Popular Now

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (5) ..د.إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

“السودان-إثيوبيا” (ماذا يقلق تناغم السيادات)؟! .. بقلم: د.أمينة العريمي .. باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي

السقوط الذي يبدأ من الداخل من غرناطة إلى الخرطوم .. بقلم مستشار: هشام محمود سليمان

ميراث حكام إثيوبيا: أحكام التاريخ ولعنة الجغرافيا (5) ..د.إسماعيل الناير عثمان .. باحث استراتيجي .. عضو مركز دراسات العلاقات السياسية الدولية

في الأدبيات الاستراتيجية الحديثة، يرى هانز مورغانثاو أن الدولة تتحرك في المجال الدولي وفق منطق المصلحة والقوة، بينما يؤكد كينث والتز أن بنية النظام الدولي تفرض على الدول أن تتصرف وفق حسابات البقاء وتوازن القوى. أما جوزيف ناي فقد أضاف بعداً مكملاً حين صاغ مفهوم “القوة الناعمة”، بوصفها القدرة على التأثير عبر الجاذبية والإقناع لا الإكراه. وفي علم الاجتماع السياسي، يشير أنطوني جيدنز إلى أن الدولة ليست مجرد جهاز سلطوي، بل بنية اجتماعية تتشكل عبر التفاعل بين الهوية والشرعية والمؤسسات.
من هذا المنظور يمكن قراءة تجربة آبي أحمد، الذي تولى رئاسة الوزراء في إثيوبيا عام 2018 عقب استقالة هايلي مريام ديسالين إثر احتجاجات شعبية واسعة في إقليمي أورومو وأمهرا، سقط فيها مئات الضحايا. وقد كان من أبرز دوافع هذا التحول السياسي السعي إلى إنهاء هيمنة قومية التيغراي على مفاصل الدولة منذ عام 1991.
وُلد آبي أحمد عام في منطقة أغاروا بإقليم أورومو، لأب مسلم من الأورومو وأم مسيحية من الأمهرا، وتزوج من سيدة أمهراوية مسيحية. ينتمي إلى الطائفة البروتستانتية، وهو عضو في الكنيسة الخمسينية، وشارك في الجبهة الديمقراطية لشعب الأورومو، ثم التحق بالجيش وبلغ رتبة عقيد في الاستخبارات العسكرية قبل أن ينخرط في العمل السياسي. نال درجة البكالوريوس في هندسة الحاسوب من جامعة أديس أبابا، والدبلوم العالي من بريتوريا بجنوب أفريقيا، ثم الماجستير من جامعة غرينتش بلندن، وأخيراً الدكتوراه من معهد السلام والأمن بجامعة أديس أبابا، وكانت أطروحته بعنوان: “رأس المال الاجتماعي ودوره في حل النزاعات التقليدية: الصراع بين الأديان في منطقة جيما بإقليم أورومو”.
عقب تسلمه السلطة، شرع آبي أحمد في إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الدولة، فأقال رئيس هيئة الأركان الجنرال سمورا – المنتمي إلى التيغراي – وعيّن بدلاً عنه الجنرال سيرا ميكونن من قومية الأمهرا، كما عيّن الجنرال برهاني جولا من الأورومو، وقائداً لسلاح الجو من الأورومو، وأقال الجنرال غيتاشو مدير المخابرات وعيّن بدلاً عنه الجنرال آدم محمد. وقد تبعت هذه الخطوات إجراءات أخرى اعتبرتها قيادات التيغراي استهدافاً مباشراً لها، ما دفعها إلى الاحتماء بإقليم التيغراي، في سياق توتر انتهى بحرب عام 2020 التي مثلت ذروة المأساة الإثيوبية المعاصرة.
طرح آبي أحمد فلسفة (Medemer) التي تعني باللغة الأمهرية “التآزر” أو “معاً”، وسعى من خلالها إلى المزاوجة بين الفيدرالية الإثنية والدولة المدنية، بحيث تصبح المواطنة لا القومية هي أساس الحقوق والواجبات. غير أن هذه المقاربة واجهت هزات سياسية واجتماعية عنيفة كشفت هشاشة البنية الاتحادية، وأدت إلى اندلاع صراعات إثنية في أورومو وأمهرا والإقليم الصومالي وبني شنقول وقمز، إضافة إلى الحرب مع جبهة تحرير التيغراي.
في عام 2019 نال آبي أحمد جائزة نوبل للسلام بعد توقيعه اتفاق سلام مع أريتريا، غير أن اندلاع الحرب في التيغراي بعد عام واحد أثار مفارقات حادة في مسار تجربته السياسية. وفي سياق سياسته الخارجية، برزت توترات متصاعدة في القرن الأفريقي والبحر الأحمر، لا سيما مع تلويحه بالحصول على منفذ بحري، وما رافق ذلك من تعقيدات إقليمية.
أما العلاقة مع السودان فتظل إحدى أكثر معادلات القرن الأفريقي تعقيداً. فالحدود الممتدة لأكثر من 725 كيلومتراً تستند إلى اتفاقية 1902، إلا أن منطقة الفشقة ظلت بؤرة توتر متكرر. وقد انتقلت العلاقة، خاصة بعد عام 2020، من إدارة خلاف حدودي تقني إلى مواجهة ذات طابع سيادي مباشر، بالتوازي مع تصاعد الخلاف حول سد النهضة، الذي يمثل لإثيوبيا مشروعاً قومياً، بينما يراه السودان قضية أمن مائي تتطلب اتفاقاً قانونياً ملزماً.
وهكذا يحاول نظام آبي أحمد أن يدير علاقته مع السودان من منظور وظيفي، تتحول فيه إثيوبيا إلى دولة وظيفية لتحقيق أجندة دولة أخرى. فتاريخ العلاقات مع السودان مليء بالشواهد التي أكدت أن حكومات إثيوبيا رعت ودعمت وفتحت أراضيها للحركة الشعبية لتحرير السودان، و وقفت مع انفصال جنوب السودان، وهي التي تأوي الآن الأحزاب والجماعات السياسية التي تتحالف مع ميلشيا الدعم السريع.
وفي السياق ذاته، برزت اتهامات متكررة بشأن تدخلات إثيوبية في إقليم النيل الأزرق، عبر دعم الحركة الشعبية – شمال، وتوفير مظلات سياسية أو لوجستية لقوى متمردة، إضافة إلى اتهامات بدعم ميلشيا الدعم السريع في بعض مراحل حرب الكرامة ضد ميلشيا الدعم السريع . كما أثيرت وقائع مرتبطة باحتلال الكرمك ومناطق حدودية في النيل الأزرق خلال الفترة القليلة الماضية ، وهو ما عمّق حالة انعدام الثقة، وجعل الحدود الشرقية مسرحاً مفتوحاً لتقاطعات أمنية معقدة تتجاوز الطابع المحلي إلى أبعاد إقليمية أوسع.
كما أن التحولات الإقليمية أفرزت اصطفافات مرنة في القرن الأفريقي، في ظل تقاطع مصالح قوى إقليمية ودولية، ما جعل العلاقة السودانية الإثيوبية جزءاً من مشهد جيواستراتيجي أوسع يتجاوز الثنائية التقليدية.
وعلي ضوء ما ذكر فإننا نتوقع السيناريوهات الآتية في ظل ما تقوم به إثيوبيا تجاه السودان، استمرار التوتر تحت سقف الاحتواء المتبادل دون انزلاق إلى حرب شاملة أو تصاعد الصراع غير المباشر عبر دعم أطراف داخلية أو تحريك جبهات حدودية.
الوصول إلى تسوية مرحلية بشأن الفشقة وسد النهضة بوساطة إقليمية.إعادة تشكيل توازنات إقليمية تفرض معادلة ردع متبادل طويل الأمد. نورد بعض المقترحات للحكومة السودانية لمجابهة هذا الموقف ومنها ، تعزيز الجاهزية الدفاعية للقوات المسلحة السودانية شرقاً وجنوباً مع تجنب الاستفزاز المباشر، تفعيل المسار القانوني والدبلوماسي الذي يفضح تورط إثيوبيا في الدعم المباشر والغير مباشر لميلشيا الدعم السريع و الحركة الشعبية – شمال.
توظيف أدوات القوة الناعمة عبر الروابط الاجتماعية والثقافية.
تنويع التحالفات الإقليمية دون الارتهان لمحور مغلق.
تحصين الجبهة السودانية الداخلية باعتبارها أساس أي موقف قوي.
ختاماً، فإن العلاقة بين السودان وإثيوبيا تحكمها جدلية التاريخ والجغرافيا. وإذا كانت الجغرافيا قد فرضت التلاصق، فإن حسن إدارة القوة – الصلبة والناعمة – هو ما سيحدد ما إذا كان هذا التلاصق مصدر صراع دائم أم مدخلاً لتوازن مستدام يخدم استقرار الإقليم بأسره.

المقالة السابقة

“السودان-إثيوبيا” (ماذا يقلق تناغم السيادات)؟! .. بقلم: د.أمينة العريمي .. باحثة إماراتية في الشأن الأفريقي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *