الملخص التنفيذي
تواجه السودان تحديات متزايدة في مجالات التنمية المستدامة، وعلى رأسها أزمة المياه التي تؤثر بصورة مباشرة في قطاعات حيوية مثل التعليم، الزراعة، والصحة. وترى هذه الورقة أن قطاع المياه ليس مجرد مرفق خدمي، بل يشكل مرتكزًا استراتيجيًا لإحداث نهضة شاملة تبدأ من الريف وتمتد إلى المدن. تستعرض الورقة رؤية د. بابكر عبد الله محمد علي في هذا الإطار، وتربط بين الموارد المائية وبين فرص تحقيق الأمن الغذائي، وتوسيع قاعدة التعليم المنتج، ودعم الاستقرار الصحي والسكاني. كما تقترح الورقة حلولًا عملية لإعادة هيكلة إدارة المياه وتعزيز استخدامها في التنمية الريفية عبر التخزين الذكي وإدخال التكنولوجيا والشراكات المجتمعية.
المقدمة
تُعدّ الموارد المائية من أهم محددات التنمية المستدامة، حيث تشكل عاملًا حاسمًا في استقرار المجتمعات وتحقيق الأمن الغذائي والصحي والتعليمي. وفي السودان، تتزايد التحديات المرتبطة بالمياه نتيجة لعوامل متعددة تشمل تغيّر المناخ، وسوء الإدارة، وتدهور البنية التحتية، وضعف التخطيط الاستراتيجي. وتُبرز هذه التحديات الحاجة إلى رؤية وطنية متكاملة تُعيد ترتيب الأولويات وتضع المياه في صدارة برامج التنمية.
وفي هذا السياق، تقدم هذه الورقة رؤية ، تنبع من قناعة راسخة بأن أزمة المياه ليست أزمة فنية أو هندسية فقط، بل هي أزمة إدارة تنموية شاملة تتطلب معالجة من الجذور، تبدأ من الريف وتمتد لتشمل المدن. وتسعى الورقة إلى إبراز العلاقة التبادلية بين المياه وقطاعات التعليم، الزراعة، الصحة، والطاقة، مع تقديم تصورات عملية شاملة للإصلاح والبناء وفق نهج متكامل متداخل ومستدام.
أهمية المياه في التخطيط التنموي
لا يمكن لأي خطة تنموية أن تحقق أهدافها دون أن تُدرج قضية المياه في صميم رؤيتها التنفيذية. فالمياه ليست فقط أساس الحياة، بل هي العامل الحاسم في نجاح المشاريع الزراعية، واستقرار التجمعات السكانية، واستمرارية العملية التعليمية، وخفض معدلات الأمراض الناتجة عن التلوث وسوء الصرف الصحي.
في السياق السوداني، تمثل المياه مفتاحًا لإعادة التوازن بين الريف والحضر، حيث تعاني المناطق الريفية من نقص حاد في مياه الشرب والري، مما يؤدي إلى الهجرة والنزوح، ويُضعف الإنتاج المحلي ويزيد من الاعتماد على الواردات. كما أن محدودية الوصول إلى المياه النظيفة في المدارس والمراكز الصحية الريفية يُعرقل تحقيق أهداف التعليم والصحة للجميع.
لذلك، فإن دمج إدارة المياه ضمن خطط التنمية الوطنية يجب أن يتم ليس من منظور خدمي فقط، بل من منظور إستراتيجي تنموي، يعزز التكامل بين القطاعات، ويُوظف المياه كأداة رئيسة في إعادة بناء الدولة السودانية على أسس الإنتاج والاستقرار.
العلاقة بين المياه والقطاعات الإستراتيجية:
تُظهر التجربة التنموية في العديد من الدول أن المياه تُعدُّ عاملاً محورياً في تكامل القطاعات الاستراتيجية، وعلى رأسها التعليم، الزراعة، الصحة، والطاقة. وفي السودان، تمثل المياه نقطة التقاء لهذه القطاعات، وتؤثر في فاعليتها واستدامتها بصورة مباشرة.
1. المياه والتعليم
غياب المياه النظيفة في المدارس الريفية يؤدي إلى تسرّب التلاميذ، خاصة الفتيات، نتيجة صعوبة الوصول إلى الماء أو ضعف مرافق النظافة. كما أن توفير المياه في البيئة المدرسية يُعدّ شرطًا أساسيًا لاستقرار المعلمين وبقاء الطلاب في النظام التعليمي.
2. المياه والزراعة
تمثل المياه الركيزة الأساسية للإنتاج الزراعي، ويُعد ضعف الري من الأسباب المباشرة لانخفاض الإنتاج المحلي، وهجرة المزارعين، وتراجع الصادرات. الاعتماد على الأمطار فقط لم يعد كافيًا، مما يستدعي تبني تقنيات الحصاد المائي والري بالتنقيط والتخزين الذكي.
3. المياه والصحة
تنتج نسبة كبيرة من الأمراض المنتشرة في المناطق الريفية عن شُرب المياه الملوثة. وتوفر المياه النظيفة والصرف الصحي من أهم معايير الوقاية وتعزيز الصحة العامة، خاصة لدى الأطفال والنساء.
4. المياه والطاقة
يمكن للمياه أن تكون مصدرًا للطاقة المتجددة، من خلال السدود الصغيرة ومحطات الطاقة المائية، خاصة في المناطق التي يصعب فيها ربط الشبكة القومية. كما يُمكن دمجها مع حلول الطاقة الشمسية لتوليد طاقة نظيفة تخدم المجتمعات الريفية.
رؤية لإصلاح قطاع المياه والتنمية الريفية
واري جازما أن أزمة المياه في السودان ليست مجرد مشكلة تقنية أو بيئية، بل هي انعكاس لأزمات ادارة محلية ومركزية تنموية وسياسية أعمق. ولذلك، ادعو إلى تبني نهج شامل يبدأ من إعادة الاعتبار للريف، بوصفه الأساس الحقيقي للهوية والاقتصاد الوطني.
تتمحور الرؤية حول النقاط التالية:
المياه كأولوية وطنية عليا: اعتبار المياه مدخلاً استراتيجياً لا غنى عنه في خطط التنمية، بوضعها في صدارة الأولويات الحكومية، وخلق هيئة مستقلة لإدارتها وربطها بالمشروعات الإنتاجية.
تخزين ذكي للمياه: بناء خزانات مياه موزعة جغرافياً تدعم الزراعة الموسمية والمستدامة مع تعزيز استخدام تقنيات الحصاد المائي وإعادة استخدام المياه المعالجة.
التمكين المجتمعي والشراكة بين القطاعين: إشراك المجتمعات المحلية في إدارة المياه لضمان الاستدامة، وتفعيل الشراكات بين القطاعين العام والخاص لتطوير البنية التحتية.
دمج التكنولوجيا الحديثة: استخدام نظم المعلومات الجغرافية، وأدوات الرصد عن بعد، والذكاء الاصطناعي لتحليل البيانات المناخية والهيدرولوجية، ما يساعد في تحسين التخطيط وإدارة الموارد.
التركيز على التنمية الريفية: تعزيز التنمية الشاملة في الريف عبر تحسين الخدمات، وتطوير الزراعة القائمة على المياه، وخلق فرص عمل جديدة، مما يقلل من الهجرة الداخلية ويعزز الاستقرار.
مقترحات عملية للتنفيذ
1. إنشاء هيئة وطنية مستقلة لإدارة الموارد المائية
تتولى هذه الهيئة التنسيق بين مختلف الجهات الحكومية، وتطوير السياسات المائية، ومتابعة تنفيذ المشاريع الكبرى المتعلقة بالمياه، لضمان استدامة الموارد وكفاءة الاستخدام.
2. تطوير مشاريع تخزين المياه الصغرى والمتوسطة
بناء خزانات تخزين مائية موزعة في الولايات ذات الاحتياجات الحرجة، مع التركيز على تقنيات حصاد مياه الأمطار وتحسين الشبكات الريفية.
3. تعزيز الشراكات المجتمعية
تفعيل دور المجتمعات المحلية في صيانة وإدارة مشاريع المياه، من خلال تشكيل لجان محلية وإشراك النساء والشباب لضمان الاستمرارية والتوافق مع الاحتياجات الحقيقية.
4. تطبيق تكنولوجيا المعلومات والاتصالات
استخدام نظم المعلومات الجغرافية (GIS)، والاستشعار عن بعد، والتطبيقات الذكية لرصد وتوزيع المياه ومراقبة جودة المياه بصورة دورية.
5. دمج التعليم والتدريب التقني في برامج التنمية
إدخال برامج تدريبية متخصصة في إدارة المياه والزراعة المستدامة على مستوى المدارس الثانوية والجامعات، وتوفير ورش عمل للمزارعين والمهندسين.
6. تشجيع الاستثمار في الطاقة المتجددة المتعلقة بالمياه
تطوير محطات الطاقة الشمسية والمائية الصغيرة لدعم تشغيل مضخات الري ومحطات المعالجة، مما يخفض التكاليف ويعزز الاستدامة.
7. تنمية قنوات التمويل المحلية والدولية
العمل على استقطاب الدعم المالي من الجهات الحكومية، والقطاع الخاصوالمنظمات الدولية، مع وضع آليات شفافة لإدارة هذه الموارد.


