مقدمة
أعاد قرار العقوبات الأمريكية على الحركة الإسلامية في السودان طرح أسئلة قديمة تتعلق بطبيعة العلاقة بين الإسلاميين والغرب، ومدى صحة الرهان الذي اعتمد عليه بعض قادة الحركة الإسلامية في مراحل مختلفة من تاريخ السودان السياسي.
فمنذ وصول الإسلاميين إلى السلطة عام 1989 بقيادة الرئيس عمر حسن أحمد البشير .
واجهت الحكومة السودانية سلسلة من الضغوط والعقوبات الغربية، كان أبرزها العقوبات الاقتصادية الأمريكية التي استمرت سنوات طويلة.
غير أن هذه العقوبات تطرح تساؤلًا جوهريًا: هل أخطأ الإسلاميون في تقدير علاقتهم بالغرب؟ وهل قدموا تنازلات سياسية كبيرة دون أن يحققوا مقابلًا استراتيجيًا حقيقيًا؟
أولًا: اتفاقية جنوب السودان وخدمة المصالح الغربية
لعبت الولايات المتحدة دورًا محوريًا في الوصول إلى
اتفاقية السلام الشامل
التي أنهت الحرب الأهلية الطويلة بين شمال السودان وجنوبه.
وقد أدت هذه الاتفاقية في النهاية إلى انفصال
جنوب السودان
عام 2011، وهو حدث غيّر الخريطة الجيوسياسية والاقتصادية للسودان.
ويرى عدد من المحللين أن هذا الاتفاق خدم بصورة كبيرة المصالح الغربية، خاصة فيما يتعلق بقطاع النفط في الجنوب. فمعظم احتياطات النفط السوداني كانت تقع في الأراضي التي أصبحت لاحقًا جزءًا من دولة جنوب السودان، الأمر الذي فتح الباب أمام شركات غربية ودولية لتعزيز نفوذها في قطاع الطاقة.
كما أن بعض وسائل الإعلام الغربية في تلك الفترة كانت تتوقع أن يؤدي فقدان عائدات النفط إلى إضعاف نظام الخرطوم سياسيًا واقتصاديًا.
ثانيًا: رهانات الإسلاميين على تحسين العلاقات مع الغرب
خلال سنوات حكم الإسلاميين، اتخذت الخرطوم عدة خطوات هدفت إلى تحسين علاقتها بالولايات المتحدة والدول الغربية.
ففي مرحلة لاحقة تعاونت الأجهزة الأمنية السودانية مع الولايات المتحدة في ملفات مكافحة الإرهاب، كما اتخذت الحكومة السودانية خطوات سياسية اعتُبرت محاولة لفتح صفحة جديدة مع الغرب.
لكن هذه الخطوات لم تؤدِ إلى تحقيق التحول الذي كان يأمله قادة النظام، إذ استمرت الضغوط والعقوبات الاقتصادية لفترات طويلة.
كما لم تؤدِ تلك السياسات إلى تدفق الاستثمارات الغربية أو العربية بالشكل الذي كانت تتوقعه الحكومة السودانية.
ثالثًا: رؤية الحركة الإسلامية للعلاقة مع الغرب
رغم محاولات التقارب السياسي، فإن الفكر الاستراتيجي لبعض قيادات الحركة الإسلامية كان يميل إلى الحذر في التعويل على الغرب.
ففي سبعينيات القرن الماضي قام المفكر الإسلامي
حسن الترابي
بزيارة مهمة إلى
الصين
برفقة عدد من قيادات الحركة الإسلامية، حيث أجروا لقاءات مع قيادات
الحزب الشيوعي الصيني.
وقد عكست تلك الزيارة رؤية مبكرة لدى بعض قيادات الحركة الإسلامية بضرورة تنويع العلاقات الدولية وعدم الاعتماد الكامل على الغرب.
رابعًا: التحول نحو الشرق واستخراج النفط السوداني
عندما واجه السودان عزلة غربية في تسعينيات القرن الماضي، اتجهت الحكومة السودانية نحو تعزيز علاقاتها مع دول آسيوية، وعلى رأسها الصين.
وقد لعبت
China National Petroleum Corporation
دورًا رئيسيًا في تطوير قطاع النفط السوداني واستخراج النفط، وهو ما ساعد السودان على الدخول إلى نادي الدول المصدرة للنفط في نهاية التسعينيات.
وقد اعتُبر هذا التحول مثالًا على قدرة السودان على إيجاد بدائل اقتصادية خارج النظام الاقتصادي الغربي.
خامسًا: العقوبات الأمريكية كأداة لإضعاف الدولة
فرضت الولايات المتحدة سلسلة من العقوبات الاقتصادية والسياسية على السودان خلال فترة حكم الإسلاميين.
ويرى عدد من المحللين أن هذه العقوبات لم تكن موجهة فقط ضد الحركة الإسلامية، بل استهدفت أيضًا مؤسسات الدولة السودانية بشكل عام، حيث أثرت على الاقتصاد الوطني وعلى قدرة الدولة على الوصول إلى النظام المالي العالمي.
كما أن استمرار العقوبات لفترة طويلة ساهم في إضعاف الاقتصاد السوداني وتقييد قدرته على جذب الاستثمارات الدولية.
خاتمة
توضح تجربة السودان خلال العقود الماضية أن العلاقة بين الحركات الإسلامية والغرب ظلت علاقة معقدة تتداخل فيها المصالح السياسية والاستراتيجية.
ففي الوقت الذي حاول فيه الإسلاميون تقديم تنازلات سياسية بهدف تحسين علاقاتهم مع الغرب، لم تؤدِ هذه السياسات إلى إنهاء الضغوط والعقوبات بشكل كامل.
وفي ضوء التطورات الحالية، يعود السؤال مجددًا حول طبيعة العلاقة التي ينبغي أن تبنيها القوى السياسية السودانية مع القوى الدولية، وكيف يمكن تحقيق توازن بين المصالح الوطنية والتفاعلات مع النظام الدولي.


