منذ أن صاغ هانز مورغانثاو نظريته الواقعية، ظلّ يؤكد أن السياسة الدولية تحكمها اعتبارات القوة والمصلحة، لا المثاليات القانونية. وعندما طوّر جون ميرشمير أطروحة الواقعية الهجومية، اعتبر أن القوى العظمى لا تكتفي بحفظ توازن القوى، بل تسعى إلى تعظيم نفوذها ولو على حساب استقرار النظام الدولي. أما ميكافيلي فقد سبقهم جميعاً في التنبيه إلى أن الدولة لا تتورع عن استخدام أي وسيلة لحماية بقائها. في المقابل، قدّم وليم جميس تصوراً براغماتياً يرى أن قيمة الفعل تُقاس بنتائجه العملية. بين هذه المقاربات النظرية يتأرجح السلوك الأميركي في العقود الأخيرة، وصولاً إلى الحرب على إيران وما صاحبها من وقائع بانتهاك ميثاق الأمم المتحدة والقانون الدولي العام.
خلال الحرب الباردة، كان النظام الدولي ثنائي القطبية محكوماً بتوازن ردع دقيق بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي. ورغم الصراعات بالوكالة، فإن وجود قطبين حدَّ من الانفلات الشامل، وأبقى مجلس الأمن ساحة صراع سياسي مضبوط الإيقاع. لكن مع انهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991، انفردت الولايات المتحدة بقيادة النظام الدولي، وظهرت أطروحات “اللحظة الأحادية” التي انذرت بعالم ليبرالي تقوده واشنطن بلا منازع.
جاءت هجمات 11 سبتمبر 2001، ولا سيما استهداف مبنى التجارة الدوليه ، لتشكّل نقطة تحوّل عميقة في الفكر الاستراتيجي الأميركي. ففي مناخ الصدمة الأمنية، برزت قراءات فكرية مؤثرة، مثل أطروحة فرانسيس فوكاياما في كتابه نهاية التاريخ ، التي رأت انتصار النموذج الليبرالي كنهاية للتطور الأيديولوجي، وأطروحة صمويل هنتغتون بعنوان صدام الحضارات التي تنبأت بصراعات حضارية. وقد استُثمرت هذه الأفكار في تبرير انتقال واشنطن من سياسة الاحتواء إلى استراتيجية الضربات الاستباقية والحروب الوقائية.
في هذا السياق، شنّت الولايات المتحدة حربها على أفغانستان عام 2001 ثم غزت العراق عام 2003، في خطوة اعتبرها كثيرون تجاوزاً وانتهاك صارخ لميثاق الأمم المتحدة وتهميشاً لدور مجلس الأمن. ورغم صدور قرارات تتعلق بمكافحة الإرهاب، فإن غزو العراق تحديداً ظل محل جدل قانوني واسع لغياب تفويض صريح باستخدام القوة. تكررت أنماط التدخل أو العمليات العسكرية والاستخباراتية في دول مثل الصومال واليمن، بما أثار تساؤلات حول حدود السيادة الوطنية ومبدأ عدم التدخل.
تطورت لاحقاً أدوات “التدخل الناعم” عبر العقوبات الاقتصادية، وتصنيف كيانات وأفراد ضمن قوائم الإرهاب، ودعم أطراف محلية في صراعات داخلية. شملت هذه السياسات دولاً صُنّفت ضمن “محور الشر” أو الدول المارقة، مثل سوريا وليبيا واليمن والعراق والسودان وإيران. ومع إدارة دونالد ترامب ، تعزز منطق “الضغط الأقصى”، سواء عبر توسيع العقوبات أو عبر توظيف مزيج “العصا والجزرة”، كما في الوساطات المرتبطة بمصالح المعادن والطاقة في أفريقيا، أو في إدارة النزاعات في مناطق الساحل والبحيرات العظمى والقرن الأفريقي.
في موازاة ذلك، تصاعد التنافس الاستراتيجي مع الصين وروسيا، ما أعاد إلى السطح ملامح صراع قوى كبرى، لكن في بيئة استراتجيه دولية أكثر سيولة وتعقيدا وغموضا وتقلبا واكثر هواجسا . تتهم قوى دولية واشنطن بأنها تساهم في تفكيك بنية النظام الدولي عبر إضعاف قواعده الجامعة، ورعاية شبكات نفوذ عابرة للدول، وتشجيع فواعل دون الدولة، الأمر الذي يعمّق الصراعات الإثنية والمناطقية والهويات المتصارعه ويعيد رسم خرائط النفوذ.
ويبرز جدل إضافي حول الدعم الأميركي لإسرائيل في حربها في غزة، حيث تُوجَّه اتهامات لواشنطن بتوفير الغطاء السياسي والعسكري في مواجهة ماتقوم به إسرائيل من ارتكاب جرايم ضد الانسانيه و انتهاكات بحق الشعب الفلسطيني فى قطاع غزه . كما تُنتقد سياساتها في السودان، سواء من حيث العقوبات أو مسارات الوساطة، باعتبارها انعكاساً لرؤية أحادية لمعادلات حرب مليشياالدعم السريع ضد الشعب السودانى.
تبلغ هذه الإشكاليات ذروتها في الحرب على إيران، ولا سيما في حال تنفيذ عمليات اغتيال أو ضربات داخل أراضيها من دون تفويض أممي صريح، ما يثير سؤال الشرعية الدولية. فوفق ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر استخدام القوة إلا في حالتي الدفاع عن النفس أو بقرار من مجلس الأمن. أي انحراف عن هذا الإطار يُنظر إليه بوصفه تقويضاً للنظام القانوني الدولي الذي تأسس بعد الحرب العالمية الثانية.
أمام هذا المشهد، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية:
الأول، استمرار الفوضى المتحكم فيها ، حيث تتآكل قواعد النظام الدولي تدريجياً من دون انهيار كامل، مع بقاء الولايات المتحدة فاعلاً مهيمناً لكنه مُقيَّد بتوازنات جديدة.
الثاني، تشكّل نظام متعدد الأقطاب تقوده تفاهمات أميركية–صينية–روسية تعيد تعريف قواعد الاشتباك وتحدّ من الحروب المباشرة.
الثالث، انزلاق النظام الدولي نحو فوضى شاملة تتكاثر فيها النزاعات الإقليمية، وتتراجع فيها فاعلية الأمم المتحدة إلى حدّها الأدنى.
إن الحرب على إيران، في هذا السياق، قد لا تكون مجرد صراع إقليمي، بل اختباراً فاصلاً لقدرة النظام الدولي على الصمود. فإما أن تنجح القوى الكبرى في إعادة إنتاج توازن جديد يضبط استخدام القوة، وإما أن يشهد العالم أفولاً فعلياً لعصر الأحادية القطبية، ودخولاً في مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات صراع أوسع. بين واقعية مورغنثاو الهجومية وبراغماتية وليم جيمس، يبقى السؤال: هل تُقاس شرعية القوة بنتائجها، أم بمدى اتساقها مع قواعد النظام الذي يدّعي الجميع حمايته؟
الحرب علي إيران ومأزق النظام الدولي الحلقة (3) .. بقلم/ د. اسماعيل الناير .. باحث استراتجى .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية
المقالة السابقة


