Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6335 (بدعم من الذكاء الاصطناعي Meta + Gemini وتعليقاتهما في نهاية هذا المنشور) ​الحل الجذري المستدام.. له مطلوبات محددة .. ترجمة المنشور 6335 للغة الانجليزية مرفقة

من الفيزا الجوية إلى الرسالة الخطية: هل بدأ التحوّل في العلاقة بين واشنطن والخرطوم؟ .. قراءة في توقيت رسالة البرهان إلى ترامب، وحدود التقارب مع واشنطن، وكلفته على العلاقة مع موسكو .. د. خالد حسين محمد

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان .. هندسة اللايقين .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

من الفيزا الجوية إلى الرسالة الخطية: هل بدأ التحوّل في العلاقة بين واشنطن والخرطوم؟ .. قراءة في توقيت رسالة البرهان إلى ترامب، وحدود التقارب مع واشنطن، وكلفته على العلاقة مع موسكو .. د. خالد حسين محمد

مقدمة
بين حجب تأشيرة رئيس مجلس السيادة عن اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، ورسالةٍ خطية بعث بها إلى الرئيس الأمريكي بعد أسابيع قليلة، تبدو العلاقة بين الخرطوم وواشنطن كأنها تسير على إيقاعين متناقضين: ضغطٍ أمريكي بلغ حدَّ نزع الشرعية، ومرونةٍ سودانية تبحث عن نافذة للتفاهم.
فهل نحن أمام بداية تحوّلٍ حقيقي في مسار العلاقة، أم أمام مناورة دبلوماسية في لحظة مأزومة؟ وهل يمكن للخرطوم أن تقترب من واشنطن دون أن تخسر موسكو، سندها الأبرز في مجلس الأمن؟
يحاول هذا المقال قراءة تزامن الأحداث، وتفكيك مضمون الرسالة، ورصد العوامل التي دفعت نحوها، ثم الوقوف على طبيعة السلوك التفاوضي الأمريكي وكلفة هذا التقارب على العلاقة مع روسيا.

مفارقة العام الأخير

عاشت العلاقة السودانية الأمريكية في العام الأخير مفارقةً واضحة. فقد دخلت إدارة ترامب الملف في نوفمبر 2025 خلال زيارة ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان إلى واشنطن، حين طلب من الرئيس ترامب أن ينظر إلى الجيش السوداني كما تنظر إليه الرياض: حصناً يحول دون انهيار الدولة.

ثم أُسند الملف إلى مسعد بولس، الذي انحاز بالكامل لصالح الدعم السريع بالتنسيق مع الإمارات. ووصلت العلاقة بين الطرفين في عهده إلى بيان الخارجية الأمريكية الصادر في 22 سبتمبر 2026، الذي نزع الشرعية عن الطرفين وقيادتيهما، وانتهت بحجب التأشيرة عن الرئيس البرهان لحضور الدورة الحادية والثمانين للجمعية العامة للأمم المتحدة في التاريخ نفسه.

أكتوبر: أحداثٌ لا تصنعها المصادفة

اللافت للنظر أنه مع مطلع أكتوبر توالت مجموعة من الأحداث لا يمكن أن تكون قد وقعت مصادفة، ومنها:

– مطلع أكتوبر: أرسل البرهان رسالة إلى ترامب قبل لقائه بولس، ولم يُعلَن عنها حينها.
– 3–4 أكتوبر: أقام الرئيس السيسي مأدبة غداء دعا إليها بولس والبرهان.
– 6 أكتوبر: ألقى البرهان خطاباً في مروي أعلن فيه أنه ماضٍ إلى تحرير كل شبر من أرض السودان من الدعم السريع.
– 8 أكتوبر: صدر قرار مجلس الأمن رقم 2830، وفشلت مساعي توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان كما كانت تنادي الولايات المتحدة.
– 13 أكتوبر: أُعلن عن مشروع النائب بيرد في الكونغرس للتعاون مع السودان في مجالي الزراعة والمعادن، مصحوباً باشتراطات.
– 15 أكتوبر: أعلن الرئيس البرهان عن رسالته إلى الرئيس ترامب عبر حسابه باللغة الإنجليزية على منصة «إكس».
– 16 أكتوبر: عُقدت جلسة مجلس الأمن التي طالبت فيها الولايات المتحدة بضرورة فتح الأجواء السودانية لإيصال المساعدات الإنسانية. وتزامن ذلك مع خبر توسيع دائرة الرباعية بإضافة أطراف أوروبية إليها، ومع تصريح منسوب لمسعد بولس بأن «الرباعية قد ماتت».

خمس دلالات للتزامن

1. استثمار المأزق الأمريكي في مجلس الأمن: بعد إخفاق واشنطن للمرة الثانية في توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان، باتت الإدارة الأمريكية بحاجة إلى مخرج يحفظ ماء الوجه. والرسالة تقدّم لها شريكاً إيجابياً بدلاً من خصمٍ رافض.
2. الاستباق إلى طاولة سويسرا: قدّمت الخرطوم رسالتها قبل الاجتماع المزمع عقده في سويسرا بين الرباعية والخماسية (20–21 أكتوبر)، لتدخله بصفة من يقدّم مقترحاً عملياً لا بصفة من رفض الهدنة، فيصعب تحميلها المسؤولية.
3. مخاطبة ترامب بلغته: أُعلنت الرسالة بعد يومين من طرح مشروع بيرد للتعاون الزراعي والمعدني مع السودان، وبلغةٍ يفهمها ترامب: المعادن، والبحر الأحمر، والاستثمار، وإعادة الإعمار.
4. تجاوز بولس: اختار البرهان حسابه الإنجليزي على منصة «إكس»، وتحدث عن «جهود السلام الأمريكية» لا عن جهود الرباعية. فالرسالة موجهة إلى ترامب شخصياً متجاوزةً مسعد بولس، وفي ذلك محاولة للالتفاف عليه.
5. ازدواجية الخطاب المقصودة: جاء خطاب مروي خطاباً مزدوجاً عن قصد، فيه صلابة في الداخل للحفاظ على تماسك القاعدة العسكرية والشعبية، ومرونة في الخارج لتخفيف الضغط. غير أن لهذا الازدواج خطورته.

قراءة في رسالة البرهان إلى ترامب

تمثّل الرسالة إشارةً علنية إلى الاستعداد لإعادة تنشيط المسار الدبلوماسي مع واشنطن، مع محاولة الحفاظ على الخطوط الحمراء السودانية المتعلقة بالسيادة الوطنية وشروط التسوية. لذلك لا بد من التمييز بين إعلان الالتزام بالسلام وقبول تفاصيل المبادرة الأمريكية. ومن خلال تتبّع نص الرسالة نقرأ ما يلي:

1. «التزام السودان بجهود السلام الأمريكية»: تعني هذه العبارة أن الخرطوم لا ترفض الوساطة الأمريكية من حيث المبدأ، لكنها لا تعني بالضرورة قبول الهدنة بصيغتها الحالية.

2. «سلام عادل»: تعني هذه العبارة أن السلام ينبغي أن يتجاوز مجرد وقف إطلاق النار. فالخرطوم ترى أن التسوية يجب أن تتناول مستقبل التشكيلات المسلحة، وسلطة الدولة، ووحدة المؤسسات الأمنية. أما واشنطن فقد تنظر إلى الهدنة باعتبارها خطوة عاجلة لا ينبغي ربطها بحسم جميع الخلافات السياسية والعسكرية. وهنا يكمن الفخ الأمريكي الذي يسعى من خلال الهدنة إلى منع الجيش من حسم المعركة عسكرياً.

ومن هنا تبرز نقطة الخلاف الأساسية: هل تبدأ التسوية بوقف القتال ثم معالجة الملفات المعقدة، أم يجب الاتفاق على ضمانات وترتيبات مسبقة قبل تنفيذ الهدنة؟

3. التشديد على السيادة ووحدة الأراضي: تريد الرسالة بذلك التأكيد أن الحكومة لن تقبل تسوية مفروضة عليها أو تنتقص من سيادة الدولة، وأن انخراطها في التفاوض مسعى لتحقيق السلام دون التخلي عن المبادئ المعلنة.

4. الاستعداد للسلام لا يحسم الخلاف: فإعلان الاستعداد للسلام لا يحسم الخلاف حول شكل الهدنة، وآليات مراقبتها، وترتيبات الانسحاب، ومستقبل قوات الدعم السريع، وطبيعة السلطة السيادية بعد الحرب.

5. لا تراجع عن المواقف السابقة: لا تمثل الرسالة تراجعاً عن مواقف البرهان السابقة، وإنما تشير إلى عدة أمور:
– إعادة وصل خيط العلاقة مع واشنطن.
– تخفيف التوتر مع الاحتفاظ بالاعتراضات على بنود المبادرة.
– ربما تكشف الرسالة عن تفاهمات عملية قدمتها السعودية ومصر، لتكون مدخلاً للتفاوض على تعديلات في ترتيبات الهدنة أو في ضمانات التنفيذ.

ويمكن فهم رسالة البرهان بوصفها مبادرة دبلوماسية لإبقاء باب التفاهم مع واشنطن مفتوحاً، ولتجاوز مسعد بولس، مع محاولة تثبيت شروط الخرطوم قبل الدخول في تسوية نهائية.

وحتى كتابة هذا المقال لم ترد واشنطن على الرسالة، ولم تغيّر موقفها من السلطة السودانية أو من ترتيبات المرحلة الانتقالية. ويتضح ذلك من جلسة مجلس الأمن يوم 16 أكتوبر 2026، ومن مشروع التعاون الاقتصادي مع السودان الذي قدّمه النائب بيرد.

ما الذي حققته الرسالة؟

حققت الرسالة أمراً مهماً، إذ نقلت السودان من موقع الطرف الرافض إلى موقع الطرف الذي يقدّم المقترحات. كما أعادت طرح المشكلة أمام البيت الأبيض بلغةٍ يفهمها: التدخل الخارجي، ووحدة الدولة، والمعادن، والبحر الأحمر. وتزامن ذلك مع ضغط سعودي ومصري، ومع تآكل الرباعية بصيغتها الأولى.

لكن التحوّل الأمريكي لم يتحقق بعد، وشروطه في يد الخرطوم بقدر ما هي في يد واشنطن. وأول هذه الشروط أن يتطابق ما يُقال في نيويورك مع ما يُقال في مروي.

من صنع التحوّل؟ المؤثرون والمؤشرات

من المؤكد أن هذا التحول لم يكن صدفة ولا وليد اللحظة، فهناك مجموعة من المؤثرين والمؤشرات دفعت في اتجاهه.

أولاً: الدور السعودي

المؤثر الأول بلا شك هو السعودية. وقد بدأ دورها منذ انتباهها للدور الإماراتي الذي تكشّف لها بعد تدخلها في اليمن، فكانت زيارة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان إلى الولايات المتحدة ولقاؤه ترامب في نوفمبر 2025. ومن نتائج تلك الزيارة تصريحات ترامب التي زعم فيها أنه لم يكن يعلم شيئاً عن السودان، ووعدُه بالعمل مع ولي العهد السعودي.

كما لوّحت السعودية بالانسحاب من الرباعية احتجاجاً على عدم منح البرهان التأشيرة، ووصفت حجبها بأنه «ابتزاز سياسي». وهي التي تسعى إلى استضافة الحوار الوطني السوداني–السوداني. فكان تواصلها مع واشنطن ومع البرهان، وكان من نتائجه هذا الخطاب الموجه إلى ترامب.

ثانياً: الدور المصري

يأتي بعد ذلك الدور المصري، وأبرز محطاته لقاء البرهان وبولس على مائدة السيسي في 3–4 أكتوبر الجاري. وقد حذّرت القاهرة في مجلس الأمن من استخدام العقوبات لتغيير ميزان القوى أو لحرمان الجيش من وسائل حماية المدنيين، وطرحت مع الرياض صيغة بديلة لوقف إطلاق النار.

ثالثاً: الإسناد الإقليمي

عملت الرياض مع القاهرة والدوحة وأنقرة على نصح واشنطن بعدم التعامل مع الخرطوم باستفزاز، وحذّرت من أن التصعيد سيمتد إلى القرن الأفريقي وباب المندب. وكان للدعم التركي والباكستاني للجيش السوداني عسكرياً أثره كذلك، فهما حليفا الرياض في «حلف مكة»، وقد تبنّيا في مجلس الأمن خطاب حماية مؤسسات الدولة.

رابعاً: قناة الكونغرس

كان للقاء مستشار البرهان، أمجد فريد، بالنائب بيرد الذي رحّب بمشروعه أثرٌ مهم. فقد دفع ذلك النائب بيرد إلى تقديم مشروعه الاقتصادي في مجالي المعادن والزراعة مشروطاً بالانتقال المدني، مخاطباً ترامب بمنطق الصفقة.

المؤثرات البنيوية

– تقدّم الجيش وانشقاقات الدعم السريع: جعلا الحسم ممكناً من وجهة نظر الخرطوم، ومنحاها وزناً تفاوضياً. وواشنطن تتعامل عادةً مع من يسيطر على الأرض، وقد وصلت إلى قناعة بأن لدى الخرطوم القدرة على الحسم العسكري.
– التباعد السعودي–الإماراتي: جعل واشنطن تقبل التفكير في العمل خارج الرباعية وتوسيع دائرة الوسطاء، اعترافاً بهذا الواقع.
– حرب الحوثيين والتوتر الإثيوبي–السوداني: يرفع تطور الأولى وتصاعد الثاني قيمة السودان في الحسابات الأمنية الأمريكية.
– ارتفاع إنتاج المعادن: يخاطب أولوية إدارة ترامب في تأمين سلاسل الإمداد ومنافسة الصين وروسيا.

السلوك التفاوضي الأمريكي: الدبلوماسية القسرية

ثمة مسألتان مهمتان لا بد من أخذهما في الاعتبار ونحن نقرأ مؤشرات هذا التقارب: السلوك التفاوضي للولايات المتحدة، وتأثير هذا التقارب في العلاقة مع روسيا.

يقوم المنهج الأمريكي في التفاوض على إلزام المفاوض بوجهة النظر الأمريكية. فواشنطن حين تفاوض تمارس الدبلوماسية القسرية، أي التفاوض تحت التهديد بالقوة. والاتفاق عندها نتيجةٌ يفرضها ميزان القوة، وإذا وقّعت اتفاقاً نقضته بسهولة متى تغيّر الميزان أو تغيّرت الإدارة.

أربعة عناصر للنمط الأمريكي

1. طرح شروط قصوى.
2. مطالبة الطرف الآخر بالتنازل أولاً مقابل وعود مؤجلة، غالباً لا يُوفى بها.
3. الاتفاق التزام سياسي قابل للنقض.
4. استخدام القوة أثناء التفاوض.

ثلاثة أسباب بنيوية وراء هذا النهج

1. فائض القوة.
2. غياب التصديق: فمعظم الاتفاقات لا يصادق عليها مجلس الشيوخ.
3. العقيدة الاستثنائية: وهي قناعة راسخة في الثقافة السياسية الأمريكية بأن الولايات المتحدة ليست دولة كسائر الدول، وإنما هي التي تضع القواعد الدولية وتفسّرها، ولا تخضع لها بالضرورة كما يخضع لها غيرها.

ووفقاً لهذه العقيدة، فإن الخصم المفاوض ليس شريكاً مساوياً لها، بل طرفٌ يجب تصحيح سلوكه، ومن هنا تأتي لغة الشروط والإملاء. وبموجب هذا المبدأ يصبح نقض أي اتفاق مشروعاً، فلا تراه واشنطن خيانةً لالتزام، بل تصحيحاً لاتفاقٍ سيئ لا يليق بدورها. وتمارس وفقاً لهذه العقيدة ازدواجية المعايير دون أن تشعر بالتناقض.

سجلٌّ تاريخي من نقض الاتفاقات

يدعم تاريخ الولايات المتحدة هذا السلوك في نقض الاتفاقات، ومن أمثلته:
– معاهدة السكان الأصليين (البلاك هيلز 1868–1877).
– معاهدة كاناغاوا مع اليابان عام 1854.
– تعديلات المسارات في كوريا.
– الاستسلام غير المشروط عام 1945.
– الانقلاب على مصدق عام 1953.
– فيتنام.
– وعد بيكر بشأن الناتو عام 1990.
– الانسحاب من معاهدتي ABM وINF.
– الاتفاق النووي الليبي، والاتفاق النووي الإيراني عام 2018، ثم شروط وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو الاثنا عشر التي فُرضت على إيران بعد الانسحاب من الاتفاق.
– اتفاق باريس للمناخ.

النموذج الإيراني: أمام أنظار العالم

تمارس واشنطن هذا السلوك أمام أنظار العالم كله دون أن يطرف لها جفن، كما يظهر الآن في حربها ومفاوضاتها مع إيران، ومن ذلك:

1. رسالة المهلة (60 يوماً) في مارس 2025.
2. جولتا مسقط وروما في 2025، ثم ضربة يونيو قبل الجولة السادسة بيومين.
3. جولة جنيف في 26 فبراير 2026، ثم اندلاع الحرب بعدها بيومين.
4. شعار «الاستسلام غير المشروط» وخطة النقاط الخمس عشرة.
5. مذكرة إسلام أباد في يونيو 2026، ثم انهيارها في يوليو.

ومن خلاصات هذا المسار:
– وقعت ثلاث ضربات كبرى أثناء التفاوض (يونيو 2025، وفبراير 2026، ويوليو 2026).
– في كل المبادرات الأمريكية تنفّذ إيران أولاً ويأتي المقابل لاحقاً، وهو مقابل لا يأتي أبداً.
– لا تحترم أمريكا أي اتفاق إلا إذا كانت كلفة نقضه عالية، ومثال ذلك احترامها اتفاقية كامب ديفيد واتفاقية قناة بنما. ويؤكد ذلك تراجع المطالب الأمريكية من شروط بومبيو الاثني عشر لإيران عام 2018 إلى التركيز على الملف النووي ومضيق هرمز، بعد إغلاق المضيق وصدمة الطاقة.

التقارب مع واشنطن وكلفته على العلاقة مع روسيا

تكمن خطورة هذا التقارب في أنه ربما يؤثر في العلاقة مع روسيا، خاصةً مع بقاء المطلوبات الروسية معلّقة لدى السودان: القاعدة البحرية، والذهب، وشراء السلاح الروسي.

فروسيا كانت سند السودان في مجلس الأمن طوال عام كامل، وقد استخدمت حق النقض (الفيتو) لصالحه في 18 نوفمبر 2024. وكان الفيتو الروسي حاضراً حتى حين لم يُستخدم، في كل الجلسات التي حاولت فيها الولايات المتحدة وبريطانيا اللجوء إلى الفصل السابع لإرسال قوات أممية، أو إدخال الإغاثة رغماً عن الحكومة.

وكان حضور الفيتو الروسي أوضح ما يكون حين حاولت الولايات المتحدة توسيع حظر السلاح ليشمل كل السودان في جلستي 11 سبتمبر و8 أكتوبر 2026، وتجلّى ذلك في تصريح المندوبة الروسية: «لن نسمح حتى بالتلميح إلى توسيع القيود».

وخلاصة ذلك أن روسيا دعمت الحكومة السودانية خلال العام الماضي في عشر محطات داخل مجلس الأمن، وتركّز دعمها في ثلاثة ملفات: الاعتراف بشرعية الحكومة، ورفض توسيع العقوبات وحظر السلاح، ورفض أي حكومة موازية تقيمها قوات الدعم السريع.

ورغم أن حماية روسيا للسودان تخدم مصالحها العالمية قبل مصالحها الثنائية، فإن هذه الحماية ستصبح أكثر كلفة وأقل تلقائية، وستتحول إلى أداة مساومة كلما اقتربت الخرطوم من واشنطن. والخيار الأقل كلفة للسودان في المرحلة الحالية هو إدارة هذا التوازن بين الطرفين، لا حسمه لصالح أحدهما.

خاتمة: اقترابٌ بلا أوهام
لا شك في أن الدورين السعودي والمصري يستحقان التقدير لما قدّماه من دعم للسودان. لكن ينبغي أن يبقى حاضراً في أذهاننا أن البلدين يخدمان مصلحتيهما من خلال خدمة السودان، وأن مصلحتيهما مقدَّمة على مصلحة السودان، ومن هنا تأتي الخطورة.
ولا بد كذلك من استحضار العقيدة الاستثنائية الأمريكية، التي لا تقبل في التفاوض إلا إلزام الطرف الآخر بما تريد. كما يجب أن تبقى مصلحة روسيا حاضرة ونحن نحاول الاقتراب من واشنطن.
أما أسوأ ما في هذه المحاولة فهو توقيتها، إذ جاءت بعد ضربة موجعة تمثلت في حجب التأشيرة عن الرئيس، ووصفه بأنه لا يملك شرعية دستورية، ومساواته في ذلك بالدعم السريع.
إ

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد .. السودان .. هندسة اللايقين .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6335 (بدعم من الذكاء الاصطناعي Meta + Gemini وتعليقاتهما في نهاية هذا المنشور) ​الحل الجذري المستدام.. له مطلوبات محددة .. ترجمة المنشور 6335 للغة الانجليزية مرفقة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *