الدعوة إلى الحق لم تكن يومًا طريقًا مفروشًا بالورود، بل هي طريق مليء بالعقبات والصدود، فقد جرت سنة الله في خلقه أن يواجه الداعون إلى الحق بالمقاومة والتشويه، بل والاتهام بأقسى الألفاظ، حتى من أقرب الناس إليهم.
فهذا نوح عليه السلام قيل له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ}.
وهود عليه السلام قالوا له: {إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ}.
وصالح عليه السلام عتوا عن أمر ربهم وكذبوه.
ولوط وشعيب عليهما السلام حوربا وحاولوا طردهما ونفيهما.
ثم جاء موسى فاتهموه بالسحر والكذب، وعيسى عليه السلام حاولوا قتله وصلبه، وأخيرًا جاء سيدنا محمد ﷺ فقيل فيه: شاعر، كاهن، ومجنون.
كل هؤلاء الرسل والأنبياء كانوا على الحق المبين، ومع ذلك لم يسلموا من حملات التشويه، لأن قول الحق دائمًا يصطدم بالمصالح، ويهز أركان الباطل، فيستنفر أتباعه للدفاع عنه بكل وسيلة. ولهذا قال الله تعالى:
{وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِم مِّنْ عَهْدٍ ۖ وَإِن وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ} [الأعراف:102].
الدرس المستفاد
إن من أهم ما نتعلمه من قصص الأنبياء أن الثبات على قول الحق واجب، مهما كانت التضحيات، ومهما اشتدت المقاومة. فلا ينبغي للمؤمن أن يترك قول الحق خوفًا من لوم لائم أو سخرية قريب أو بطش ظالم، فهذه سنة الله الماضية في عباده، والحق لا يثبت إلا بالثبات عليه.
واقعنا اليوم
وللأسف، كثير من الناس اليوم انصرفوا عن قول الحق، خشية النقد أو الخسارة أو الأذى، حتى أصبحت المجاملة والمداراة الزائدة هي القاعدة، وأصبح الصمت على الباطل أهون من مواجهته. وهذا خطر عظيم، لأن السكوت عن الباطل يرسخه ويقويه، بينما الحق لا يقوم إلا بألسنة ناطقة وقلوب ثابتة.
رسالة ختامية
ليكُن لنا في الأنبياء أسوة حسنة، فهم صبروا وثبتوا، حتى أوصلوا رسالات ربهم كاملة غير منقوصة. وليعلم كل واحد منا أن قوله للحق، ولو كان وحيدًا، هو جزء من معركة الخير ضد الشر، وأن الله لا يضيع أجر من أحسن عملًا.
فلتكن شجاعتك في قول الحق أكبر من خوفك من الناس، ولتتذكر دائمًا أن رضا الله أعظم من رضا البشر.
هذه دعوة لإصلاح المجتمع الذي غابت فيه قيم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.


