Popular Now

وجه الحقيقة |حكومة القضاة .. إبراهيم شقلاوي

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟ (4) الثورة الإسلامية في إيران وثورة الإنقاذ الوطني في السودان.. دراسة مقارنة في التجربة السياسية وإدارة الدولة والصراع مع الداخل والخارج .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

أصل.القضية | ترميم السودانيين… لا تلميعهم .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

من الخرطوم إلى طهران .. كيف خططت واشنطن وتل أبيب للهبوط الناعم والسقوط الخشن؟ (4) الثورة الإسلامية في إيران وثورة الإنقاذ الوطني في السودان.. دراسة مقارنة في التجربة السياسية وإدارة الدولة والصراع مع الداخل والخارج .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. الباحث المختص في الشؤون الاستراتيجية والعلاقات الدولية

مقدمة
تمثل كل من الثورة الإسلامية في إيران عام 1979، وثورة الإنقاذ الوطني في السودان عام 1989، نموذجين بارزين لمشروعات سياسية ذات طابع إسلامي حاولت إعادة تشكيل الدولة والمجتمع في بيئة إقليمية ودولية معقدة.
ورغم وجود قواسم مشتركة بين التجربتين، مثل:
– المرجعية الإسلامية.
– الصدام مع الغرب.
– العقوبات الاقتصادية.
– مركزية المؤسسة الأمنية.
– الخطاب السيادي والاستقلالي.
فإن النتائج النهائية للتجربتين جاءت مختلفة بصورة كبيرة، سواء من حيث:
– الاستقرار السياسي.
– إدارة مؤسسات الدولة.
– القدرة على البقاء.
– النفوذ الإقليمي.
– أو إدارة الصراع الداخلي والخارجي.
وفي هذه الحلقة، نحاول إجراء مقارنة استراتيجية معمقة بين التجربتين لفهم أسباب نجاح الثورة الإسلامية الإيرانية نسبياً في ترسيخ مشروعها، مقابل تعثر تجربة الإنقاذ السودانية وانتهائها بالسقوط.
أولاً: الشرعية الثورية
بين الثورة الشعبية والانقلاب العسكري
إيران: ثورة جماهيرية واسعة
جاءت الثورة الإسلامية في إيران عبر حراك شعبي واسع شاركت فيه قطاعات متعددة من المجتمع ضد نظام الشاه محمد رضا بهلوي، وعندما عاد الإمام روح الله الخميني إلى طهران، استقبلته جماهير ضخمة، ما منح النظام الجديد شرعية ثورية وشعبية واسعة منذ البداية.
السودان: انقلاب عسكري بغطاء أيديولوجي
أما في السودان، فقد وصلت ثورة الإنقاذ الوطني إلى السلطة عبر انقلاب عسكري قاده الرئيس عمر البشير بدعم من الحركة الإسلامية السودانية بقيادة الدكتور حسن الترابي.
ورغم أن النظام رفع شعارات المشروع الحضاري الإسلامي، فإن طبيعته الانقلابية ظلت تؤثر على مستوى الشرعية السياسية داخلياً وخارجياً.
ثانياً: التجربة الديمقراطية والانتخابات
إيران: مؤسسات انتخابية مستمرة
رغم الطبيعة العقائدية للنظام الإيراني، فقد شهدت الجمهورية الإسلامية منذ 1979 سلسلة متواصلة من الانتخابات:
– الانتخابات الرئاسية.
– الانتخابات البرلمانية.
– انتخابات مجلس الخبراء.
– الانتخابات المحلية.
وقد جرت في إيران عشرات العمليات الانتخابية منذ قيام الثورة وحتى اليوم، ما ساهم في ترسيخ شكل من أشكال “الديمقراطية المقيدة” داخل النظام.
وتعاقب على رئاسة الجمهورية الإسلامية عدد من الرؤساء، أبرزهم: أبو الحسن بني صدر، علي خامنئي، أكبر هاشمي، رفسنجاني، محمد خاتمي، أحمدي نجاد، حسن روحاني و إبراهيم رئيسي.
وقد ساعد هذا التداول النسبي داخل مؤسسات النظام في تخفيف حدة الاحتقان السياسي أحياناً.
السودان: انتخابات محدودة التأثير
أما في السودان، فمنذ استيلاء الإنقاذ على السلطة عام 1989 وحتى سقوطها عام 2019، أجريت انتخابات عدة، لكنها تعرضت لانتقادات واسعة من المعارضة والقوى الدولية بشأن:
النزاهة.
– التعددية السياسية.
– هيمنة الحزب الحاكم.
– سيطرة الأجهزة الأمنية.
كما أن الرئيس عمر البشير ظل ممسكاً بالسلطة طوال ثلاثة عقود تقريباً دون تداول حقيقي للسلطة.
ثالثاً: المفاصلة الإسلامية في السودان.. بداية الانقسام الكبير
فشلت الحركة الإسلامية السودانية في إحداث توازن مستقر بين القيادة العسكرية والقيادة السياسية، وهو ما أدى لاحقاً إلى ما عرف بـ«المفاصلة» بين جناح الدكتور حسن الترابي
وجناح الرئيس عمر البشير.
وقد انحاز عدد من القيادات المؤثرة إلى جناح السلطة، من بينهم علي عثمان محمد طه، غازي صلاح الدين، نافع علي نافع و إبراهيم أحمد عمر.
وأدت المفاصلة إلى إضعاف المشروع الإسلامي السوداني وانقسام قاعدته السياسية والتنظيمية.
رابعاً: إدارة الصراع الداخلي
إيران حسمت… والإنقاذ استنزفت
نجحت الثورة الإسلامية في إيران إلى حد كبير في تحييد أو إضعاف خصومها الداخليين خلال السنوات الأولى للثورة، عبر:
– إعادة هيكلة الدولة.
– بناء مؤسسات عقائدية قوية.
– السيطرة على مراكز القوة.
– توحيد المؤسسة الأمنية والعسكرية.
أما في السودان، فقد فشلت الإنقاذ في القضاء على المعارضة المسلحة والسياسية، خاصة بعد نجاح القوى المعارضة في:
– التنسيق الخارجي.
– بناء تحالفات إقليمية.
– التوحد مع الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة جون قرنق.
ومع استمرار الحرب، اضطرت حكومة البشير لاحقاً إلى الدخول في مفاوضات طويلة مع الحركة الشعبية انتهت باتفاقات سياسية كبرى.
خامساً: حرب الخليج والعزلة الدولية
نقطة التحول الخطيرة
شكلت حرب الخليج الأولى نقطة تحول مهمة في علاقات السودان الخارجية، حيث أدى موقف حكومة الإنقاذ إلى توتر حاد مع عدد من الدول العربية والخليجية.
وترتب على ذلك:
– تراجع الدعم الإقليمي.
– العزلة السياسية.
– الضغوط الاقتصادية.
– تصاعد الحصار الدولي.
كما واجهت الدبلوماسية السودانية صعوبات كبيرة في إدارة العلاقة مع الغرب والمحيط العربي.
أما إيران، فرغم العداء مع الغرب، فقد استفادت من:
– موقعها الجيوسياسي.
– حجمها السكاني والاقتصادي.
– قدراتها العسكرية.
– شبكات نفوذها الإقليمي.
وهو ما منحها قدرة أكبر على الصمود والمناورة.
سادساً: النفط والتحول الاقتصادي في السودان
رغم الأزمات، حققت حكومة الإنقاذ إنجازاً استراتيجياً مهماً تمثل في:
– استخراج النفط.
– تطوير البنية النفطية.
– بناء خطوط الأنابيب.
– إدخال السودان إلى سوق الطاقة.
كما تراجعت أدوار الشركات الغربية الكبرى مثل شيفرون، واتجه السودان نحو التعاون مع شركات آسيوية، خاصة من الصين،. ماليزيا و الهند.
وقد ساهم ذلك لفترة من الزمن في:
– تحقيق نمو اقتصادي.
– تحسين الإيرادات.
– دعم العملة الوطنية.
– تمويل مشاريع البنية التحتية.
لكن هذه المكاسب تعرضت لاحقاً لهزات كبيرة بعد انفصال جنوب السودان وفقدان معظم النفط.
سابعاً: لماذا نجحت إيران أكثر من الإنقاذ السودانية؟
يمكن تلخيص أبرز أسباب تفوق التجربة الإيرانية نسبياً في عدة عوامل:
1. الشرعية الشعبية الأوسع
الثورة الإيرانية جاءت عبر حراك جماهيري واسع، بينما جاءت الإنقاذ عبر انقلاب عسكري.
2. وحدة المؤسسة الأمنية
نجحت إيران في بناء منظومة أمنية وعقائدية متماسكة بقيادة الحرس الثوري الإيراني.
3. قوة الدولة المركزية
تمتلك إيران مؤسسات أعمق واقتصاداً أكبر وقدرات بشرية وصناعية أوسع.
4. إدارة الصراع الداخلي
تمكنت إيران من تحجيم خصومها مبكراً، بينما استنزفت الحروب الداخلية السودان لعقود.
5. الموقع الجيوسياسي
تمثل إيران لاعباً محورياً في معادلات الطاقة والأمن الإقليمي، وهو ما منحها هامش مناورة أوسع.

خاتمة
تكشف المقارنة بين الثورة الإسلامية الإيرانية وثورة الإنقاذ الوطني السودانية أن نجاح المشاريع السياسية لا يعتمد فقط على الشعارات الأيديولوجية، بل على:
طبيعة الشرعية السياسية.
كفاءة إدارة الدولة.
وحدة المؤسسات الأمنية.
القدرة على إدارة الاقتصاد.
والتعامل مع التوازنات الإقليمية والدولية.
فبينما استطاعت إيران ترسيخ نظامها وبناء نفوذ إقليمي واسع رغم العقوبات والضغوط، واجهت الإنقاذ السودانية أزمات داخلية وخارجية متراكمة انتهت بإضعاف النظام وسقوطه.
ومع ذلك، فإن التجربتين تظلان من أهم النماذج السياسية في العالم الإسلامي الحديث لفهم العلاقة بين الأيديولوجيا والدولة والصراع الدولي.
ونواصل.

المقالة السابقة

أصل.القضية | ترميم السودانيين… لا تلميعهم .. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية

المقالة التالية

وجه الحقيقة |حكومة القضاة .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *