Popular Now

تقرير استراتيجي رقم (5) ضمن سلسلة مقالات الحرب على السودان .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب – الباحث المختص في الشأن الأفريقي

جائزة نوبل الصمود… الشعب السوداني .. بقلم مستشار_ أحمد حسن الفادني – باحث بمركز الخبراء العرب

مقترح معالجة آثار الحرب الاقتصادية في السودان : المنهوبات والمدمَّرات .. إعداد/ احمد الزبير محجوب

جائزة نوبل الصمود… الشعب السوداني .. بقلم مستشار_ أحمد حسن الفادني – باحث بمركز الخبراء العرب

ليس من باب المبالغة العاطفية ولا من قبيل المجاز البلاغي حين نقول إن الشعب السوداني يستحق جائزة نوبل في الصمود، فثمة شعوب مرت بأزمات وأمم عانت حروبا ودول واجهت انهيارات اقتصادية، لكن قل أن يجتمع على شعب واحد هذا التراكم التاريخي من الأزمات السياسية والاقتصادية والأمنية والخدمية ثم يظل واقفا على قدميه متمسكا بكرامته محتفظا بحده الأدنى من الأمل، فالسودان لا يعتبر منطقة جغرافية مضطربة إنه مختبر مفتوح للأزمات المتكررة منذ ما بعد الاستقلال مرورا بعقود من الانقلابات والتجارب الديمقراطية القصيرة والحروب الممتدة والعقوبات الاقتصادية وصولا إلى حرب ابريل التي افتعلتها مليشيا الدعم السريع والتي مزقت النسيج الوطني وأرهقت الإنسان قبل الدولة.

أولا: اقتصاد يتنفس بالألم:
الأزمة الاقتصادية في السودان لانعدها ازمة طارئة انما هي أزمة بنيوية تراكمت عبر عقود من سوء الإدارة والاعتماد على اقتصاد ريعي هش وغياب التخطيط الاستراتيجي طويل المدى ، من التضخم المفرط إلى تدهور قيمة العملة إلى فقدان المدخرات إلى تآكل الطبقة الوسطى ، حيث عاش المواطن السوداني في دوامة مستمرة من الغلاء وندرة السلع، وتعاقبت الحكومات وتغيرت الشعارات لكن ظل المواطن هو الحلقة الأضعف في معادلة الإصلاحات المؤجلة. انفصال الجنوب في 2011 وفقدان عائدات النفط شكل صدمة كبرى ثم جاءت الاضطرابات السياسية لتقوض أي فرصة لتعافي اقتصادي مستدام ومع كل أزمة كان المواطن يتكيف و يخفض استهلاكه و يبدل أنماط معيشته يبتكر وسائل للبقاء و التعايش ويعيد تعريف الكفاف.

ثانيا: السياسة… دوامة الانتقال الذي لا يكتمل:
منذ الاستقلال عام 1956 والسودان يعيش جدلية الدولة المدنية والعسكرية في تناوب أرهق المؤسسات وأضعف الثقة العامة بالرغم وجود تجارب ديمقراطية قصيرة لكنها لم تفلح و أعقبتها انقلابات واتفاقيات سلام أعقبتها حروب جديدة ومبادرات انتقالية أُجهضت قبل أن تنضج، هذه الحلقة المفرغة أضعفت بنية الدولة وخلقت حالة من عدم اليقين السياسي التي انعكست مباشرة على الاقتصاد والاستثمار والخدمات، فالمواطن العادي لم يكن جزءا من مراكز القرار لكنه كان دائما أول من يدفع ثمن الفشل السياسي.

ثالثا: الأمن… حين تصبح الحياة اليومية مخاطرة:
الحروب و النزاعات الممتدة في الجنوب سابقا ثم في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، وأخيرا الحرب التي ضربت قلب العاصمة ومدنا رئيسية لم تترك بيتا إلا ولامسته بصورة أو بأخرى فأدت إلى النزوح و اللجوء و فقدان الأحبة وانقطاع مصادر الدخل و انهيار الخدمات كلها لم تعد عناوين أخبار انما اصبحت تفاصيل يومية في حياة ملايين السودانيين، ومع ذلك ظل المجتمع متماسكا إلى حد مدهش ويضرب مثلا قويا في التكافل الاجتماعي من فتح البيوت للنازحين و تقاسم القليل و تحويل المساجد والمدارس إلى مراكز إيواء فهذه أضحت مشاهد إنسانية تدرس في أوقات السلم قبل الحرب.

رابعا: أزمة الخدمات… دولة بلا أكتاف:
الكهرباء تنقطع و المياه تتلوث أو تنعدم و المدارس تتوقف الجامعات تتعطل المستشفيات تفتقر إلى أبسط المعدات، ومع كل ذلك يبتكر السودانيون حلولا بديلة من مولدات خاصة آبار أهلية بالمجهود الذاتي عبر مدارس مجتمعية و مبادرات شبابية طوعية و عيادات خيرية، إنه شعب تعود أن يعيش في ظل دولة عاجزة لكنه لم يتعود أن يستسلم، وهذا الفارق هو سر بقائه.

خامسا: الفساد… الجرح الصامت:
الفساد في السودان لم يكن يصبح مجرد انحراف إداري انما أصبح منظومة متكاملة أضعفت مؤسسات الدولة وأهدرت الموارد وعمقت الفجوة بين الحاكم والمحكوم، فالمحسوبية و التمكين وغياب الشفافية وضعف الرقابة… كلها عوامل ساهمت في تعطيل التنمية وإفشال المشاريع وإفقار الشعب في بلد غني بالموارد. والأخطر من ذلك أن الفساد لم يكن دائمًا عفويا في كثير من الأحيان تحس انه كان ممنهجا يعاد إنتاجه مع كل مرحلة سياسية جديدة في دورة لم تنكسر بعد.
ومع ذلك… لم ينكسر الإنسان، ورغم هذا السرد المثقل بالألم فإن الصورة ليست قاتمة بالكامل، فالشعب الذي يحتمل كل هذا دون أن يفقد حسه الإنساني أو قدرته على الضحك أو تمسكه بالقيم هو شعب يملك ثروة غير مرئية وهي رأس المال الاجتماعي ، فنجد في الأسواق وفي الأحياء وفي المهجر وفي الجامعات وفي منصات المبادرات الشبابية تجد روحا تقاوم ، فالسوداني في الداخل يقاوم بالبقاء والسوداني في الخارج يقاوم بالدعم والتحويلات وبناء الشبكات فالأم تصبر و الطالب يواصل دراسته رغم الانقطاع والطبيب يعمل بإمكانات محدودة والمزارع يزرع رغم المخاطر ،فهذه ليست رومانسية وطنية إنها حقيقة اجتماعية متكررة عبر الأجيال، فلا نريدها من جائزة رمزية إلى مشروع وطني (جائزة نوبل الصمود) ليست مطلبا شكليا إنها اكبر انها صرخة ضمير وهي دعوة لإعادة تعريف البطولة، فالبطل ليس فقط من يحمل سلاحا أو يتصدر منصة البطل هو من يصحو كل صباح في ظروف غير طبيعية ليعيش حياة طبيعية قدر الإمكان، لكن الصمود وحده لا يكفي، فلا ينبغي أن يتحول الصبر إلى سياسة ولا أن يصبح الاحتمال بديلا عن الإصلاح فإن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن تتعود الدولة على صبر شعبها فتعتبره موردا مجانيا لا ينضب، السودان اليوم يحتاج إلى عقد اجتماعي جديد إلى دولة مؤسسات حقيقية و إلى اقتصاد إنتاجي قائم على الزراعة والصناعة والقيمة المضافة وإلى منظومة عدالة شفافة و إلى إصلاح أمني يعيد احتكار السلاح للدولة ومنع تكون جماعات مسلحة أخرى تحت اي مسمى و إلى استثمار في التعليم والصحة باعتبارهما أمنا قوميا لا خدمة ثانوية.

فكلمتنا الاخير نقول فيها : أيها السودانيون…
أنتم لستم شعب أزمات انتم شعب إمكانات أُسيء استغلالها وأنتم لستم ضحايا قدر وانما ضحايا إدارة فاشلة وتاريخ سياسي مضطرب وأنتم قبل كل شيء أصحاب حق في وطن آمن مستقر مزدهر، إن كان للعالم أن يمنح جائزة على الصمود فالسودان في مقدمة المرشحين.
لكن الجائزة الحقيقية التي يستحقها هذا الشعب ليست ميدالية رمزية انما دولة عادلة واقتصاد قوي وأمن مستدام وخدمات تليق بكرامته، و إلى وحين يتحقق ذلك لن يحتاج السوداني إلى جائزة نوبل في الصمود فهو سيستحق جائزة في النهضة و جوائز أخرى مبتكرة يصممها و يحققها الشعب السوداني بنفسه.

المقالة السابقة

مقترح معالجة آثار الحرب الاقتصادية في السودان : المنهوبات والمدمَّرات .. إعداد/ احمد الزبير محجوب

المقالة التالية

تقرير استراتيجي رقم (5) ضمن سلسلة مقالات الحرب على السودان .. إعداد/ د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب – الباحث المختص في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *