Popular Now

المجلس التشريعي المنتظر وما قبله .. رسالة أوجهها للرئيس البرهان ونائبه مالك عقار قبل صدور تشكيل المجلس التشريعي ]] (2 من 2) .. بقلم د. بابكر عبدالله محمد علي

وجه الحقيقة | وثائق الري ومعركة الذاكرة.. .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

سلسلة صفقات ترامب والحرب الأمريكية – الإسرائيلية على إيران .. تقرير إستراتيجي تحليلي رقم (3) .. (سلام إيران 2/4): حرب النفط وتفكك التحالفات… من يملك زمام المعركة؟ .. إعداد: د. الزمزمي بشير عبد المحمود – باحث مختص في الشأن الإفريقي

المجلس التشريعي المنتظر وما قبله .. رسالة أوجهها للرئيس البرهان ونائبه مالك عقار قبل صدور تشكيل المجلس التشريعي ]] (2 من 2) .. بقلم د. بابكر عبدالله محمد علي

إن أخطر ما يمكن أن تقع فيه الدول في مراحل التحول هو أن تُنشئ مؤسسات بلا روح، أو تُقيم هياكل بلا فلسفة حاكمة. فالمجلس التشريعي ليس مجرد قاعة يجلس فيها نواب، ولا منصة لتمرير القوانين، بل هو عقل الدولة الجمعي ومرآة ضميرها، وميزان العدل فيها.
إن التجربة السودانية، عبر تاريخها الحديث، لم تعانِ فقط من غياب المؤسسات، بل من اختلال العلاقة بين النص الدستوري والواقع الاجتماعي والسياسي. ولذلك فإن أي مجلس تشريعي يُنشأ اليوم دون تأسيس دستوري راسخ، ودون رؤية معيارية واضحة، سيصبح عبئاً جديداً يُضاف إلى أعباء الدولة، لا أداة لإنقاذها.
أولاً: فلسفة المجلس التشريعي
المجلس التشريعي الحقيقي لا يُبنى على المحاصصات، ولا على مخرجات تسويات مؤقتة، بل على ثلاثة مرتكزات أساسية:
الشرعية القيمية: أن يعكس وجدان الأمة وثقافتها وتاريخها.
الشرعية التمثيلية: أن يمثل كل مكونات السودان دون إقصاء أو تغليب.
الشرعية الوظيفية: أن يكون قادراً على التشريع والرقابة بكفاءة واستقلال.فالنائب البرلماني هو صانع قوانين [[ Law Makers ]]
فإن غابت واحدة من هذه، اختل البناء كله.
ثانياً: إشكالية ما بعد جوبا
لقد أفرزت مخرجات ما عُرف باتفاق جوبا واقعاً إدارياً مضطرباً، حيث تم الخلط بين:
مفهوم الإقليم كوحدة حكم
والولاية كوحدة إدارية
والمحافظة كوحدة تنفيذية
هذا الخلط لم يكن مجرد خطأ تنظيمي، بل أدى إلى:
تضارب الصلاحيات
تضخم الجهاز الحكومي
ضعف الكفاءة المؤسسية
وتآكل هيبة الدولة
وعليه، فإن إنشاء مجلس تشريعي في ظل هذا الارتباك، هو بمثابة بناء طابق جديد فوق أساس متصدع.
ثالثاً: نحو مجلس تشريعي بمعيارية جديدة
إن المطلوب اليوم ليس الإسراع في تشكيل المجلس، بل إعادة تعريفه وفق نموذج مؤسسي حديث، يقوم على:
1. مجلس تشريعي مركزي (البرلمان القومي)
يتكون من غرفتين (مجلس نواب + مجلس أقاليم)
يوازن بين التمثيل السكاني والتمثيل الجغرافي
يضطلع بالتشريع القومي والرقابة على السلطة التنفيذية
2. مجالس تشريعية ولائية
تُمنح سلطات محددة لا تتقاطع مع المركز
تُبنى على أسس الكفاءة لا الولاء السياسي
تُربط بمؤشرات أداء واضحة وقابلة للقياس
3. ضبط العلاقة بين مستويات الحكم
تحديد دقيق للاختصاصات (حصري – مشترك – متبقي)
منع الازدواجية والتداخل
اعتماد نظام رقابي متدرج يضمن الانسجام المؤسسي
رابعاً: معايير اختيار الأعضاء
إن أخطر ما يهدد أي مجلس تشريعي هو أن يتحول إلى منصة للمكافآت السياسية. ولذلك يجب أن يخضع اختيار الأعضاء إلى:
معايير علمية (خبرة، تأهيل، كفاءة)
معايير أخلاقية (نزاهة، استقلالية)
معايير تمثيلية (عدالة جغرافية واجتماعية)
فالنائب ليس وجاهة اجتماعية، بل صانع قرار ومسؤول عن مصير أمة.
خامساً: التحذير الاستراتيجي
إن تشكيل مجلس تشريعي قبل الاتفاق على:
دستور انتقالي واضح
نموذج حكم محدد
رؤية استراتيجية شاملة
هو بمثابة وضع العربة أمام الحصان، وسيقود لا محالة إلى:
صراعات داخل المجلس
شلل تشريعي
إعادة إنتاج الأزمة بصورة أعقد
سادساً: الطريق إلى الأمام
إن المخرج الحقيقي يكمن في:
إعداد مسودة دستور انتقالي متوافق عليه
إجراء مضاهاة معيارية بين التجارب الدستورية السابقة
الاتفاق على شكل الدولة (مركزية/فيدرالية/مختلطة)
ثم الانتقال إلى تشكيل مجلس تشريعي يعكس هذا الاتفاق
الخلاصة
إن المجلس التشريعي ليس بداية الحل، بل هو نتيجة لاتفاق وطني ناضج.
فإن أُحسن تأسيسه، كان صمام أمان للدولة.
وإن أُسيء تشكيله، كان بوابة لانهيارها.
وعليه، فإنني أدعو القيادة السياسية إلى التمهل، لا تراجعاً، بل تبصّراً…
فالدول لا تُبنى بالعجلة، وإنما تُبنى بالرؤية.
والله الموفق،،
دكتور / بابكر عبدالله محمد علي

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | وثائق الري ومعركة الذاكرة.. .. بقلم/ إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *