مقدمة منهجية
في دراسات النزاعات المسلحة، لا تُقاس نهاية الحروب فقط بإعلان النصر أو سقوط عاصمة، بل تُقاس أساسًا بظهور مؤشرات موضوعية تدل على أن أحد الأطراف دخل مرحلة الانهيار البنيوي. وينطبق هذا الإطار التحليلي على الصراع الدائر بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، حيث يمكن رصد مجموعة من العلامات التي يستخدمها الباحثون العسكريون لتقدير اقتراب الحسم.
أولًا: المؤشرات العسكرية الميدانية
1. فقدان القدرة على المبادرة
أول علامات التراجع الاستراتيجي هي انتقال القوة من الهجوم إلى الدفاع. فالقوة التي تفقد القدرة على شن عمليات واسعة تصبح أسيرة رد الفعل، وهو وضع يصعب الخروج منه دون دعم خارجي كبير.
2. تقلص الجغرافيا العملياتية
حين ينحصر انتشار قوة مسلحة في مناطق محدودة بعد أن كانت منتشرة، فهذا يشير إلى:
تآكل القدرة اللوجستية
ضعف خطوط الإمداد
فقدان السيطرة الميدانية
3. الاعتماد المفرط على تكتيكات الاستنزاف
الانتقال من السيطرة على الأرض إلى مجرد إزعاج الخصم يعني تحولًا من استراتيجية الحسم إلى استراتيجية البقاء، وهو مؤشر معروف على اقتراب مرحلة الإنهاك النهائي.
ثانيًا: المؤشرات التنظيمية الداخلية
1. اهتزاز القيادة
تظهر الدراسات أن أي غموض حول وضع القيادة — مثل تضارب المعلومات حول الحالة الصحية أو الوجود الميداني — يؤدي إلى:
ارتباك القرار
تعدد مراكز القيادة
ضعف التنسيق
وينطبق ذلك على أي قوة تعتمد على القيادة الشخصية الكاريزمية أكثر من اعتمادها على مؤسسة تنظيمية.
2. الانقسامات الداخلية
الانقسام داخل الحاضنة الاجتماعية أو القيادية يعد من أخطر المؤشرات، لأنه يضرب الأساس الذي تستند إليه القوات غير النظامية، وهو التضامن الداخلي.
ثالثًا: المؤشرات السياسية والدبلوماسية
1. تراجع الاعتراف الخارجي
حين تتردد الدول في التعامل مع طرف ما أو تتراجع اتصالاتها به، فذلك يعني غالبًا أنها بدأت تستعد لمرحلة ما بعده سياسيًا.
2. تقلص شبكة الدعم
أي إشارات إلى تراجع دعم إقليمي — خصوصًا من دول مؤثرة مثل الإمارات أو ضغط سياسي من قوى مثل السعودية ومصر — تُعد عاملًا حاسمًا في تسريع التحول الميداني.
رابعًا: المؤشر الاقتصادي اللوجستي
الحروب تُحسم بالتمويل بقدر ما تُحسم بالسلاح. ومن أبرز علامات النهاية:
تعثر الإمداد
صعوبة دفع الرواتب
ضعف القدرة على التجنيد
عندما تصل قوة مسلحة إلى هذه المرحلة، تصبح قدرتها على الاستمرار محدودة زمنيًا.
خامسًا: المؤشر النفسي المعنوي
المعنويات عنصر حاسم في الصراعات. ومن علامات الانهيار المعنوي:
ازدياد الانسحابات
تراجع الحماسة القتالية
انتشار الشائعات داخل الصفوف
في التحليل العسكري، انهيار المعنويات غالبًا يسبق الانهيار الميداني.
القراءة الاستراتيجية الشاملة
عند اجتماع ثلاثة مؤشرات رئيسية معًا:
ضغط عسكري متواصل
انقسام داخلي
تراجع دعم خارجي
فإن ذلك يشير عادة إلى أن الصراع دخل مرحلته الأخيرة، حتى لو استمرت المعارك لفترة قصيرة بعدها.
التقدير الاستراتيجي النهائي
النهاية الحقيقية للحروب لا تبدأ بسقوط آخر موقع، بل تبدأ لحظة اختلال التوازن الداخلي لأحد الأطراف.
وعندما تتراكم المؤشرات العسكرية والتنظيمية والسياسية في اتجاه واحد، يصبح الحسم مسألة وقت لا أكثر.
في علم الصراعات
الانهيار يحدث أولًا في البنية
ثم يظهر لاحقًا في الميدان.


