يُعَدّ السودان من أغنى الدول الأفريقية من حيث الموارد الطبيعية و البشرية، فهو يمتلك أراضي زراعية شاسعة، موارد مائية ضخمة، ثروات معدنية و نفطية و سكان بأغلبية شبابية قادرة على العمل و الإنتاج. و مع ذلك ما زال السودان يعاني من هشاشة اقتصادية واضحة. يمكن مناقشة هذا التناقض من خلال مجموعة من المحاور:
أولًا: غياب الاستقرار السياسي
شهد السودان منذ الاستقلال فترات طويلة من الانقلابات العسكرية، الحروب الأهلية، و تنازع السلطة، مما أدى إلى غياب بيئة مستقرة تسهم في النمو الاقتصادي. عدم الاستقرار السياسي يخلق بيئة طاردة للاستثمار و يحول دون تنفيذ سياسات اقتصادية طويلة الأجل.
ثانيًا: سوء إدارة الموارد
لم تُدار الموارد الطبيعية بكفاءة و غالبًا ما يتم تصديرها خامًا دون قيمة مضافة. غياب التخطيط الإستراتيجي، و غياب الرؤية الاقتصادية القومية أديا إلى ضياع فرص تنموية هائلة. كما أن الموارد غالبًا ما تُستخدم في الصرف الحكومي غير المنتج بدلًا من الاستثمار في البنية التحتية و التعليم و الصحة.
ثالثًا: الاقتصاد الريعي و تهميش الإنتاج
اعتماد الدولة لفترات طويلة على إيرادات النفط (قبل انفصال الجنوب)، ثم على المعونات والقروض، قلل من تنمية قطاعات الإنتاج الحقيقي كالزراعة و الصناعة. رغم أن الزراعة تشكّل أكثر من 80% من النشاط الاقتصادي إلا أنها ما زالت تقليدية و تفتقر للتكنولوجيا و التمويل الحديث.
رابعًا: الفساد المؤسسي و غياب الشفافية
يتفشى الفساد في مختلف مؤسسات الدولة، مما يهدر الموارد ويقلل من فعالية الإنفاق العام. و عدم استقلالية المؤسسات الرقابية، يسهم في إفلات الفاسدين من العقاب.
خامسًا: ضعف البنية التحتية و الخدمات
يفتقر السودان إلى شبكة بنى تحتية قوية (طرق، طاقة، نقل، اتصالات)، مما يزيد من تكاليف الإنتاج ويقلل من جاذبية السوق. كذلك، ضعف الخدمات الأساسية كالصحة والتعليم يحد من تنمية رأس المال البشري، ويؤثر على كفاءة القوى العاملة.
سادسًا: الحصار و العزلة الدولية
لفترات طويلة، كان السودان خاضعًا لعقوبات اقتصادية دولية ما أثر سلبًا على تدفق الاستثمارات الأجنبية و نقل التكنولوجيا. كذلك، عدم اندماج السودان في الاقتصاد العالمي و عدم وجود علاقات اقتصادية متوازنة أعاق تطوره.
سابعًا: التحديات الأمنية والنزاعات المسلحة
النزاعات الداخلية في دارفور، و جنوب كردفان و النيل الأزرق، تستهلك الموارد و تؤثر على الأمن الاقتصادي. كما أن الهجرة الداخلية و النزوح أدى إلى تشوهات في سوق العمل و تراجع النشاط الاقتصادي في المناطق الريفية.
ثامنًا: غياب السياسات الاقتصادية المستقرة
تتسم السياسات الاقتصادية بالتذبذب و التغير السريع وفقًا للأنظمة الحاكمة، دون وجود خطة تنمية وطنية مستدامة. كما أن غياب دعم الصناعات الوطنية، و سوء إدارة سعر الصرف والتضخم، فاقم الأزمات المعيشية و أضعف القوة الشرائية.
السودان بلغة الأرقام والتوقعات في حال الإصلاح الاقتصادي الشامل
استغلال الموارد الطبيعية (الذهب، الزراعة، المياه):
يمتلك السودان أكثر من 150 موقعًا غنيًا بالذهب، مع تقديرات تتجاوز 100 طن من الاحتياطي المؤكد. في حال تنظيم التعدين، و تحويله إلى قطاع رسمي يخضع للضرائب و يحمي البيئة، يمكن أن تصل العوائد السنوية إلى أكثر من 5 مليارات دولار. أما الزراعة، فتبلغ الأراضي الصالحة للزراعة أكثر من 200 مليون فدان، يُستغل منها أقل من 20%. و مع توفر المياه من النيل و مياه جوفية يمكن أن يصبح السودان سلة غذاء حقيقية.
التصنيع الزراعي:
يمثل التصنيع الزراعي فرصة ضخمة لخلق قيمة مضافة للمنتجات السودانية. تحويل الفول السوداني إلى زيوت، و القمح إلى دقيق، والقطن إلى نسيج، يمكن أن يرفع الصادرات الزراعية الصناعية من أقل من مليار دولار إلى أكثر من 5 مليارات بحلول 2030. الصناعات التحويلية مثل صناعة السكر، العصائر، اللحوم المعلبة و الأعلاف يمكن أن تخلق آلاف الوظائف و تُدخل العملة الصعبة.
التصنيع المحلي و الأمن الغذائي:
رغم أن السودان يستورد أكثر من 60% من حاجاته الغذائية، إلا أنه يستطيع تحقيق الاكتفاء الذاتي خلال 5 سنوات في حال إطلاق خطة وطنية للأمن الغذائي تعتمد على الزراعة الحديثة، الحصاد المائي، التمويل الإنتاجي، و التصنيع المحلي. المصانع الصغيرة و المتوسطة في الريف يمكن أن توفر منتجات مثل الطحين، الزيوت، الأجبان، و اللحوم للمجتمعات المحلية و تقلل الاعتماد على الواردات كما يمكن تصدير الفائض للدول المجاورة و الخليج.
أثر الإصلاح في هذه القطاعات على المؤشرات الاقتصادية:
1. الناتج المحلي يمكن أن يتضاعف إلى 100 مليار دولار.
2. خلق أكثر من 2 مليون فرصة عمل جديدة.
3. خفض عجز الميزان التجاري بنسبة 50%.
4. تحقيق الأمن الغذائي بنسبة 90%.
5. زيادة إيرادات الدولة من التعدين و الزراعة بنسبة تفوق 200%.
6. تقوية الجنيه السوداني و تقليل الاعتماد على الدولار.
7. خفض معدل الفقر من 60% إلى أقل من 35%.

