Popular Now

وجه الحقيقة | المواصفات.. اقتصاد الفوضى .. د. إبراهيم شقلاوي

وكيل وزارة وراكب حمارة!حين يهدر السودان خبراته الوطنية ويبحث عن طريق التعافي في زمن الحرب والذكاء الاصطناعي .. د. أحمد الطيب السماني …أستاذ الإدارة والتنمية

السودان ما بين جهود الداخل والأشقاء والتدخلات الدولية والإقليمية ومساعي تفكيك الدولة ومؤسساتها .. (30) السودان بين التصعيد العسكري ومواجهة مجلس الأمن واتساع التدخلات الإقليمية . ضربات نيالا وموقف روسيا من شرعية مؤسسات الدولة والتحذير المصري بشأن النيل الأزرق ورسالة البرهان إلى ترامب .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية والشأن الأفريقي

وجه الحقيقة | المواصفات.. اقتصاد الفوضى .. د. إبراهيم شقلاوي

قد تتسلل الفوضى الاقتصادية، عبر تفاصيل تبدو صغيرة، إناء يُصنع من مخلفات المعادن، وغذاء يُنتج بدقيق فاسد وميزان يخالف وحدات القياس المعتمدة. ما يجمع هذه الوقائع هو الغش التجاري، بجانب اتساع الفجوة بين القانون والسوق وتحول ضعف الرقابة إلى فرصة للربح على حساب صحة المواطنين وحقوقهم. لذلك تتجاوز المواصفات والمقاييس وظيفتها الفنية لتصبح إحدى أدوات حماية الدولة والمجتمع.

في السودان، حيث أعادت الحرب منذ أبريل 2023 تشكيل الاقتصاد وسبل العيش، تكتسب هذه المعركة أهمية استثنائية، فقد زادت الضغوط على المواطنين في كافة أوجه المعاش ،وتعقدت ظروف الرقابة وانتظام الأسواق بما يتيح لبعض الأنشطة استغلال الثغرات لتحقيق مكاسب غير مشروعة. وهكذا لا يدفع المجتمع ثمن المخالفة من ماله وحده، بل من جهده، و صحته، وثقته في المؤسسات وقدرته على استعادة الاستقرار.

وتكشف ضبطيات مباحث التجارة والتموين وحماية المستهلك الأسبوع الماضي ،بالتنسيق مع الهيئة السودانية للمواصفات والمقاييس والجهات العدلية والصحية، عن خطورة هذه الممارسات، فقد ضُبطت مواقع عشوائية لتصنيع أواني الطهي من مخلفات معادن مختلفة، بينها الرصاص والألومنيوم، كما كُشف عن منزل في حي الشجرة بالخرطوم يُستخدم لإنتاج الفطائر بدقيق فاسد محظور للاستهلاك الآدمي تمهيداً لتوزيعها على المطاعم. وتكمن خطورة هذه الوقائع في أن المخالفة لا تبقى محصورة في موقع الإنتاج، بل قد تمتد آثارها إلى موائد المواطنين والأسواق.

المسألة إذن تتجاوز الغش التجاري إلى الحق في الغذاء الآمن والاستهلاك المأمون، فالمستهلك لا يمتلك دائماً الوسائل الفنية للتحقق من سلامة ما يشتريه من الأسواق، ولذلك لا يجوز أن تُترك حياته رهينة لضمير المنتج أو التاجر. ومن هنا، لا يكفي ضبط المصانع المخالفة، بل ينبغي تتبع مصادر المواد الخام، ومراقبة سلاسل الإنتاج والتوزيع، وتطوير الفحص الفني وضمان تطبيق القانون بصرامة بما يمنع تكرار المخالفات. فالضبطية توقف الخطر، لكن الرقابة المستدامة تعالج أسبابه.

