Popular Now

أصل القضية | السودان… هل نخوض حربًا أم نُدار داخل صراع؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

شخصية السودان عبقرية المكان والإنسان وصناعة التاريخ (1) .. ورقه بحثية .. هشام محمود سليمان

توظيف الإحباط .. زهير عبدالله مساعد

شخصية السودان عبقرية المكان والإنسان وصناعة التاريخ (1) .. ورقه بحثية .. هشام محمود سليمان

> استهلال
___________
لماذا هذا البحث؟ ومن أين تنبع أهميته؟
ليس من اليسير أن تكتب عن السودان
فالسودان ليس بلداً يمكن الإحاطة به في حدود الجغرافيا وحدها، ولا أمة يمكن تفسيرها من خلال السياسة وحدها، ولا مجتمعاً يمكن فهمه عبر حادثة تاريخية أو مرحلة زمنية بعينها. إنه كيان شديد الاتساع والتعقيد تتشابك في تكوينه عناصر الأرض والتاريخ والإنسان بصورة تجعل كل محاولة لفهمه أشبه برحلة في طبقات متراكبة من الزمن، والحضارة والثقافة.
ولعل المشكلة الكبرى التي صاحبت دراسة السودان منذ نشأة الدولة الحديثة وحتى اليوم أن معظم الكتابات انشغلت بوصف الأحداث أكثر من انشغالها بتفسيرها، فقد امتلأت المكتبات بالكتب التي تناولت الثورات، والانقلابات، والحروب، والاتفاقيات والصراعات الحزبية، لكن القليل منها توقف أمام السؤال الأعمق الذي يسبق كل تلك الأحداث: ما هي طبيعة السودان نفسه؟ فالأحداث السياسية ليست سوى أمواج تعلو وتهبط على سطح البحر أما شخصية الأمة فهي التيار العميق الذي يحرك تلك الأمواج من أسفل ولهذا فإن محاولة فهم السودان من خلال السياسة وحدها تشبه محاولة فهم النيل من خلال النظر إلى سطح مياهه فقط دون معرفة منابعه وروافده ومجراه الطويل عبر التاريخ والجغرافيا.
لقد عاش السودان خلال العقود الأخيرة سلسلة من الأزمات العاصفة التي دفعت كثيرين إلى النظر إليه باعتباره مشكلة سياسية مزمنة، لكن النظرة المتأنية تكشف أن الأزمة الحقيقية ليست في السودان ذاته، بل في الطريقة التي جرى بها فهم السودان فهذا البلد الذي أنشأ حضارات عظيمة قبل آلاف السنين، واحتضن ممالك قوية ومستقرة، واستوعب موجات متعاقبة من الهجرات والثقافات والأديان لا يمكن أن يكون مجرد مجموعة أزمات متلاحقة، إن وراء هذه الوقائع جميعاً حقيقة أعمق هي ما يمكن أن نسميه (شخصية السودان) ومن هنا جاءت فكرة هذا البحث.
لقد نشأت هذه الدراسة من شعور متزايد بأن السودان على الرغم من كثرة الحديث عنه ما يزال مجهولاً حتى لدى كثير من أبنائه، فهناك من ينظر إليه من زاوية القبيلة، وهناك من يراه من منظور الأيديولوجيا وهناك من يختزله في العرق أو الدين أو الجهة أو الحزب، أما السودان الحقيقي فإنه يوجد في المساحة الواسعة التي تتجاوز كل هذه الاختزالات فالسودان ليس مجرد شمال وجنوب، ولا شرق وغرب، ولا عرب وأفارقة، ولا إسلاميين وعلمانيين ولا مركز وهامش. السودان أكبر من كل هذه الثنائيات، إنه نتاج تفاعل طويل ومعقد بين جميع هذه العناصر مجتمعة وحين نحاول اختزاله في عنصر واحد فإننا لا نفسر السودان، بل نختزل جزءًا منه ونترك الأجزاء الأخرى، ولهذا فإن هذا البحث لا ينطلق من سؤال سياسي في المقام الأول بل من سؤال حضاري كيف تشكل السودان عبر التاريخ؟ وكيف صنعت الجغرافيا إنسانه؟ وكيف صنع الإنسان دولته؟ ولماذا استطاع هذا البلد أن يبقى متماسكاً حضارياً رغم كل ما تعرض له من هزات وانقسامات؟
إن السؤال عن شخصية السودان ليس سؤالاً أكاديمياً مجرداً، بل هو سؤال وجودي يتعلق بمستقبل الدولة نفسها، فالأمم التي لا تعرف حقيقتها تبقى عرضة للتفسيرات المستوردة وتصبح أكثر قابلية للانقسام كلما واجهت أزمة جديدة أما الأمم التي تمتلك وعيا بذاتها فإنها تكون أكثر قدرة على تجاوز المحن لأنها تدرك ما يجمعها قبل أن تنشغل بما يفرقها. ولعل ما يزيد من أهمية هذا السؤال أن السودان يعيش اليوم مرحلة مفصلية من تاريخه الحديث فالحروب التي عصفت بالبلاد لم تكن مجرد صراع على السلطة أو الموارد، بل كشفت عن وجود أزمة أعمق تتعلق بمفهوم الدولة والهوية والانتماء الوطني وقد أعادت هذه الأزمات إلى السطح أسئلة ظل السودانيون يطرحونها منذ الاستقلال من نحن؟ وما الذي يجمعنا؟ وما طبيعة الدولة التي نريدها؟ وهل السودان أمة واحدة أم أمم متعددة؟ وهل التنوع الذي يملكه مصدر قوة أم مصدر ضعف؟ وهل تكمن مشكلته في تركيبته السكانية أم في الطريقة التي أُدير بها هذا التنوع؟ إن هذه الأسئلة لم تعد ترفا فكريا يمكن تأجيله إلى حين استقرار الأوضاع السياسية، بل أصبحت جزءا من معركة البقاء الوطني نفسها فالدول يمكن أن تعاد إعمارها بعد الحروب والاقتصادات يمكن أن تتعافى بعد الانهيارات، لكن أخطر ما يمكن أن تفقده الأمة هو وضوح رؤيتها لذاتها ومن هنا تنبع أهمية هذا البحث. إن أهميته لا تأتي من كونه يتناول السودان فحسب، بل من طبيعة الزاوية التي يحاول النظر منها إلى السودان فهذا العمل لا يتعامل مع الجغرافيا باعتبارها خلفية محايدة للأحداث، بل باعتبارها قوة فاعلة في تشكيل التاريخ، ولا يتعامل مع التاريخ بوصفه سرداً زمنياً للوقائع، بل باعتباره عملية مستمرة في صناعة الشخصية الوطنية ولا ينظر إلى الإنسان السوداني ككتلة سكانية مجردة، بل باعتباره نتاجاً لتفاعل طويل بين المكان والثقافة والدين والتجربة التاريخية.
وبعبارة أخرى فإن هذا البحث يحاول أن يدرس السودان بوصفه وحدة حضارية متكاملة فالجغرافيا تفسر جانبا من التاريخ والتاريخ يفسر جانبا من المجتمع والمجتمع يفسر جانبا من الدولة والدولة بدورها تعيد التأثير في المجتمع، ومن خلال هذا التفاعل المستمر تتشكل شخصية الأمة.
ولذلك فإن فهم السودان يتطلب رؤية شاملة تتجاوز التخصصات الضيقة والقراءات الجزئية إن هذا البحث لا يطمح إلى تقديم الحقيقة النهائية عن السودان فالسودان أكبر من أن يحتويه كتاب وأعمق من أن يحيط به باحث واحد، لكنه محاولة للبحث عن الخيط الناظم الذي يربط بين عناصر التجربة السودانية المختلفة محاولة لفهم الوحدة الكامنة خلف التنوع والاستمرارية الكامنة خلف التحولات والقوة الكامنة خلف مظاهر الضعف.
إن السودان في جوهره ليس بلداً طارئاً على التاريخ، ولا دولة مصطنعة أوجدتها خرائط السياسة الحديثة، إنه إحدى أقدم البيئات الحضارية في أفريقيا والعالم العربي، بل وفي العالم كله وهو فضاء تاريخي واسع تعاقبت عليه الحضارات والممالك والثقافات، ونجح عبر قرون طويلة في إنتاج نموذج فريد من التفاعل بين العروبة وإفريقيا وبين الإسلام والتقاليد المحلية وبين الاستقرار والحركة.
ولهذا فإن دراسة شخصية السودان ليست مجرد محاولة لفهم الماضي، بل هي أيضاً محاولة لاستشراف المستقبل فالأمم لا تصنع غدها من فراغ، وإنما تبنيه على فهم عميق لتاريخها وطبيعة مجتمعها وإمكانات جغرافيتها ومن هنا فإن هذا البحث ينطلق من قناعة أساسية مؤداها أن مستقبل السودان لن يبنى على التسويات السياسية وحدها ولا على الاتفاقيات المؤقتة وحدها، بل على تأسيس وعي وطني جديد يستند إلى معرفة حقيقية بالسودان نفسه معرفة تتجاوز الشعارات والانفعالات الآنية، وتغوص إلى الأعماق حيث تتشكل شخصية الأمم فإذا كان لكل أمة سر يكمن في تاريخها فإن سر السودان يكمن في قدرته الفريدة على الجمع بين المتناقضات وتحويل التنوع إلى وحدة والاختلاف إلى ثراء والجغرافيا إلى حضارة وهذا هو السؤال الذي يسعى هذا البحث إلى الاقتراب من إجابته كيف صنع السودان شخصيته عبر التاريخ؟ وكيف يمكن لهذه الشخصية أن تكون مفتاحا لفهم أزماته وصناعة مستقبله؟ ذلك هو موضوع هذا البحث وذلك هو سبب كتابته وذلك هو مصدر أهميه.
orfaly666666@gmail.com

المقالة السابقة

توظيف الإحباط .. زهير عبدالله مساعد

المقالة التالية

أصل القضية | السودان… هل نخوض حربًا أم نُدار داخل صراع؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *