لا تعتبر الحرب في السودان مواجهة عسكرية بين الجيش والدعم السريع فحسب، بل أصبحت حرباً متعددة الجبهات تتقدم فيها المعلومة أحيانا على الرصاصة، وتتحول فيها الشائعة إلى سلاح لا يقل خطورة عن المدفعية. فالمعلومات المتداولة والمنسوبة إلى تقرير لوكالة الأناضول التركية بشأن وجود 68 منصة إعلامية تعمل بصورة منسقة لمساندة الدعم السريع تفتح نافذة خطيرة على البعد الاستخباراتي للحرب، إذ تتحدث عن تمويل خارجي، وإنتاج محتوى موجه وإعادة تدوير مقاطع قديمة وتوظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي لصناعة روايات تستهدف الجيش السوداني وتهز ثقة المواطنين فيه.
وإذا ثبتت هذه المعطيات، فإننا أمام منظومة عمليات تأثير عابرة للحدود، لا تكتفي بتضخيم القدرات العسكرية للدعم السريع، وإنما تسعى إلى صناعة واقع إعلامي مواز للواقع الميداني وتوظيفه في الضغط السياسي والدبلوماسي بما في ذلك التأثير على مواقف المؤسسات الدولية.
لكن أخطر ما في المشهد هو الفراغ الإعلامي الذي يتركه الجيش السوداني، فالتعتيم الذي قد تفرضه الضرورات العسكرية يتحول إذا تجاوز حدوده إلى فرصة ذهبية للخصم كي يحتكر الرواية ويصنع الانطباع العام.
إن المعركة هنا ليست معركة منشورات ومشاهدات، بل معركة وعي وسيادة وطنية، والمطلوب إنشاء منظومة إعلامية استراتيجية محترفة تتحرى الدقة، وتكشف التضليل، وتوثق الانتهاكات وتخاطب العالم بالأدلة والحقائق. فعندما تترك الدولة روايتها للآخرين تمنح خصومها فرصة كتابة تاريخها وفق مصالحهم، والسلاح يحمي الأرض، لكن الحقيقة تحمي الوعي، والشرعية ووعي المواطن ضد التشويه.


