1️⃣ “ما بين أديس أبابا والخرطوم مسافة طمأنينة” عنوان كتبته لمقال قديم تجاوز عمره الخمس السنوات، كنتُ حينها أحاول أن أنقل ما شهدته عياناً وميدانياً في حقل البحث العلمي من رؤى وأفكار وتطلعات وهواجس “إثيوبية” متراكمة ضربت بجذورها عمقاً لم يدرك أحداً قاعه إلا في أروقة مهندسي صنع القرار السياسي والأمني في السودان، ظناً مني بأن المسافة بين إثيوبيا والسودان تحكمها ” تناغم السيادات” قبل أن تحكمها “الجغرافيا والتاريخ والعرق”.
2️⃣ الاحتقان المُتصاعد بين السودان و أثيوبيا جراء التقرير الصادر من بلومبيرغ والذي يؤكد ما توصلت إليه وحدة بحثية تابعة لجامعة ييل حول تقديم الجيش الأثيوبي كافة وسائل الدعم والإسناد لميلشيا الدعم السريع المتعددة الجنسيات لتقويض الأمن والسلم في السودان تمهيداً لفتح جبهة صراع جديدة في إقليم النيل الأزرق المتاخم للحدود الإثيوبية، لن يتطور لمواجهة عسكرية كما يتمناها البعض أو يخطط لها أو حتى يترقبها، فقيادة الدولة السودانية تدرك تماماً الدور الذي لعبته وتلعبه كافة دول جوارها الإقليمي في تقويض السيادة الوطنية السودانية، ولا تحتاج الخرطوم لكثير جهد لتقصي الحقائق حول ذلك، فالقاعدة العسكرية تقول “حين تصبح المعارك مكشوفة إلى حد اليقين يتحول البحث عن الحقيقة إلى شكل من أشكال العمى”.
3️⃣ تدرك الخرطوم حقائق الأنظمة السياسية المجاورة لها إقليمياً، وذلك بسبب الدور الأمني والاستخباراتي والسياسي الذي لعبه السودان في تأسيس تلك الأنظمة ودعمها للوصول للحكم، بدءاً من حكم الراحل زعيم النهضة الأثيوبية “مليس زيناوي” شرقاً، إلى الراحل ثعلب الساحل الإفريقي “إدريس ديبي” غرباً، وهذه حقيقة يعترف بها المعادين للدولة السودانية قبل الموالين لها، وبالتالي ليس بالضرورة ذهاب الخرطوم إلى مواجهة مسلحة مع ذلك الطرف أو ذاك لإيقافه عن تسليح ودعم ميلشيا الدعم السريع المتعددة الجنسيات، فيكفي ومن خلال دائرته الخاصة التلويح بتجربة قياس إدراكه لأبعاد مهادنة السودان تماماً كإدراكه لمعاداتها، وهذا ما سيدفع أديس أبابا وغيرها من العواصم المجاورة إلى تغيير أشرعتها خاصة مع التطورات الأمنية والسياسية الأخيرة والتي لا يبدو أنها تسير في صالح استمرار المضي قدماً في هكذا توجه، فمستقبل تلك الأنظمة مجتمعة لن ينجح إلا عبر التفاهمات الجيوسياسية مع جوارها الإقليمي أولاً وأخيراً، لا عبر التعاطي مع الكيانات الانفصالية والمليشيات المتمردة على الدولة الوطنية والتي هي ذاتها من يعاني منها، وهذا ما سيفرض إعادة قراءة الحسابات الأمنية وضبط المسار السياسي لضمان مستقبل الدولة الوطنية سواء في إثيوبيا أو جوارها الإقليمي.


