مقدمة
لم يعد الصراع مع الجمهورية الإسلامية في إيران مجرد مواجهة إقليمية محدودة بين طهران وخصومها التقليديين، بل تحول تدريجياً إلى جزء من صراع دولي أوسع يتعلق بإعادة تشكيل النظام العالمي وتوازنات القوة الدولية.
فالمواجهة بين الولايات المتحدة الأمريكية، وحلف شمال الأطلسي، وروسيا، والصين والقوى الصاعدة أصبحت مترابطة بصورة متزايدة، بحيث باتت ملفات:
أوكرانيا،
وإيران،
والطاقة،
والبحر الأحمر،
والشرق الأوسط،
وحتى السودان،
تشكل حلقات ضمن صراع جيوسياسي عالمي يتجاوز الحدود التقليدية.
أولاً: إيران وروسيا
تحالف الضرورة في مواجهة الغرب
مع تصاعد الحرب في أوكرانيا، تعزز التقارب بين الجمهورية الإسلامية في إيران وروسيا الاتحادية.
فقد أدركت موسكو وطهران أن المواجهة مع الغرب لم تعد جزئية أو مؤقتة، بل أصبحت صراعاً مفتوحاً على:
– النفوذ العالمي،
– والطاقة،
– والممرات البحرية،
– والتكنولوجيا العسكرية،
والنظام المالي الدولي.
ولهذا، اتجه الطرفان إلى:
– تعزيز التعاون العسكري،
– وتبادل الخبرات التقنية،
– وتنسيق المواقف السياسية والدبلوماسية.
ويرى عددٌ من المحللين أن الحرب الأوكرانية ساهمت في تسريع بناء محور دولي مضاد للهيمنة الغربية، تشارك فيه:
روسيا، و الصين و إيران إلى جانب قوى دولية وإقليمية أخرى.
ثانياً: أوكرانيا وإعادة تشكيل النظام الدولي
أظهرت الحرب في أوكرانيا أن العالم يتجه تدريجياً نحو مرحلة جديدة تتراجع فيها الهيمنة الأحادية للولايات المتحدة.
فعلى الرغم من الدعم العسكري الغربي الكبير لكييف، فإن الحرب تحولت إلى حرب استنزاف طويلة:
اقتصادياً،
وعسكرياً،
وسياسياً.
كما كشفت الأزمة حدود القوة الغربية في فرض الحسم السريع، خاصة مع:
– استمرار الدعم الروسي،
– وتصاعد الدور الصيني،
– وتزايد التململ الأوروبي من تكلفة الحرب والطاقة.
ثالثاً: تجدد المواجهة مع إيران
جنوب لبنان واحتمالات التصعيد
في الوقت نفسه، عادت التوترات بين إسرائيل ومحور المقاومة للتصاعد، خاصة عبر الغارات الإسرائيلية على جنوب لبنان والتوترات الإقليمية المرتبطة بإيران.
وتنظر تل أبيب إلى تنامي النفوذ الإيراني باعتباره تهديداً استراتيجياً طويل المدى، خاصة مع:
– تطور القدرات الصاروخية،
– واتساع نفوذ الحلفاء الإقليميين،
– وقدرة إيران على إدارة الصراع غير المباشر.
لكن في المقابل، تخشى الولايات المتحدة من أن أي مواجهة شاملة قد تؤدي إلى:
– انفجار إقليمي واسع،
– وتهديد الملاحة الدولية،
– وارتفاع أسعار الطاقة،
– وتعقيد الصراع العالمي القائم أصلاً مع روسيا والصين.
رابعاً: ترامب والعودة إلى الدبلوماسية الواقعية
رغم خطاب القوة الذي تبناه الرئيس ترمب ، فإن التطورات الإقليمية والدولية دفعت واشنطن في مراحل مختلفة إلى العودة لخيار:
– التفاوض،
– والوساطات الإقليمية،
– والتفاهمات غير المباشرة.
وبرزت أدوار وساطة إقليمية، من بينها عمان التي لعبت تقليدياً دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر بين واشنطن وطهران.
ويرى بعض المراقبين أن الولايات المتحدة باتت أكثر إدراكاً لصعوبة إسقاط النظام الإيراني بالقوة، وأن تكلفة الحرب الشاملة أصبحت أعلى بكثير من كلفة التفاوض.
خامساً: السودان
سقوط المشروع الغربي والإقليمي
في المحور السوداني، يرى عدد من الباحثين أن الحرب الأخيرة كشفت تعثر المشروع الذي كان يراهن على إعادة تشكيل السودان عبر:
–:تفكيك المؤسسة العسكرية،
– وإضعاف الإسلاميين،
– وصعود قوى مسلحة بديلة.
لكن تطورات الميدان أظهرت تعقيدات الواقع السوداني، خاصة مع:
– تماسك قطاعات واسعة من الجيش،
– وتصاعد التعبئة الشعبية،
– وعودة قطاعات اجتماعية وسياسية إلى دعم الدولة المركزية.
كما بدأت بعض القوى الدولية والإقليمية تعيد حساباتها تجاه الأزمة السودانية.
سادساً: فرنسا وإعادة التموضع
يرى بعض المراقبين أن فرنسا كانت من أوائل الدول الغربية التي بدأت تدرك صعوبة الرهان الكامل على قوات الدعم السريع أو مشاريع إعادة تشكيل السودان بالقوة.
فقد أظهرت الحرب أن:
الدولة السودانية أكثر تعقيداً،
والمجتمع السوداني أكثر ارتباطاً بالمؤسسة الوطنية،
وأن انهيار الدولة بالكامل قد يفتح الباب أمام فوضى إقليمية خطيرة.
ولهذا، بدأت تظهر مؤشرات على إعادة تقييم بعض المواقف الغربية تجاه الأزمة السودانية.
سابعاً: الدعم السريع والإعلام الاستعراضي
في المقابل، اتجهت قوات الدعم السريع إلى التركيز بصورة كبيرة على:
الحرب الإعلامية،
– والرسائل الدعائية،
– ومحاولة إثبات الحضور السياسي والعسكري أمام المجتمع الدولي.
ويرى عدد من المتابعين أن جزءاً مهماً من تحركات الدعم السريع بات يهدف إلى:
– إثبات الوجود،
– وكسب الاعتراف السياسي،
– والتأثير على الرأي العام الخارجي،
أكثر من تحقيق الحسم العسكري الكامل.
لكن استمرار الحرب واستنزاف الموارد البشرية والاقتصادية جعل المشهد أكثر تعقيداً.
ثامناً: البرهان والتحالفات الجديدة
في المقابل، عمل رئيس مجلس السيادة السوداني عبد الفتاح البرهان على:
– توسيع الحاضنة السياسية،
– وإعادة بناء التحالفات الداخلية،
– والاستفادة من التناقضات الإقليمية والدولية.
كما شكلت مواقف بعض القيادات التقليدية والسياسية دعماً إضافياً لمؤسسات الدولة، خاصة مع تصاعد المخاوف من انهيار السودان أو تفككه.
ومن بين التطورات المهمة:
مواقف محمد عثمان الميرغني الداعمة للحوار والاستقرار،
وعودة بعض القيادات الأهلية والإدارات التقليدية إلى مساندة الدولة المركزية.
تاسعاً: الإسلاميون وإفشال المشروع الغربي
يرى عدد من المراقبين أن نخب الحركة الإسلامية في السودان لعبت دوراً مهماً في:
– تعبئة الشارع،
– ودعم المؤسسة العسكرية،
– وتوفير الخبرات التنظيمية والأمنية،
– والمساهمة في منع انهيار الدولة بالكامل.
كما استفادت هذه النخب من:
خبرتها الطويلة في إدارة الدولة،
وشبكاتها الاجتماعية، وعلاقاتها الإقليمية، وتجربتها السابقة في التعامل مع الأزمات والحصار الدولي.
ولهذا، يرى بعض الباحثين أن مشروع إقصاء الإسلاميين بصورة كاملة واجه صعوبات كبيرة، لأن جزءاً من البنية الإدارية والأمنية والسياسية في السودان ظل مرتبطاً بتجربتهم السابقة.
عاشراً: السودان بين الدولة والفوضى
تكشف الحرب السودانية أن الصراع لم يعد فقط على السلطة، بل أصبح صراعاً حول:
– بقاء الدولة نفسها،
– و وحدة المؤسسات،
– ومستقبل الجيش الوطني،
– وشكل النظام السياسي القادم.
ولهذا، فإن كثيراً من القوى السياسية والاجتماعية بدأت تعيد ترتيب أولوياتها انطلاقاً من:
– حماية الدولة،
– ومنع الانهيار الكامل،
– وتجنب سيناريوهات التفكك والحروب الممتدة.
خاتمة
تكشف التطورات من طهران إلى الخرطوم أن العالم دخل مرحلة جديدة من الصراعات الكبرى، حيث أصبحت الأزمات الإقليمية مرتبطة بصورة مباشرة بالمواجهة الدولية بين:
الغرب،و روسيا، والصين والقوى الصاعدة.
كما تؤكد التجارب في إيران والسودان أن:
– العقوبات وحدها لا تكفي لإسقاط الأنظمة،
– والحروب الطويلة قد تنتج نتائج عكسية،
– وأن المجتمعات التي تمتلك مؤسسات وهوية وطنية وقدرة على التعبئة يمكنها الصمود لفترات طويلة.
وفي ظل التحولات الدولية المتسارعة، يبدو أن الشرق الأوسط وأفريقيا مقبلان على مرحلة إعادة تشكيل كبرى ستحدد مستقبل النفوذ الدولي والتوازنات الإقليمية لعقود قادمة.


