حين نتأمل المشهد السوداني اليوم، يصعب النظر إلى السنوات السبع الماضية باعتبارها مجرد فترة حكم عادية في تاريخ البلاد. لقد كانت سنوات استثنائية بكل المقاييس، سنوات تداخلت فيها الثورة مع الانتقال، والسياسة مع الخذلان، والأمل مع الخيبة، حتى انتهى الأمر بحرب هددت وجود الدولة. ولهذا فإن سؤال الرئيس البرهان اليوم ليس سؤال رجل، بقدر ما هو سؤال مرحلة كاملة، وسؤال دولة ما تزال تتنكب الطريق.
في الوعي الجمعي السوداني، وفي الذاكرة القرآنية التي تستدعيها عبارة “السنوات العجاف”، لا ترتبط هذه العبارة بالجوع وحده، وإنما بالامتحان. فالسنوات العجاف في قصة يوسف عليه السلام لم تكن مجرد أزمة اقتصادية، بل كانت اختباراً للحكمة السياسية، والإدارة الرشيدة والقدرة على الاستعداد للمستقبل. ولم يكن الخروج منها معجزة هبطت من السماء، بل ثمرة رؤية سبقت الأزمة، واستوعبت تداعياتها وأحسنت التعامل معها.
ومن هذه الزاوية تحديداً يمكن قراءة تجربة السودان منذ عام 2019.
لقد دخلت البلاد تلك المرحلة وهي تحمل آمالاً كبيرة في بناء دولة جديدة، لكن ما حدث عملياً هو انتقال من أزمة إلى أخرى. تعثرت الشراكة السياسية، وتآكلت الثقة بين القوى المدنية والعسكرية، وتزايدت التدخلات الخارجية، وتراجعت مؤسسات الدولة أمام تمدد مراكز النفوذ غير الرسمية، حتى وصلت البلاد إلى لحظة الانفجار الكبير في أبريل 2023.
وربما كانت المفارقة أن الحرب لم تكشف فقط حجم الخطر الذي كانت تمثله المليشيا، بل كشفت أيضاً ضعف البناء السياسي الذي تشكل بعد 2019. فقد سقطت في أيام معدودة أوهام كثيرة ظلت تملأ الخطاب السياسي لسنوات. سقط وهم أن التوازنات يمكن أن تحل محل المؤسسات. وسقط وهم أن الشراكات المؤقتة يمكن أن تؤسس لاستقرار وسقط وهم أن المجتمع الدولي قادر على إنتاج دولة وطنية بالنيابة عن أهلها. وبقيت حقيقة واحدة، أن الدولة السودانية، تبقي بالمؤسسات، لا بالتحالفات الظرفية .
وفي قلب هذه المعادلة ظل البرهان الفاعل السياسي والعسكري الأهم في البلاد. فالرجل نجح في قيادة المؤسسة العسكرية خلال أخطر تهديد وجودي واجه الدولة السودانية منذ استقلالها، وأن القوات المسلحة نجحت في منع سقوط الدولة وتحويل مشروع السيطرة عليها إلى مشروع فاشل.
لكن من جهة أخرى، لا يمكن تجاهل أن البرهان ظل ممسكاً بمفاصل السلطة طوال هذه السنوات، الأمر الذي يجعل تقييم المرحلة بأكملها مرتبطاً بصورة مباشرة بأدائه السياسي وقدرته على إدارة الدولة لا الحرب وحدها.
ولسنوات طويلة ارتبط اسم البرهان بمنهج وصفه هو نفسه ذات مرة بـ”الحفر بإلابرة”. وقد عكست هذه العبارة فلسفة سياسية قائمة على التدرج، والصبر، وتجنب الصدامات والعمل وفق موازين القوى المتاحة. وربما كانت تلك المقاربة مفهومة في سياق مرحلة انتقالية متنازعة، حيث كان الهدف الأساسي منع المواجهة، وإدارة التناقضات بأقل الخسائر الممكنة.
غير أن الحرب غيرت طبيعة المعادلة بالكامل. فالسودان الذي خرج من أبريل 2023 ليس هو السودان الذي سبقها. الدولة تعرضت لاختبار وجودي، والمجتمع دفع أثماناً باهظة، والخريطة السياسية والأمنية أعيد تشكيلها بصورة جذرية. وفي مثل هذه اللحظات التاريخية لا تعود الأدوات التي صممت لإدارة التوازنات الدقيقة كافية لإدارة التحولات الكبرى. ف(الحفر بإبرة) قد يكون فعالاً في تفكيك العقد، لكنه لا يكفي وحده لبناء دولة جديدة أو إطلاق مشروع وطني بحجم التحديات التي أفرزتها الحرب.
ومن هنا فإن السؤال المهم هل نجحت هذه السنوات في بناء الدولة، فالواقع يشير إلى أن مؤسسات أساسية ما تزال غائبة. المجلس التشريعي لم ير النور بعد. منظومة الرقابة والمحاسبة ما تزال محدودة الفاعلية. العديد من المفوضيات التي يفترض أن تشكل أعمدة المرحلة الانتقالية لم تستكمل هياكلها. والاقتصاد الوطني ما يزال يعاني الاختلالات والفوضى.
لقد قدم الشعب السوداني خلال هذه السنوات تضحيات هائلة، صبر على الضائقة الاقتصادية، وتحمل أعباء النزوح واللجوء و وقف خلف مؤسسات الدولة في لحظة الخطر الوجودي. ومن حقه أن يتساءل اليوم: هل ارتقت النخبة الحاكمة إلى مستوى تلك التضحيات؟ وهل تحولت دماء المعركة وآلامها إلى وعي؟ أم أن السودان ما يزال يدور داخل حلقة الأزمات.
إن التاريخ لا يحاكم القادة على قدرتهم في عبور التحديات فحسب، بل على قدرتهم في استثمار الأزمات لصناعة المستقبل. وتشرشل الذي قاد بريطانيا إلى النصر في الحرب العالمية الثانية ظل اسمه مرتبطاً بالنصر العسكري، لكن الشعب البريطاني اختار قيادة أخرى لإدارة مرحلة إعادة البناء. ليس انتقاصاً من دوره، بل لأن منطق الحرب يختلف عن منطق بناء الدولة.
ومن هنا بحسب #وجه_الحقيقة، لا تكمن أهمية السنوات العجاف في أنها كانت سنوات شدة، بل في كونها وضعت الأساس لسنوات الخصب والنهوض. فالتاريخ لا يخلد الأزمات، وإنما يخلد الرؤى التي تتغلب عليها. لقد انتصرت رؤية يوسف على المجاعة فصنعت مستقبلاً جديدًا، أما مكانة هذه المرحلة في تاريخنا ستتحدد بمدى نجاحها في تحويل التضحيات إلى دولة، والانتصارات إلى نهضة والأزمات إلى مستقبل واعد.
دمتم بخير وعافية.
Shglawi55@gmail.com


