Popular Now

“النور القبة، أطروحات إفريقية” .. د.أمينة العريمي

إعادة كتابة التاريخ .. الصادق عبد الله أبو عيّاشة .. خبير ومستشار في الإدارة الاستراتيجية والسياسات العامة والتنمية المستدامة

أثر التأطير على اتخاذ القرار: من ثنائية “الشاي أم القهوة” إلى أفق السودان الممكن .. د. أحمد الطيب السماني

أثر التأطير على اتخاذ القرار: من ثنائية “الشاي أم القهوة” إلى أفق السودان الممكن .. د. أحمد الطيب السماني

في علم اتخاذ القرار، لا تكمن خطورة السؤال في إجابته بقدر ما تكمن في طريقة صياغته. فحين يُطرح عليك: “تشرب شاي أم قهوة؟” يبدو و كأنك مُنحت حرية الاختيار، بينما أنت في الحقيقة حُوصرت داخل إطار ضيق يُقصي احتمالات أخرى: ماء، عصير، أو حتى الامتناع عن الشرب. هذا ما يُعرف بـ“التأطير” ؛ حيث يُعاد تشكيل الواقع في صورة محدودة تُوهمنا بأنها كل الممكن، بينما هي مجرد زاوية نظر واحدة.

هذا المفهوم ،على بساطته الظاهرة، يحمل دلالات عميقة حين نُسقطه على الأزمات الكبرى، وعلى رأسها ما يمر به السودان اليوم. لقد جرى تأطير المشهد العام في ثنائية حادة: إما استمرار الحرب أو إيقافها بأي ثمن وكأن السودان، بتاريخه الممتد وتنوعه الغني، قد اختُزل في خيارين متقابلين لا ثالث لهما. وهذه أخطر مراحل التفكير الجمعي، حين يُختطف الوعي من رحاب الإمكان إلى ضيق الاستقطاب.

لكن الحقيقة التي يغفلها هذا التأطير القاصر، أن الأزمات المعقدة لا تُحل بثنائيات مبسطة، بل تحتاج إلى تفكير مركّب يتجاوز منطق “إما/أو” إلى فضاء “معاً ومن خلال”. فالسودان ليس ساحة حرب فقط، وليس مشروع سلام هشّ يُفرض من الخارج، بل هو كيان حضاري واجتماعي قادر – إذا تحرر من قيود التأطير – على إنتاج مسار ثال،: مسار يعيد تعريف الدولة على أسس القبول المتبادل، والعدالة الشاملة والشراكة الحقيقية.

إن بناء “السودان الجديد” لا ينبغي أن يُختزل في إنهاء الحرب فحسب، بل في إنهاء الشروط التي أنتجتها: الإقصاء، التهميش، احتكار السلطة وغياب الرؤية الجامعة. فوقف الحرب بدون معالجة جذورها هو مجرد تأجيل للأزمة، لا حل لها. وهنا يتجلى الفرق بين التفكير المؤطّر والتفكير الاستراتيجي؛ الأول يسعى لإخماد الحريق، والثاني يبحث عن أسباب الاشتعال.

المطلوب اليوم هو كسر هذا الإطار الذهني الضيق، والانتقال إلى سؤال أكثر عمقاً: كيف يمكن للسودانيين – بكل أطيافهم – أن يصنعوا معاً مستقبلاً يتسع للجميع؟
هذا السؤال لا يُقصي أحداً، ولا يُدين طرفاً، بل يعيد توجيه البوصلة من الصراع إلى البناء، ومن الانقسام إلى التكامل.

إن القبول بالآخر ليس شعاراً أخلاقياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية لبقاء الدولة. فالتاريخ يُعلّمنا أن المجتمعات التي تفشل في إدارة تنوعها، تتحول إلى ساحات صراع دائم، بينما تلك التي تُحسن توظيف هذا التنوع تصنع منه مصدر قوة وإبداع. والسودان، بتعدديته الثقافية والإثنية والدينية، يملك كل مقومات هذا التحول إذا ما أُدير بعقلية جامعة لا إقصائية.

كما أن توحيد الصفوف لا يعني ذوبان الفوارق، بل تنظيمها ضمن إطار وطني مشترك يضمن الحقوق ويُحدد الواجبات. فالوحدة الحقيقية لا تُبنى على التشابه، بل على الاعتراف بالاختلاف وإدارته بحكمة.

وفي هذا السياق، تبرز الحاجة إلى قيادة فكرية ومجتمعية تعيد صياغة الخطاب العام، من خطاب تعبوي قائم على التخندق، إلى خطابذ استراتيجي قائم على الرؤية. خطاب يُحرر الناس من أسر الخيارات الوهمية، ويفتح أمامهم أفق التفكير في البدائل الممكنة.

إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف الحرب، بل إلى وقف طريقة التفكير التي جعلت الحرب تبدو وكأنها الخيار الوحيد. يحتاج إلى إعادة تأطير ذاته، لا كدولة ممزقة بين قوى متصارعة، بل كمشروع وطني جامع ينتظر من يعيد اكتشافه.

وفي الختام، كما أن السؤال “شاي أم قهوة؟” يُخفي وراءه عالماً من الخيارات غير المرئية، فإن السؤال “حرب أم سلام؟” قد يُخفي وراءه مستقبلاً أوسع بكثير مما نتصور.
ذلك المستقبل لن يُصنع بالاختيار بين طرفين، بل بالارتقاء فوقهما إلى مساحة أرحب، حيث يلتقي السودانيون لا ليحسموا خلافاتهم، بل ليؤسسوا معاً لوطن يستحقهم جميعاً.
حفظ الله البلاد والعباد.

المقالة السابقة

📍أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد هل ندري أننا لا ندري؟ .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

إعادة كتابة التاريخ .. الصادق عبد الله أبو عيّاشة .. خبير ومستشار في الإدارة الاستراتيجية والسياسات العامة والتنمية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *