لحظة سودانية لا تعوض… عندما يتحدث أي شخص عن السودان اليوم لا يمكنه الفصل بين ثقل التاريخ ووهن اللحظة الراهنة لكن الأكثر إلهام هو ذلك الجرح الذي يتحول إلى نافذة فرص كبيرة، فبعد عقود من التحديات ثم الحرب الاخيرة المدمرة لم يعد خيار انتظار ضخ أموال البنك الدولي خيارا مطروحا بجدوى ليس بسبب التعقيدات السياسية إنما لأن خيار نموذج الإعمار التقليدي أثبت فشله في بلدان شبيهة ، فالسودان اليوم بحاجة إلى هندسة اقتصادية وطنية شاملة تنطلق من موارده الخاصة وتدار عبر محافظ استثمارية قومية وتقودها مجموعات الاعمال و ريادة الأعمال والمحافظ والصناديق الاستثمارية المحلية مع رؤية شاملة عملية للتعافي السريع، ونحن من هذا المقال نحاول أن نقدم رؤية وخارطة طريق لمشروعات قابلة للتنفيذ تراعي واقع الحكومة الحالي (محدودية السيولة، ضعف البنية التحتية، الحاجة إلى استقرار اجتماعي سريع)، وتستفيد من كنوز السودان المخدرة أو المنسية وذلك بتقديم أطروحات تتمثل في الاتي :
أولا: فلسفة المشروعات … لماذا لا نريد اشراك البنك الدولي؟
البنك الدولي كمؤسسة مهمة ولكن قروضه المقيدة بالهياكل البيروقراطية الطويلة وشروط الإصلاح المسبق والرشتات التي تهزم اي عزبة وإرادة حقيقية لا تتناسب مع سباق الزمن الذي يعيشه السودان و بدلا من ذلك تقترح الرؤية هنا:
1. الاعتماد على التعبئة المحلية لرأس المال عبر صناديق استثمارية مغلقة تطرح للمغتربين السودانيين (الذين يملكون ودائع تتجاوز 30 مليار دولار في الخارج) ولرجال الأعمال المحليين.
2. الاستفادة من المقايضة والموارد الطبيعية كضمانات بدلا من النقد الأجنبي النادر.
3. إشراك مجموعات ريادة الأعمال في تصميم وتنفيذ المشروعات، لأنهم الأقدر على الكفاءة والسرعة و توفير الوظائف.
4. توفير ضمانات للشراكات الخارجية من خلال سياسات واضحة تؤمن للمستثمرين مشروعاتهم و استثماراتهم .
ثانيا: ثلاث محافظ استثمارية قومية (لا تنتظر التشاور)
من خلال ذلك سنصمم ثلاث محافظ كل منها يعالج أزمة ملحة وتعتمد على مورد محلي غير مستغل وتدار عبر صندوق استثماري قومي شفاف (يُعلن عن أدائه شهريا أو ربعيا).
المحفظة الأولى: محفظة الذهب الأخضر … التعافي عبر الزراعة الذكية
1. المورد المستغل: الأراضي البكر على ضفاف النيلين ( النيل الازرق الأبيض، ونهر النيل) والمياه الجوفية الهائلة.
2. المشروع الرائد: إنشاء 100 حاضنة زراعية ريادية في المناطق الآمنة نسبيا تركز على المحاصيل قصيرة الدورة (الخضروات، الفول السوداني، السمسم ، زهرة الشمس) التي تدر نقد سريع.
3. آلية التنفيذ بدون البنك الدولي:
– تمويل أولي من صندوق إعادة الإعمار القومي (يغذى من عوائد الذهب المصدر بآلية مقايضة جزئية مع دول الجوار).
– منح مجموعات الأعمال الاستثمارية الوطنية عقود طويلة الأجل وامتيازات و إدارة للمشروعات مقابل نسبة من الأرباح للمساهمة الوطنية .
– شراء المحصول مباشرة بآلية المقايضة المفتوحة: مقابل سلع أساسية (دقيق، دواء) أو بناء طرق قصيرة.
4. الأثر على التعافي: توفير مخزون غذائي سريع خلال 6 أشهر مع تشغيل نصف مليون شاب و كسر جماح التضخم الناتج عن الاستيراد.
المحفظة الثانية: محفظة الطاقة المحايدة … كسر قيد الكهرباء والوقود
1. المورد المستغل: الطاقة الشمسية الأعلى عالمياً أكثر من 6 كيلوواط/م² يوميا والرياح في مناطق شرق السودان.
2. المشروع الرائد: ائتلاف الطاقة القومي مدينة شموس للطاقة النظيفة وهي عبارة عن صناديق استثمارية محلية تطرح أسهمها للجمهور، لتركيب 500 محطة شمسية صغيرة (500 كيلوواط لكل منها) في الأسواق والمستشفيات وآبار المياه.
3. آلية التنفيذ بدون البنك الدولي:
– استخدام كفالة حكومية بطبيعتها حيث تمنح الحكومة حق استخدام الأراضي لـ20 عام للمستثمرين المحليين.
– توريد الألواح عبر بوابة المقايضة مع الصين ذهب مقابل ألواح.
– تشغيل المحطات عبر مجموعات ريادة الأعمال المحلية بإشراف المجموعات الاقتصادية الوطنية المتخصصة في الطاقة النظيفة تحت رعاية الحكومة .
4. الأثر: إنعاش المستشفيات والمخابز و تشغيل مضخات المياه و الحياة العامة من خلال تخفيض فاتورة استيراد المحروقات 40% خلال عامين.
المحفظة الثالثة: محفظة إعمار من الداخل … مواد بناء غير تقليدية
1. المورد المستغل: الطين الحراري و الرمال البيضاء ومخلفات الحرب (الحديد، الأسمنت المتهدم).
2. المشروع الرائد: إنشاء مصانع مجمعة متنقلة لإنتاج الطوب المضغوط والخرسانة الخفيفة قرب المناطق المتضررة (الخرطوم بحري، أم درمان، مدني).
3. آلية التنفيذ بدون البنك الدولي:
– تمويل عبر “السندات القومية لإعادة الإعمار” (سندات سيادية بأجل 3 سنوات، بفائدة محفزة 9%، تسدد من عوائد التعدين).
– إدارة المصانع عبر تحالفات المحافظ الاستثمارية (محافظ التعدين + محافظ البنية التحتية + وغيرها ).
– توفير المواد بأسعار التكلفة للمتضررين مقابل حصول الحكومة على أسهم في المشروعات الجديدة.
4. الأثر: إعادة بناء 200 ألف وحدة سكنية، خلق قطاع صناعة مواد بناء جديد و تقليل الاعتماد على الاستيراد.
ثالثا: دور الأطراف … كيف تنبض المحافظ بالحياة؟
1. مجموعات ريادة الأعمال: لا تعطى منح انما تمنح عقود إدارة المشروعات مقابل حوافز أداء (تخفيض ضريبي + نسبة أرباح). يتم اختيارها عبر مسابقة وطنية شفافة.
2. المحافظ الاستثمارية: صناديق استثمار مغلقة تطرح للاكتتاب العام في السودان وللمغتربين. تتمتع باستقلالية تامة عن الحكومة ولكن مع عضو مراقب من جهاز المراجع القومي.
3. الصناديق الاستثمارية القومية: هي الكيان الأُم و التي هدفها تنسيق المحافظ وضمان عدم تداخل المشروعات وجذب استثمارات شركات محلية إقليمية (مصر، الخليج) برأس المال مقابل حصص ولكن بشرط أن تكون الإدارة سودانية بنسبة 51%.
رابعا: لماذا هذا النموذج ناجح في ظل الوضع الحكومي الحالي؟
الحكومة السودانية الحالية تعاني من عجز في السيولة وانشغال بالأمن لذلك النموذج المقترح يقدم لها:
1. صفر أعباء مالية مباشرة: الحكومة تقدم فقط الأصول غير المستغلة (الأرض، حق الانتفاع بالموارد، التصاريح السريعة).
2. تخفيف الضغط السياسي: لأن المشروعات تدار عبر كيانات خاصة ومحافظ مستقلة مما يبعد الحكومة عن تهم الفساد أو التأخير.
3. نتائج مرئية سريعة: خلال 6 أشهر، سيرى المواطن طعام أرخص وماء متوفر وبيت مؤقت، وهذا هو مفتاح الاستقرار السياسي.
السودان ليس بحاجة إلى وصاية انما الى آليات:
لقد آن الأوان لنقولها بصراحة و بشجاعة إن انتظار البنك الدولي لإنقاذ السودان هو انتظار لمن لا يأتي فالموارد موجودة الذهب تحت أقدامنا، المطلوب هو مجموعات اعمال وطنية و مجموعات ريادة أعمال لا تبالي من المخاطرة و محافظ استثمارية تعرف كيف تربح و صناديق قومية تستطيع إدارة التعقيد وحكومة رشيقة تقدم التنازلات الإدارية وتمتلك الارادة،هذا النموذج لايعد حلم لقد طبقت أجزاء منه في رواندا بعد الإبادة، وفي بوتسوانا بعد الاستقلال والفرق هنا أن السودان أكبر وأغنى وأكثر قدرة على الصمود. فلنبدأ بمحفظة واحدة طاقة شمسية تحول رمال الصحراء إلى كهرباء وبذرة سمسم تحول الفيضانات إلى دخل، فإعادة الإعمار الحقيقية تبدأ حينما نتوقف عن التسول للمانحين ونبدأ في إدارة مواردنا كشركة لا كدولة منهكة.
الخلاصة العملية للمستثمر وصانع القرار:
استعدوا لطرح صندوق السودان للتعافي الذاتي. العوائد متوقعةو المخاطر مدارة والوقت هو عدو النجاح الوحيد.
السودان أولا… وبسرعة.