ويكتسب التنسيق بين المواصفات والمباحث والنيابة والجهات الصحية والبيئية أهمية خاصة في بناء منظومة متكاملة لحماية المستهلك. كما أن تسريع الإجراءات والتوسع في إتاحة الخدمات العدلية بالعاصمة المثلثة يمكن أن يعززا الاستجابة للبلاغات. غير أن الاختبار الحقيقي يكمن في كثافة الاجتماعات التنسيقية والحملات المنظمة، بجانب قدرة المؤسسات على سد الثغرات قبل وقوع الضرر، ومحاسبة المخالفين ومنع تحول العقوبة إلى مجرد تكلفة يتحملها صاحب النشاط ثم يستأنف ممارساته.

وفي المقابل، تقدم البلاغات التي أسهمت في كشف مصنع مخالف لأواني الألومنيوم في أم درمان دليلاً على أهمية الشراكة مع المواطنين، فالمستهلك الواعي ليس متلقياً للحماية فحسب، بل شريك في إنتاجها، شريطة أن يجد قنوات فعالة للاستجابة وأن يلمس أثراً حقيقياً لبلاغاته. وحتى حملة مصادرة أوزان الرطل وإلزام التجار باستخدام الكيلوجرام في سوق (ستة) بالحاج يوسف مطلع الأسبوع تتجاوز تصحيح وحدات القياس إلى حماية عدالة المعاملة ومنع التلاعب بحقوق المشترين. فحضور الدولة يُقاس أيضاً بقدرتها على إنفاذ القانون في تفاصيل الحياة و معاش الناس.

وعلى المستوى الدولي، تمثل مشاركة السودان في الاجتماع السنوي للمنظمة الدولية للتقييس في باريس، واللقاءات مع هيئات التقييس الروسية والسعودية والسويدية والتواصل مع الأمين العام للمنظمة، فرصة لتعزيز التعاون وتبادل الخبرات وتطوير القدرات الفنية. فالسودان لا يحتاج إلى ضبط جودة المنتجات المتداولة داخلياً فحسب، بل إلى بناء الثقة في إنتاجه الوطني وتهيئة فرص نفاذه إلى الأسواق الخارجية. وفي مرحلة إعادة الإعمار، تصبح المواصفات جزءاً من البنية الاقتصادية اللازمة لتحسين الإنتاج، ودعم الصناعة، وتسهيل التجارة، وجذب الاستثمار.

ومن هذا المنطلق، تتجاوز دلالة الاحتفاء باليوم العالمي للمواصفات، في الرابع عشر من أكتوبر، تحت شعار “رؤية مشتركة لعالم أفضل” ، حدود المناسبة إلى ربط الجودة بأهداف التنمية المستدامة، وحماية الإنسان والبيئة. ويظل التحدي في تحويل هذا الاهتمام إلى سياسة مستمرة، تستند إلى تطوير المختبرات، وتحديث المعلومات وتعزيز الرقابة الاستباقية، بحيث تُكتشف المخاطر قبل وصولها إلى المستهلك، لا بعد وقوع الضرر.

اقتصاد الفوضى، بحسب #وجه_الحقيقة، لا يُواجه بالحملات وحدها، بل بمنظومة تُضيّق منافذ المخالفة وتجعل العقوبة رادعة، فالمواصفات ليست مجرد معايير للجودة، بل خط دفاع عن صحة المواطن، وثقة السوق والإنتاج الوطني. لذلك المعركة أوسع من ضبط السلع المخالفة، إنها مواجهة مع تحويل الفوضى إلى مصدر للربح، فالدولة التي تعجز عن حماية المواطن في تفاصيل حياته، يصعب أن تستعيد ثقة المجتمع في قدرتها على التعافي.
دمتم بخير وعافية.
Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

وكيل وزارة وراكب حمارة!حين يهدر السودان خبراته الوطنية ويبحث عن طريق التعافي في زمن الحرب والذكاء الاصطناعي .. د. أحمد الطيب السماني …أستاذ الإدارة والتنمية

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *