Popular Now

حماية المدنيين (Protection of Civilians – POC): مسؤولية مستمرة في أوقات الحرب والسلم .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الأزمات والكوارث والتنمية الريفية المستدامة

المقاربة الدولية للأزمة السودانية: توازنات الردع الجيوسياسي ومعضلة الشرعية البديلة .. د.عباس مختار البدوى .. مركز الخبراء للدراسات الإنمائية و إدارة الأزمات

وجه الحقيقة |البرهان وسؤال السنوات العجاف .. إبراهيم شقلاوي

المقاربة الدولية للأزمة السودانية: توازنات الردع الجيوسياسي ومعضلة الشرعية البديلة .. د.عباس مختار البدوى .. مركز الخبراء للدراسات الإنمائية و إدارة الأزمات

​بينما يشتد الصراع الميداني على الأرض، يكشف البيان المشترك الصادر عن الآلية الخماسية والقوى الغربية عن محاولة دولية جادة لإعادة صياغة القواعد الحاكمة للملف السوداني. التحرك الجماعي الأخير يتجاوز صيغ المناشدات الدبلوماسية التقليدية إلى محاولة فرض واقع سياسي موازٍ لموازين القوى العسكرية، وهو ما يضع الأزمة أمام مرحلة جديدة من هندسة الحلول التنازعية.

​تكتل المنصات وإعادة تعريف الشرعية.

​الأهمية الهيكلية للبيان تكمن في قدرته على توحيد المنصات الدولية والإقليمية الفاعلة تحت مظلة الآلية الخماسية. هذا الاصطفاف الذي يجمع واشنطن وعواصم أوروبية مع الاتحاد الأفريقي، والإيجاد، والجامعة العربية، يهدف إلى إنهاء حالة التنافس بين المبادرات التي استغلتها الأطراف المتحاربة طوال الفترة الماضية للمناورة وكسب الوقت.

​الرسالة المركزية التي يبعث بها هذا التكتل هي نزع الشرعية المسبق عن أي حسم عسكري. من الناحية الاستراتيجية، يضع هذا الموقف سقفاً لطموحات القوى الممسكة بالزناد؛ إذ يعلن المجتمع الدولي أن السيطرة الميدانية، مهما بلغت، لن تُترجم إلى اعتراف سياسي أو تدفقات مالية لإعادة الإعمار، وأن نافذة التعامل مع العالم تمر حصراً عبر هيكل مدني مستقل.

​تتبدى المعضلة التحليلية في البيان عند النظر إلى آليات التنفيذ؛ فالوثيقة تقفز مباشرة نحو صياغة الملامح النهائية للفترة الانتقالية، محددةً جدولاً زمنياً صارماً لا يتجاوز ستة أشهر لتشكيل حكومة مدنية مستقلة. هذا الطرح، على الرغم من تماسكه النظري، يواجه إشكالية (الترتيب الإجرائي) للأزمة.

​الحديث عن إطلاق حوار مدني شامل وبناء سلطة مدنية مستقلة في ظل استمرار المعارك وغياب اتفاق دائم لوقف إطلاق النار يبدو أشبه بمحاولة بناء السقف قبل إرساء القواعد. فالقوى المدنية والسياسية التي يستند إليها البيان كركيزة للحل، تعاني من التشتت والضعف الهيكلي، ولا تملك أدوات ضغط حقيقية على الأرض لإجبار الأطراف المسلحة على الانصياع لمخرجات أي حوار سياسي.

​حسابات البقاء لدى النخبة العسكرية

​تتحرك الأطراف المسلحة على الأرض وفق عقيدة صفرية ترى في التنازل عن عناصر القوة العسكرية تهديداً مباشراً للوجود. بناءً على ذلك، تواجه الرؤية الدولية تحديات بنيوية ترتبط بحسابات البقاء لدى الطرفين:
تواجه القيادة العسكرية لدى القوات المسلحة ضغوطاً داخلية من حواضنها الجديدة والتيارات التي انخرطت في القتال، والتي ترى في أي تسوية سياسية على نسق (الاتفاق الإطاري) السابق التفافاً على تضحيات الحرب، وتواطؤاً لإعادة دمج قوى تمرد عسكري أو تمكين قوى مدنية لا تحظى بإجماع وطني.

​ في ظل العزلة الحقوقية والسياسية الناتجة عن الانتهاكات الميدانية الواسعة، ترى قوات الدعم السريع أن الاحتفاظ بالسيطرة الجغرافية وبشبكاتها المالية العابرة للحدود هو الضامن الوحيد لمنع تصفيتها السياسية والقانونية، مما يجعل قبولها بسلطة مدنية مستقلة تملك صلاحيات المحاسبة أمراً مستبعداً دون ضغوط تفوق قدرتها على الاحتمال.

​أدوات الضغط الدولية وخيارات الردع ​الجديد في هذا التحرك هو التلويح بـ (اتخاذ تدابير مناسبة) بحق الأطراف المعرقلة. هذه الإشارة تنقل الصراع إلى مربع الردع الاقتصادي والقانوني؛ حيث يمتلك المجتمع الدولي أوراقاً حاسمة تتعلق بتجفيف منابع تمويل اقتصاد الحرب، واستهداف خطوط الإمداد اللوجستي عبر الحدود، فضلاً عن تفعيل أدوات الملاحقة الجنائية الدولية.
​غير أن فاعلية هذه التدابير تظل رهناً بمدى التزام القوى الإقليمية المحيطة بالسودان بالرؤية الدولية، فلو استمر تدفق السلاح والدعم المالي عبر القنوات الخلفية، فإن لغة العقوبات ستفقد قدرتها على تغيير الحسابات الاستراتيجية للجنرالات على الأرض.

​يضع بيان يونيو 2026 القوى العسكرية أمام خيارات ضيقة، ويحاول خلق مركز ثقل سياسي يعيد صياغة المشهد السوداني. لكن العبرة تظل بالقدرة على إيجاد آلية ربط واقعية بين الملف الأمني (وقف الحرب وتجميع القوات) والملف السياسي (الحوار المدني وتشكيل الحكومة). وبدون إرادة دولية صارمة لترجمة بند (التدابير المناسبة) إلى إجراءات خشنة على الأرض، فإن هذه الخارطة قد تلتحق بسابقاتها كوثيقة تعبر عن تطلعات المجتمع الدولي أكثر من تعبيرها عن ديناميكيات الواقع الميداني.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة |البرهان وسؤال السنوات العجاف .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

حماية المدنيين (Protection of Civilians – POC): مسؤولية مستمرة في أوقات الحرب والسلم .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. خبير إدارة الأزمات والكوارث والتنمية الريفية المستدامة

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *