Popular Now

البرهان ومعركة السيادة .. مستشار: هشام محمود سليمان

دولة تشاد: اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير .. المقال (2) هندسة السلطة و تشكل الدولة الأمنية .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

أصل_القضية | السودان… عندما تحرّك مؤشر نوار د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

دولة تشاد: اضطرابات الأزمنة وتقلبات الأحوال – ما المصير .. المقال (2) هندسة السلطة و تشكل الدولة الأمنية .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتجية والأمنية

مثل الانتقال من حكم الرئيس حسين هبري إلى صعود إدريس ديبي لحظة انعطاف مهمة في تاريخ تشاد الحديث تجاوزت المعني البسيط لتبدل عنيف في رأس النظام، بل كان تحولاً عميقاً في طبيعة الدولة نفسها، وفي تعريفها للسيادة وفي أدوات بقائها داخل بيئة إقليمية مضطربة. فالدولة التشادية منذ نشأتها لم تتبلور ككيان مؤسسي مكتمل، بل كمنظومة حكم تتأسس على إدارة العنف وتوازنات القوة أكثر من كونها منبية على العقد الاجتماعي أو الاستقرار الدستوري. وفي هذا السياق، يصبح فهم التحول من هبري إلى ديبي مدخلاً ضرورياً لفهم كل ما تلا ذلك من انخراط تشاد في الإقليم، وخاصة في السودان وليبيا.

في عهد حسين هبري، تكرست الدولة كجهاز أمني مركزي شديد القبضة ، وفي الوقت نفسه شديد الانغلاق، حيث تم اختزال مفهوم الدولة في قدرتها على القمع والسيطرة العسكرية. لقد واجه نظام هبري تمردات متكررة وتدخلات إقليمية معقدة، خصوصاً من ليبيا في عهد القذافي، مما جعل الدولة في حالة تعبئة دائمة. ويمكن قراءة هذه المرحلة في ضوء التصور الواقعي الذي يقدمه هانز مورغانثاو، حيث تُفهم السياسة والعلاقات بين الدول بوصفها صراعاً على القوة والمصلحة، إلا أن الحالة التشادية تظهر مستوى اخر أكثر تعقيداً، إذ تصبح القوة ليست مجرد أداة للدولة، بل شرطاً لوجودها واستمرارها.
أما إدريس ديبي، الذي وصل إلى السلطة عبر حركة معارضة مسلحة انطلقت من الأراضي السودانية، فقد أعاد تشكيل الدولة التشادية على أساس مختلف نسبياً، لكنه لم يخرج من منطق الدولة الأمنية، بل أعاد إنتاجه ضمن شبكة أوسع من التوازنات القبلية والإقليمية. فقد أصبحت الدولة في عهده أقرب إلى “نظام توازنات مسلحة” تتداخل فيه الولاءات القبلية مع البنية العسكرية، وتُدار فيه السياسة عبر إعادة توزيع النفوذ داخل الجيش والأجهزة الأمنية، لا عبر مؤسسات مدنية مستقرة.

وهنا تقترب الحالة التشادية مما يطرحه أشيل مبيمبي حول الدولة ما بعد الاستعمار باعتبارها بنية هجينة تتداخل فيها الشرعية الرسمية مع شبكات غير رسمية من السلطة والعنف.
إن جوهر التحول في هذه المرحلة لا يكمن فقط في تغيير القيادة، بل في انتقال الدولة من منطق المواجهة الداخلية إلى منطق الاندماج في الفضاء الإقليمي للصراع. فقد أصبح السودان، وليبيا وأفريقيا الوسطى ليسوا مجرد جيران، بل امتدادات وظيفية للداخل التشادي، حيث تتقاطع فيها الحركات المسلحة المعارضة، وشبكات التهريب والتحالفات القبلية العابرة للحدود. ومن هنا يمكن فهم أن السيادة التشادية لم تعد سيادة مغلقة، بل سيادة متداخلة مع الإقليم، تخضع باستمرار لمعادلات القوة المحيطة.

وفي هذا السياق، يصبح من غير الممكن تحليل سلوك تشاد الخارجي بوصفه قراراً سيادياً خالصاً، بل يجب فهمه بوصفه نتاجاً لبنية داخلية هشة تتفاعل مع بيئة إقليمية شديدة السيولة. وهنا تبرز أهمية المقاربة التي يقدمها ريمون آرون، الذي يرى أن النظام الدولي ليس نظام دول متساوية، بل نظام تفاوت في القوة والقدرة، غير أن الحالة التشادية تكشف عن بُعد إضافي، وهو أن الدولة نفسها ليست وحدة مستقرة، بل كيان سياسي سيال يتغير وفق موازين القوة الداخلية والخارجية.

لقد ورث ديبي دولة قائمة على منطق الجيش-الدولة، حيث تتركز السلطة الفعلية داخل المؤسسة العسكرية، ويتم ضبط التوازنات الداخلية عبر توزيع الامتيازات الأمنية والاقتصادية.

وهذا النموذج، رغم قدرته على تحقيق حد أدنى من الاستقرار النسبي، إلا أنه أنتج هشاشة بنيوية طويلة الأمد، جعلت الدولة عرضة لأي اضطراب إقليمي. ومن هنا يمكن فهم كيف أصبحت تشاد لاحقاً لاعباً حساساً في معادلات السودان وليبيا، وليس فقط متأثرة بها.
وفي البعد الإقليمي، لعب السودان دوراً محورياً في إعادة تشكيل هذا المشهد، ليس فقط كجار جغرافي، بل كفضاء متداخل مع تشاد عبر القبائل والحدود المفتوحة والاقتصاد غير الرسمي. كما أن ليبيا ،في ظل القذافي، شكلت مركزاً لتصدير الفوضى المسلحة نحو الجنوب، مما جعل تشاد ساحة دائمة لإعادة إنتاج الصراعات الإقليمية. أما في السنوات اللاحقة، فقد أصبحت شبكات التهريب والذهب والسلاح جزءاً من الاقتصاد السياسي العابر للحدود، وهو ما سيشكل لاحقاً مدخلاً لفهم التورط الإقليمي في الحرب السودانية.

وفي ضوء التطورات الحديثة، ومع تصاعد الحرب في السودان، برزت تقارير وتحليلات متعددة وموثقة تشير إلى تعقيد المشهد الإقليمي، بما في ذلك أدوار فاعلين خارجيين مثل دولة الإمارات العربية المتحدة في تمويل ودعم مليشيا الدعم السريع ضمن شبكة مصالح إقليمية تمتد من البحر الأحمر إلى عمق الساحل الأفريقي. هذا التداخل جعل من الحدود التشادية–السودانية فضاءً شديد الحساسية، تتحرك فيه الأسلحة والمقاتلون والموارد بعيداً عن أي رقابة سيادية فعالة.
غير أن تفسير السلوك التشادي في هذا السياق لا يمكن اختزاله في خيار سياسي بسيط بين “الدعم أو الحياد” ، بل يجب فهمه في ضوء سؤال أعمق يتعلق بطبيعة الدولة نفسها: هل تشاد فاعل سيادي مستقل، أم فاعل مقيد ببنية خارجية تجعل قراراته امتداداً لحسابات البقاء الداخلي؟
إن التحليل الأقرب للواقع يشير إلى أن تشاد، منذ عهد حبري مروراً بديبي، لم تكن دولة ذات سيادة مكتملة بالمعنى التقليدي، بل دولة “إدارة توازنات”، حيث تُصاغ السياسة الخارجية كامتداد للضرورات الأمنية الداخلية. وهذا ما يجعل علاقتها بالصراعات الإقليمية، بما فيها حرب مليشيا الدعم السريع وأعوانها، علاقة تشابك بنيوي لا علاقة موقف سياسي مجرد.
وهكذا، فإن المرحلة الممتدة من هبري إلى ديبي لا يمكن قراءتها كتاريخ سياسي فقط، بل كعملية إعادة تشكيل مستمرة لطبيعة الدولة، حيث تتحول السيادة من مفهوم قانوني إلى ممارسة أمنية، وتتحول الحدود من خطوط فصل إلى شبكات تفاعل وصراع، وتتحول الدولة من فاعل مستقل إلى عقدة تابعة خاضعة لضغط استراتيجيات متصارعة وطامعة داخل نظام إقليمي مضطرب.

المقالة السابقة

أصل_القضية | السودان… عندما تحرّك مؤشر نوار د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

البرهان ومعركة السيادة .. مستشار: هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *