ليست الدولة شجرة يستظل كل غصن فيها بظله الخاص وإنما هي جذع واحد إذا اختلفت عليه الأغصان انكسرت في أول ريح.
ولهذا لم يكن بناء الدول عبر التاريخ رهين كثرة الرجال، بل رهين وحدة الإرادة والقرار، إذ لا قيمة لمؤسسات تتحدث بألسنة متعددة ولا لحكومة يرفع كل وزير فيها راية غير راية الدولة.
وفي السياسة لا توجد منطقة رمادية بين الدولة والتنظيم، فإما أن يكون المسؤول قد ارتدى عباءة الدولة بكل ما تفرضه من انضباط ومسؤولية، وإما أن يبقى أسير عباءته الحزبية، فيرى الوطن من نافذة التنظيم لا التنظيم من نافذة الوطن.
ولعل أخطر ما يصيب الدولة في مراحل التحول أن يدخل بعض الفاعلين إلى مؤسسات الحكم بأقدام السلطة بينما تظل عقولهم معلقة بخنادق المعارضة، عندها يصبح مجلس الوزراء ميداناً لتقاطع الولاءات لا غرفة لصناعة القرار، وتتحول المداولات إلى موازين قوة لا إلى بحث عن المصلحة العامة، ومن هنا تكتسب تجربة الدكتور جبريل إبراهيم أهميتها السياسية ،لا لأنها تتعلق بشخصه، وإنما لأنها تفتح باباً واسعاً للنقاش حول طبيعة العلاقة بين الوزير والدولة. فكلما بدا أن صوت التنظيم يعلو على صوت المؤسسة أو أن الحسابات السياسية تتقدم على مقتضيات المسؤولية التنفيذية، عاد السؤال القديم إلى الواجهة: لمن يكون الولاء الأول عندما يجلس المرء على كرسي الدولة؟
إن الدول لا تنهار عادة بفعل خصومها، وإنما حين تتعدد مراكز القرار داخلها، فالسفينة التي يختلف ربابنتها على اتجاه الريح لا تغرق لأن البحر هائج، بل لأنها فقدت البوصلة.
وليس المقصود أن يتحول الوزير إلى موظف صامت، فالدولة الرشيدة تحتاج إلى العقول الناقدة داخل مؤسساتها، غير أن النقد له أبوابه والخلاف له مؤسساته، أما إذا خرج الاختلاف من غرف القرار إلى ساحات الاستقطاب، فإن الدولة تبدأ في إرسال رسائل متناقضة إلى مواطنيها وإلى العالم، فتضعف الثقة ويختل ميزان الهيبة.
لقد علمتنا تجارب الأمم أن الحكومات القوية ليست تلك التي تخلو من الخلاف، وإنما تلك التي تعرف كيف تدير خلافها داخل جدران المؤسسة ثم تخرج إلى الناس بقرار واحد ولسان واحد وإرادة واحدة، أما حين يصبح لكل وزير تأويله الخاص لإرادة الدولة، فإن الدولة نفسها تتحول إلى جزر متباعدة يجمعها الاسم وتفرقها الاتجاهات.
إن القضية في جوهرها، ليست قضية رجل بعينه، بل قضية فلسفة حكم. فالدولة التي تسمح بتعدد الإرادات داخل جهازها التنفيذي تزرع في جسدها بذور الوهن ولو بدت في ظاهرها متماسكة، وهيبة الدولة لا تستمد من صرامة القوانين وحدها، وإنما من احترام القائمين عليها لفكرة الدولة نفسها تلك الفكرة التي تجعل المنصب تكليفاً لا منصة للتفاوض، وتجعل القرار الجماعي عهدغا لا خياراً.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يشغل كل السودانيين هل نريد دولة تتقدم فيها المؤسسات على الأشخاص أم دولة تدور فيها المؤسسات في فلك القيادات السياسية؟ فالإجابة عن هذا السؤال هي التي سترسم شكل السودان الذي سيورثه هذا الجيل لمن بعده، فالأوطان لا تضعف حين يعلو صوت المعارضة خارج أسوارها، وإنما حين تتعدد المعارضات داخل أسوار السلطة نفسها.


