Popular Now

وجه الحقيقة |فصل العاملين بين النفي والإثبات .. إبراهيم شقلاوي

بين صحة الحديث وصحة المعنى: «المعدة بيت الداء» وفلسفة العودة إلى الطيبات .. د. أحمد الطيب السماني .. مستشار التدريب وأستاذ الإدارة والتنمية

أصل القضية | السودان… بين أنا وأنتم، أين تقع نحن؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

البرهان ومعركة السيادة .. مستشار: هشام محمود سليمان

ثمة خطأ يتكرر كثيرًا في قراءة ما جرى ويجري في السودان، فالبعض ما يزال يتعامل مع الحرب باعتبارها نزاعًا عسكريًا بين طرفين متكافئين يتنازعان السلطة، بينما تشير الوقائع على الأرض إلى أن القضية أعمق من ذلك بكثير
فمنذ اندلاع الحرب، لم يكن الرهان الحقيقي على كسب معركة هنا أو خسارة معركة هناك، وإنما على مستقبل الدولة السودانية نفسها.
كانت هناك قوى عديدة داخلية وخارجية تعتقد أن السودان قد دخل مرحلة التفكك النهائي، وأن مؤسساته لن تستطيع الصمود أمام العاصفة، لكن ما حدث لم يكن ما توقعه أصحاب تلك الرهانات صحيح أن البلاد دفعت ثمنًا باهظًا من الدم والدمار والنزوح لكن الدولة لم تسقط، والجيش رغم كل ما واجهه من تحديات بقي قائمًا واستعاد زمام المبادرة في كثير من الجبهات.
وعندما بدأت موازين الميدان تميل بصورة أو بأخرى لصالحه، تغيرت لغة الخطاب السياسي المحيط بالحرب، فبعد أن كان الحديث يدور عن انهيار الدولة، أصبح الحديث يدور عن ضرورة التسوية السياسية، وبعد أن كان بعضهم يتوقع حسم الأمور بالقوة لصالح مشروع معين، بدأت الدعوات ترتفع لإعادة تشكيل المشهد عبر ترتيبات سياسية جديدة. هنا تحديدًا يبرز السؤال الذي يشغل قطاعًا واسعًا من السودانيين: هل الهدف هو إنهاء الحرب بالفعل أم إدارة نتائجها بطريقة تضمن استمرار النفوذ الخارجي داخل السودان؟
كثيرون يرون أن بعض القوى الدولية والإقليمية لم تنظر إلى السودان يوماً باعتباره مجرد دولة تعاني أزمة داخلية، بل باعتباره موقعا استراتيجيًا بالغ الأهمية ولذلك فإنها تسعى دائماً إلى أن تكون شريكا مؤثرًا في صناعة القرار السوداني أيًّا كانت الوسائل المستخدمة لتحقيق ذلك. ومن هذا المنظور فإن المشكلة بالنسبة لهذه القوى ليست في شخص البرهان نفسه وإنما في فكرة الدولة الوطنية التي يمثلها الجيش. فوجود مؤسسة عسكرية متماسكة قادرة على حماية الحدود وفرض سيادة الدولة يحد بطبيعته من قدرة الآخرين على توجيه القرار الوطني أو التأثير فيه، ولهذا يعتقد أنصار الجيش أن المعركة الحالية ليست مجرد حرب ضد الدعم السريع وإنما مواجهة مع مشروع أوسع يراد من خلاله إعادة صياغة السودان وفق تصورات لا تنبع بالضرورة من الإرادة الوطنية السودانية، وقد يكون هذا هو السبب الذي جعل شعار الحسم يحظى بقبول واسع منذ الأيام الأولى للحرب.
فبالنسبة لكثير من السودانيين لم تعد القضية مرتبطة بقوة عسكرية بعينها، بل بمبدأ أساسي يتعلق بوجود الدولة نفسها إذ لا يمكن بناء دولة مستقرة بينما يوجد أكثر من مركز للسلاح وأكثر من جهة تدعي حق استخدام القوة خارج مؤسساتها الرسمية.
أما البرهان فإن مؤيديه يرون أنه يدرك أن الانتصار العسكري إن تحقق لن يكون نهاية الطريق، بل بدايته، فالحرب ستنتهي يوما ما لكن الأسئلة الكبرى ستظل قائمة كيف يُعاد بناء الجيش؟ كيف تُرمم مؤسسات الدولة؟ كيف تستعاد الثقة بين السودانيين؟ وكيف يصان القرار الوطني من التدخلات الخارجية؟ هذه هي المعركة الحقيقية التي تلوح في الأفق، معركة لا تدور في الخنادق ولا تحسم بالمدافع، وإنما تحسم بقدرة السودانيين على بناء دولة تكون السيادة فيها حقًـا خالصا لشعبها لا مجال فيها لوصاية أحد ولا لوكالة أحد، وعندها فقط يمكن القول إن السودان لم ينتصر في الحرب فحسب، بل انتصر أيضًا في الامتحان الأصعب؛ امتحان الدولة.

المقالة السابقة

دولة تشاد: اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير .. المقال (2) هندسة السلطة و تشكل الدولة الأمنية .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

المقالة التالية

وجه الحقيقة | حكومة الأمل والتعافي المؤجل . إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *