تشمل الإنجازات السابقة، والقدرة على حل المشكلات، والنزاهة المهنية، والمهارات الحديثة والاستعداد لنقل المعرفة. ويُمنع استخدام السجل وسيلة للمحاصصة الحزبية أو القبلية أو لتصفية الحسابات.

ثالثاً: إنشاء مجالس خبراء قطاعية مستقلة.
تُشكّل مجموعات استشارية مؤقتة في مجالات محددة، مثل إصلاح الخدمة المدنية، ومراجعة التشريعات، وإعادة بناء نظم التدريب، وتطوير الإدارة المحلية وتحسين الخدمات الأساسية. وتُحدد لكل مجموعة مهمة واضحة، ومدة زمنية، ومخرجات قابلة للقياس.

رابعاً: نقل المعرفة إلى الأجيال الجديدة.
ربط الخبراء السابقين بالشباب من خلال برامج الإرشاد المهني، والتوجيه، والتدريب العملي، وتوثيق التجارب الإدارية، وإنشاء مكتبة رقمية للسوابق التشريعية والتجارب المؤسسية والدروس المستفادة. فالقيمة الكبرى للخبير ليست فيما يحتفظ به لنفسه، وإنما فيما يستطيع أن ينقله إلى الآخرين.

خامساً: الاستفادة المرنة من الخبرات.
ليس من الضروري إعادة كل خبير إلى منصب رسمي. يمكن الاستفادة منه بعقد استشاري محدد المدة، أو مهمة بحثية، أو برنامج تدريبي، أو مراجعة تشريعية، أو مشاركة عن بُعد من الخارج. وبذلك نحول الخبرة إلى خدمة عامة دون تضخم إداري أو خلق امتيازات جديدة.

سادساً: قياس الأثر والمساءلة.
تقييم كل مبادرة وفق نتائجها، مثل تقليل زمن إنجاز المعاملات، وتحسين جودة الخدمات، وتطوير اللوائح، ورفع كفاءة العاملين، وتخفيض الهدر وزيادة رضا المستفيدين. فاحترام الخبرة لا يعني إعفاءها من التقييم، بل يعني منحها الفرصة لإثبات قيمتها.

ويمكن البدء بمرحلة تجريبية محدودة في قطاعين أو ثلاثة، مثل الخدمة المدنية والتدريب والتشريع، ثم توسيع التجربة بناءً على نتائج مستقلة وشفافة.

الذكاء الاصطناعي لا يلغي الخبرة الإنسانية

قد يتساءل البعض: ما جدوى البحث عن خبرات الأمس في عالم تتسارع فيه تطبيقات الذكاء الاصطناعي وتعيد فيه التكنولوجيا تشكيل الوظائف والمهارات؟

والإجابة أن الذكاء الاصطناعي لا يجعل الخبرة البشرية بلا قيمة، بل يغير طبيعة القيمة التي تقدمها.

فالأنظمة الذكية تستطيع المساعدة في تحليل النصوص القانونية، واستخراج المعلومات من الوثائق، ومقارنة اللوائح، ورصد الأنماط، وتسريع إعداد التقارير وتوفير أدوات للتنبؤ والتخطيط. لكنها تحتاج إلى بيانات موثوقة، وفهم للسياق، ومعايير للتحقق، وحكم مهني يحدد ما ينبغي فعله، وما يجب تجنبه وما إذا كانت النتائج مناسبة للواقع الذي ستُطبق فيه.

ويمكن لخبير الخدمة المدنية، مثلاً، أن يساعد فريقاً تقنياً على فهم التطور التاريخي للتشريعات، وتحديد التعارضات المحتملة، والتمييز بين النصوص النافذة والقرارات التي فقدت أثرها. ثم تساعد الأدوات الرقمية على تسريع التحليل وتوثيقه، بينما تتولى الجهات المختصة التحقق القانوني واتخاذ القرار.

وهنا يلتقي جيلان من المعرفة: جيل يحمل خبرة السياق المؤسسي، وجيل يجيد أدوات التحليل الرقمي والذكاء الاصطناعي.

لكن هذه الشراكة لن تنجح إذا تعاملنا مع الخبراء السابقين باعتبارهم حراساً للماضي، أو مع الشباب باعتبارهم قليلي الخبرة، أو مع التكنولوجيا باعتبارها حلاً سحرياً لكل مشكلة. فالخبرة دون تجديد قد تتجمد، والتكنولوجيا دون فهم مؤسسي قد تضاعف الأخطاء، والشباب دون نقل للمعرفة قد يضطرون إلى التعلم بالطريقة الأصعب.

إن المستقبل يحتاج إلى تكامل الخبرة الإنسانية مع القدرات الرقمية، لا إلى صراع بينهما.

الزراعة ليست نهاية الطريق، بل قد تكون بداية مختلفة

ولنعد إلى صورة الوكيل السابق الذي أصبح مزارعاً.
قد يكون هذا الرجل قد وجد في الأرض استقلالاً وراحة وكرامة لم يجدها في الوظيفة، وقد يكون اختياره تعبيراً عن رغبة حقيقية في الإنتاج والعمل الحر. وإذا كان الأمر كذلك، فليس من حق أحد أن يصور انتقاله إلى الزراعة بوصفه خسارة شخصية أو اجتماعية.

بل إن السودان يحتاج إلى تحويل الزراعة نفسها إلى مجال للعلم، والإدارة والتكنولوجيا، وإلى توظيف خبرات التخطيط والاقتصاد والتنظيم في تطوير الإنتاج، وسلاسل الإمداد، والتصنيع الزراعي والتسويق.

غير أن القضية التي أردت التنبيه إليها تظل قائمة: لماذا لا نمنح صاحب الخبرة فرصة عادلة ليقرر كيف يخدم وطنه، بدلاً من أن تتركه الظروف خارج دائرة الاستفادة من معرفته؟

يمكن للخبير الإداري أن يكون مزارعاً ناجحاً، ومستشاراً إدارياً في الوقت نفسه، ويمكن للطبيب أن يساهم في تطوير الإدارة الصحية بعد تقاعده، وللمهندس أن ينقل خبرته إلى أجيال جديدة وللمعلم أن يشارك في مراجعة المناهج أو تصميم برامج تدريبية.

إن تعدد الأدوار لا ينتقص من قيمة الإنسان، لكن حرمان المجتمع من الاستفادة من قدراته بسبب غياب التنظيم المؤسسي يمثل خسارة كان يمكن تجنبها.

ولذلك، لا أدعو إلى إعادة كل من غادر الوظيفة إلى مكتبه السابق، وإنما أدعو إلى بناء منظومة تتيح للخبرة أن تجد موقعها المناسب، وفق رغبة صاحبها، وكفاءته وحاجة المجتمع.

السودان الذي نريده لا يسأل: من أين أنت؟ بل ماذا تستطيع أن تقدم؟

إن التعافي الوطني لا يتحقق بمجرد توقف القتال، وإن كان وقف الحرب وحماية المدنيين شرطاً أساسياً لكل ما يأتي بعده. فهناك معركة أخرى لا تقل أهمية: معركة استعادة الثقة، وإصلاح المؤسسات، وترميم النسيج الاجتماعي، وإعادة الاعتبار للعمل، والمعرفة والمسؤولية العامة.

وفي هذه المعركة، نحتاج إلى لغة جديدة في تقييم الناس، وإلى ثقافة مؤسسية لا تُغلق الأبواب أمام الخبرات بسبب اختلافاتها، ولا تمنح الامتيازات لمجرد الولاء ولا تستبدل الكفاءة بالمجاملة.

نحتاج إلى دولة تستوعب دروس الماضي دون أن تسكن فيه، وتمنح الشباب فرصتهم دون أن تهدر خبرة الكبار، وتفتح أبواب المشاركة أمام السودانيين في الداخل والخارج وتضع الجميع أمام معيار واضح: خدمة الوطن وفق الكفاءة، والنزاهة والقانون.

وإذا أردنا أن نجعل المصالحة الوطنية مشروعاً حقيقياً، فلنبدأ بما يمكن أن يجمع السودانيين عملياً: إصلاح المؤسسات، وتطوير التعليم، واستعادة الخدمات، وبناء القدرات، وتأهيل الإدارة المحلية، وتوفير فرص العمل وإعادة بناء ما دمرته الحرب.

هذه أهداف لا تحتاج إلى إجماع سياسي كامل حتى يبدأ العمل فيها، لكنها تحتاج إلى حد أدنى من الثقة، وقواعد عادلة للمشاركة، وقيادة تؤمن بأن الوطن لا يُبنى بإقصاء نصف أبنائه أو بالتقليل من شأن تجاربهم.

إن من حق كل سوداني أن يختلف في الرأي، ومن واجب الجميع احترام القانون ومن مصلحة الوطن أن يستفيد من كل عقل قادر على الإسهام في نهضته.

كلمة أخيرة: لا تدعوا الكنوز تموت في صمت

إنني أكتب هذه الكلمات من واقع تجربة مهنية، جعلتني أرى عن قرب ما يمكن أن تختزنه الخدمة العامة من خبرات، وما يمكن أن تفقده الدولة حين لا توثق تلك الخبرات، ولا تنقلها ولا تستثمرها.

ولا أكتب دفاعاً عن جيل بعينه، ولا دعوة إلى إعادة إنتاج قيادات الماضي، ولا انحيازاً إلى حزب أو جماعة أو قبيلة. إنما أكتب دفاعاً عن مبدأ أراه أساسياً في بناء الدولة الحديثة: أن يكون العلم، والخبرة، والنزاهة والقدرة على الإنجاز هي المعايير الحاكمة للاستفادة من الناس.

أدعو الجهات المعنية بالتعافي الوطني، والجامعات، ومراكز البحوث، والمؤسسات المهنية، والقيادات الإدارية السابقة والشباب السوداني، إلى إطلاق حوار عملي حول كيفية استرداد الخبرات الوطنية وتوظيفها في إعادة بناء السودان.

فلنبحث عن هؤلاء الرجال والنساء، أينما كانوا، في القرى والمدن، وفي المزارع والجامعات وفي المهاجر ومراكز العمل، ولنسألهم عما يستطيعون تقديمه، لا عن الجهة التي ينتمون إليها.

لنوثق تجاربهم، ونختبر أفكارهم، ونستفيد من نجاحاتهم، ونتعلم من إخفاقاتهم ونربطهم بأجيال جديدة قادرة على تطوير المعرفة وتجاوز حدودها.

فالأوطان لا تنهض بالأحياء وحدهم ولا بالماضي وحده، وإنما تنهض حين تحول تجارب أجيالها إلى طاقة للمستقبل.

وكيل وزارة و (راكب حمارة!)

قد يبقى العنوان مفارقة تستوقف القارئ، لكن الرسالة التي أريدها أن تبقى بعد انتهاء القراءة أعمق من المفارقة نفسها: لا عيب في مهنة الزراعة، ولا عيب في التقاعد، ولا قداسة في المناصب، إنما العيب أن يمتلك الوطن المعرفة ثم يعجز عن الانتفاع بها، وأن يبحث عن طريق النهضة، بينما يترك بعض مفاتيحها في أيدي خبراء لم يسألهم أحد عما يستطيعون تقديمه.

إن السودان، وهو يتطلع إلى السلام والتعافي وإعادة البناء، لا يحتاج فقط إلى استعادة ما فقده من موارد ومؤسسات، بل يحتاج أيضاً إلى استعادة ثقته في الإنسان السوداني، بكل ما يمتلكه من علم، وتجربة وقدرة على العطاء.

فلنجعل الكفاءة جسراً للمصالحة، والمعرفة أساساً للشراكة والإنسان محوراً للتنمية.

فربما كان بيننا اليوم من يستطيع أن يسهم في بناء السودان الجديد، لكنه ينتظر فقط أن يطرق أحد باب خبرته، لا باب منصبه القديم.

والسلام ختام.

د. أحمد الطيب السماني
أستاذ الإدارة والتنمية

المقالة السابقة

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها .. (30) السودان بين التصعيد العسكري ومواجهة مجلس الأمن واتساع التدخلات الإقليمية . ضربات نيالا وموقف روسيا من شرعية مؤسسات الدولة والتحذير المصري بشأن النيل الأزرق ورسالة البرهان إلى ترامب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *