في السودان، حيث تتقاطع العُرف والتقاليد مع حاجة الناس للعدل، وُجدت المحاكم الشعبية كوسيلة رئيسية للحفاظ على النسيج الاجتماعي وحل النزاعات بطريقة سلمية، بعيدًا عن تضخم دائرة التقاضي أو النزاعات الطويلة. هذه المحاكم ليست مجرد تطبيق للنصوص القانونية، بل تعتمد على الحكمة والعدل والإنصاف، خصوصًا عندما يكون القاضي رجلًا ذا بصيرة وقدرة على قراءة النفوس.
ومن بين هؤلاء القضاة كان والدنا، الحاج السماني الطيب ،رحمه الله، الذي لم يدرس القانون رسميًا، لكنه حكم بروح القانون قبل القانون نفسه. قضى حياته في حفظ حقوق الناس، وإصلاح القلوب، وضمان السلام بين الجيران والأهالي والحفاظ على الأمن والسلم المجتمعي.
كنت مرافقًا له في رحلته الأخيرة للحج، وسألته عن أهم القضايا التي شهدتها حياته في المحكمة، فحكى لي قصتين تحملان حكمة عميقة ودروسًا لا تُنسى، لا تبعد كثيرًا عن أسلوب القاضي الأمريكي فرانك كابريو، المعروف بـ “القاضي الرحيم”.
القصة الأولى: العنزة… وحكمة القاضي
في أحد أيام المحكمة، جاء رجل من قرية مجاورة يحمل نزاعًا حول عنزة مميزة، مشهورة بين الناس بأنها من أفضل المواشي في القرية، حلوب ودود. الرجل كان صاحب مكانة وهيبة، فاستقبله والدنا في باحة المحكمة بحرارة بالغة وسلام عميق، وظن الوالد أن الرجل جاء للسلام والتحية فقط.
سأله الوالد:
“ما الذي جاء بك إلى المحكمة اليوم؟”
أجاب الرجل:
“جئت في شأن قضية عنزة… هذه عنزة ممتازة من خير ما عندنا. لكن إحدى نساء القرية ادّعت أنها ملكها. بحثت عنها طويلاً حتى وجدتها عندها، لكنها لا تعترف بأنها ليست ملكها.”
استدعى الوالد المرأة قبل الدخول للمحكمة، وسألها عن مكان العنزة، فقاموا بإحضارها. فقال للمرأة أمام الناس:
“خذي العنزة و أمشي بيتك.”
ذهبت المرأة بالعنزة، بينما تجمّد الرجل مذهولًا وقال: “جئت آخذ حقي، لا أن أعطي!”
فأجابه والدنا بثبات: “والمرأة مندهشة وجامدة… قلت لك أمشي، لكن أنت قابلني في الورشة بعد المحكمة” حيث كان الوالد نجارًا وصاحب ورشة.
أنهى الوالد جلسة المحكمة عند الواحدة ظهرًا، ثم توجه إلى مكان عمله حيث كان الرجل ينتظره. فقال له عندما قابله قال له الطريقة التي سلمت بها علي أمام المحكمة، و تبادلنا التحايا بحرارة، سوف يكون الشيطان سرب لنفس المرأة الشك بل اليقين بأنني سأحكم لك، وإن كان الحق لك ولن ترضى بالحكم.
“يا أخي… الطريقة التي قابلتني بها أمام الجمهور، جعلت المرأة متيقنة أنني سأحكم لك. لذلك حكمت لها خارج المحكمة أولًا وأمام الجميع، حتى يزول الشك وتُحفظ هيبة القاضي والمحكمة.”
ثم ثانيًا ليس أنت الرجل الذي يتقاضى في عنزة، بل انت صاحب كرم وهيبة وهبة. فقبل الرجل بذلك وذهب.
عندما رجعت المرأة إلى القرية بالعنزة، استغرب أهل القرية من عودتها المبكرة ومعها العنزة. وعندما روت لهم القصة، حلف عليها أخوها أن تعيد العنزة لصاحبها لعلمه بأنها (حقته) يقينًا، وكان ينتظر أمر المحكمة لقوة رأس أخته، فأعادت المرأة العنزة لصاحبها بإصرار أخيها. وعندما عاد الرجل إلى داره، وجد العنزة في بيته فاستغرب الأمر و(حلف طلاق) أن تذهب العنز كهدية للمرأة تقديرًا لأخوها، فبذلك تم حفظ النسيج الاجتماعي، وظل درس العدالة والرحمة حاضرًا أمام الجميع.
وقصص تروى.
القصة الثانية: الابن والوالد… درس في بر الوالدين
في جلسة أخرى، جاء أب يشكو ابنه الذي تجاوز حدود البر والأدب والاحترام لصفعه لوالده بسبب ابنه الصغير وتحريش النساء. الموقف حساس والجمهور حاضر، لكن والدنا أدرك أن القضية تحتاج إلى حكمة ودين وروحانية قبل إصدار أي حكم.
أمر جميع الحضور (الفراجة) بالخروج من القاعة، فبقي الأب والابن فقط. بدأ الوالد حديثه العميق عن الخير والإيمان والإرشاد، وبر الوالدين مستشهدًا بما قال الله وما ورد عن الرسول ﷺ. أوضح للابن أن تصرفه جعله في موارد الهلاك لنفسه وأهله، وألقى محاضرة بل خطبة مؤثرة للغاية، حتى بدأت دموع الأب والابن معًا تنهمر منهما كالمطر.
ثم سأل الوالد السماني الأب الشاكي:
“ماذا يبكيك أنت؟”
فأجاب الأب:
“يا شيخ السماني… كلامك هذا ذكرني بحادثة قبل أربعين عامًا، عندما صفعت والدي من أجل أبني هذا في ذات السبب. والحمد لله ربنا اقتص مني في الدنيا و أسأله المغفرة، لكن سيأتي اليوم الذي يصفع فيه ولد أبني هذا أبوه وكما تدين تدان”
ثم قال الوالد: “اليوم عفيت عنه لوجه الله تعالى، وأسأل الله أن يغفر لي.”
هنا احتضن الابن أباه والدموع تسيل كالمطر وبكى بعضهما البعض بصوت ونحيب، وخرجوا من المحكمة وقد عادت المودة والاحترام بينهما، مستفيدين من درس خالد في الحكمة والعدل والرحمة.
الخلاصة
روح العدالة قبل القانون
هاتان القصتان تبرزان فلسفة والدنا في الحكم:
1/ الحفاظ على النسيج الأسري والاجتماعي قبل إصدار الحكم.
2/العدل بالرحمة قبل تطبيق النصوص الجامدة.
3/ التوجيه الأخلاقي والروحي كجزء من عمل القاضي.
4/ الحكمة في إدارة النزاعات بما يحفظ الحقوق ويُرضي النفوس.
5/ هكذا كان والدنا، محكمًا بروح القانون لا بالقانون وحده، ينقل للعالم درسًا خالدًا في الإنسانية والحكمة، ويظهر أن العدالة الحقيقية ليست في الحكم فقط، بل في صلاح القلوب وحفظ السلام بين الناس.
ودمتم سالمين.


