”عبد الواحد محمد نور كان منشرح الصدر وهو يخاطب فاتحة مؤتمر إعلان المبادئ المنعقد بالعاصمة الكينية نيروبي، ولكن الإعلام لم يمنح اللحظة أهميتها كمتغير حقيقي طرأ على المشهد بصورة عامة“ ..!! بهذه الجملة قد بدأ النقاش يأخذ مجراه بإحدى المنصات الإعلامية، وبعدها أتت إجابة أحد الخبراء الإعلاميين مؤكداً أن الإعلام الداخلي بالسودان كان قد أعد العدة بتكتل واضح وصوب سهامه نحو الملتقى، فاختفت العديد من المشاهد التي كان يمكن أن تحدث تأثيراً واضحاً في الرأي العام السوداني سيما على مخرجات المؤتمر في صورتها النهائية.
ومؤتمر أو (إعلان المبادئ) الذي انعقد في نيروبي يُعد واحداً من أبرز التحركات السياسية السودانية الأخيرة المرتبطة بمحاولات وقف الحرب وبناء تحالف مدني–سياسي جديد، وقد شهد عدة مراحل وتفاهمات بين قوى سياسية ومدنية وحركات مسلحة سودانية.

ويرى العديد من المراقبين أن الاعلام الداخلى سيما منصات التواصل الاجتماعي قد وضعت فعاليات المؤتمر تحت سهام النقد المؤثر الذي صنع رأيًا عامًا مناوئ للمخرجات ظهرت في انتقادات تقول إن الاجتماعات قد تمهد لتكوين سلطة أو حكومة موازية خارج السودان، خصوصاً مع الحديث عن (ميثاق سياسي) وخارطة طريق وتحالفات عابرة للقوى التقليدية. وان بعض القوى السياسية اعتبرت ذلك تهديداً لوحدة مؤسسات الدولة السودانية.
وتشير بعض القراءات إلى أن هناك رأي عام واسع وسط السودانيين يرى أن القضايا الوطنية الكبرى يجب أن تناقش داخل السودان لا في عواصم خارجية مثل نيروبي، لأن ذلك يفتح الباب للتأثيرات الإقليمية والدولية ويضعف السيادة الوطنية ويعطي انطباعاً بأن الحلول تُصنع خارج الإرادة الشعبية السودانية.
وقد واجه المؤتمر اتهامات بعدم تمثيل كل السودانيين، خاصة استبعاد قوى سياسية مؤثرة وقوى أخرى مؤيدة للجيش، وبعض الحركات المسلحة، وتيارات إسلامية وقومية، وقوى الإدارة الأهلية والطرق الصوفية في بعض المناطق ولذلك وصفه بعض المنتقدين بأنه (تحالف جزئي) وليس منصة وطنية جامعة.
ولعل من أكثر (المناطق الملتهبة) التي نوقشت باستفاضة في مؤتمر اعلان المبادئ كانت ممثلة في التركيز على عزل الإسلاميين من الحوار السياسي الشي الذى اعتبرته عدد من التحليلات انه اتجاه يعيد سياسة الإقصاء السياسي ويقود لمزيد من الانقسام بدلاً من التسوية الوطنية الشاملة.

غير أن العديد من استطلاعات الرأي التي نفذها “مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الراي العام” وسط المواطنين حول مؤتمر إعلان المبادي قد خرجت بنتائج محددة اشارت بكل وضوح الى مخاوف من إعادة إنتاج تجربة (الاتفاق الإطاري) باعتباره احد اسباب الحرب باعتبار ان مؤتمر نيروبي يمثل امتداداً أو نسخة جديدة من الاتفاق الإطاري الذي سبق الحرب، من حيث الاعتماد على تفاهمات نخبوية وضعف التمثيل الشعبي وتجاهل تعقيدات الواقع الأمني والاجتماعي وغموض بعض البنود.
وذكرت الانتقادات التي وجهتها قطاعات فئوية مختلفة للراي العام السوداني هناك شعارات مثل: بناء وطن جديد – إعادة تأسيس الدولة – الكتلة الثالثة- سيما الاخيرة تعتبر شعارات فضفاضة وغير واضحة عملياً، مما خلق مخاوف لدى البعض من بروز مشاريع تقسيم وإعادة هندسة الهوية الوطنية أو خلق ترتيبات انتقالية غير مستقرة يضعف التمثيل الشعبي الحقيقي.
وأكدت الكثير من مقالات الرأي المنتقدة للمؤتمر في الاعلام أن المشاركين مؤتمر نيروبي يمثلون نخباً سياسية ومدنية أكثر من تمثيلهم للقاعدة الشعبية الواسعة داخل السودان، خاصة في ظل ظروف الحرب والنزوح وصعوبة التواصل مع الداخل في الخوف من تدويل الأزمة السودانية وفي هذا الاتجاه اشارة مهمة تؤكد مدلولاتها ان الاجتماعات تمت برعاية واهتمام إقليمي ودولي أثار مخاوف من زيادة التدخل الخارجي وربط الحل السوداني بأجندات دولية بالاضافة الى إضعاف القرار الوطني المستقل.
وتفيد المتابعات ان المؤتمرضم المؤتمر أحزاباً مدنية معروفة وحركات مسلحة وشخصيات سياسية بارزة، من بينها حزب الأمة القومي،المؤتمر السوداني، التجمع الاتحادي ،الحركة الشعبية – التيار الثوري الديمقراطي، حركة تحرير السودان بقيادة عبد الواحد محمد نور، شخصيات مرتبطة بتحالف “صمود” بقيادة عبد الله حمدوك.
ولعل هذا التنوع أعطى المؤتمر ثقلاً سياسياً، لكنه كشف أيضاً عن محاولة تكوين تحالف واسع قد يعاني لاحقاً من تناقضات داخلية في الرؤى والمصالح. فيما ترى بعض التحليلات أن المؤتمر يحاول إعادة تجميع القوى المدنية التي تضررت بعد الحرب والانقسامات، لكنه ما زال يواجه سؤال الشرعية الشعبية والقدرة التنظيمية داخل السودان، خاصة أن معظم نشاطه يتم خارج البلاد سيما وان انعقاد المؤتمر نفسه في كينيا يعكس استمرار الدور الإقليمي لـنيروبي في الملف السوداني، لكنه في الوقت نفسه تماهى مع اتهامات بأن بعض القوى المشاركة تستند أكثر إلى الحاضنة الخارجية من الداخل السوداني.


