في مقالين سابقين توقفنا عند ظاهرتين أصبحتا جزءًا من المشهد السوداني المعاصر:
● الأولى كانت صعود الأصوات الفردية إلى مواقع تأثير كانت تحتلها المؤسسات ذات يوم.
● والثانية كانت تراجع الصحافة التقليدية عن دورها التاريخي في صناعة الرأي العام وتفسير الواقع.
لكن خلف هذين التحولين يختبئ سؤال أكثر عمقًا وأشد خطورة: إذا كانت المؤسسات قد تراجعت وإذا كانت الأصوات قد صعدت فمن الذي أصبح يتحدث باسم الناس؟ ومن الذي منحه هذا الحق؟
وهنا يبدأ أصل القضية.
السلطة التي لا ينتبه إليها أحد
○في السياسة نتحدث كثيرًا عن سلطة الدولة.
○وفي الاقتصاد نتحدث عن سلطة المال.
○وفي الحروب نتحدث عن سلطة السلاح.
لكن هناك سلطة أخرى أقل ظهورًا وأكثر تأثيرًا: سلطة الحديث باسم الآخرين.
أن تقول:
“الشعب يريد.”
“السودانيون يرفضون.”
“الشارع يرى.”
“الجماهير تطالب.”
قد تبدو هذه العبارات عادية، لكنها في حقيقتها تمثل واحدة من أخطر أشكال السلطة الرمزية. لأن من ينجح في إقناع الناس بأنه يتحدث باسمهم لا يكتفي بالتأثير عليهم، بل يصبح وسيطًا بينهم وبين أنفسهم ويصبح تفسيره للواقع أقرب إلى أن يُعامل بوصفه تعبيرًا عن إرادتهم الجماعية، لا عن رأيه الشخصي.
الشعب الذي يتحدث الجميع باسمه
في السودان اليوم تكاد لا توجد جهة لا تتحدث باسم الشعب:
○السياسي والحزب يتحدث باسم الشعب.
○الناشط والإعلامي والمؤثر يتحدث باسم الشعب.
○أطراف الصراع نفسها تقدم مواقفها باعتبارها تعبيرًا عن إرادة الشعب ومصالحه.
لكن المفارقة أن الجميع يتحدث باسم الشعب في الوقت الذي يظل فيه الشعب نفسه غائبًا عن منصة الحديث، وكأن السودان أصبح بلدًا يتحدث الجميع فيه باسم الجميع ولا أحد يسأل السؤال البسيط: من فوّض من؟
الفرق بين التأثير والتمثيل
من أكبر الأخطاء التي أنتجها العصر الرقمي الخلط بين التأثير والتمثيل:
●فالتأثير يعني القدرة على الوصول إلى الناس.
●أما التمثيل فيعني امتلاك شرعية التعبير عنهم.
والفرق بينهما شاسع، قد يمتلك شخص مئات الآلاف من المتابعين وقد ينجح في توجيه النقاش العام، وقد يصبح مرجعًا يوميًا لقطاع واسع من الجمهور،
لكن ذلك لا يعني تلقائيًا أنه يمثل هذا الجمهور.
فالناس قد تستمع إليك لأنها مهتمة بما تقول، وقد تتابعك لأنها تبحث عن تفسير للأحداث.
لكن الاستماع ليس تفويضًا، والمتابعة ليست وكالة والانتشار ليس شرعية.
كيف يولد المتحدث باسم الناس؟
في الظروف الطبيعية تقوم المؤسسات بهذه الوظيفة: الأحزاب، النقابات، الانتخابات الصحافة والمجتمع المدني.
لكن حين تضعف هذه المؤسسات تبدأ عملية مختلفة: عملية إعادة توزيع للشرعية.
فحين تضعف المؤسسات التي كانت تمنح الشرعية التقليدية، لا يختفي طلب الناس للقيادة، أو التفسير أو التمثيل، بل تنتقل هذه الوظائف إلى فاعلين جدد. وهكذا لا يتغير فقط من يتحدث، بل تتغير المعايير التي تمنحه حق الحديث. فبعد أن كانت الشرعية تُكتسب عبر المؤسسة، أصبحت تُكتسب أحيانًا عبر المنصة. وبعد أن كانت تُبنى بالتفويض، أصبحت تُبنى بالانتشار. وبعد أن كانت ترتبط بالتمثيل، أصبحت ترتبط بالقدرة على جذب الانتباه.
وحينها لا يبحث الناس فقط عن المعلومة، بل عن من يمنحهم تفسيرًاللمعلومة.
ولا يبحثون فقط عن الخبر، بل عن من يساعدهم على فهم موقعهم داخل الخبر. وهنا يولد المتحدث باسم الناس.
ليس بالضرورة عبر انتخابات
ولا عبر تفويض رسمي، بل عبر تراكم التأثير والثقة والقدرة على تفسير الواقع ومع مرور الوقت يصبح صوته أكثر حضورًا من المؤسسات نفسها.
الوهم الكبير
المشكلة أن المجال العام كثيرًا ما يقع في وهم خطير؛ وهم أن الأكثر ظهورًا هو الأكثر تمثيلًا.
بينما الواقع مختلف. فالصوت الأعلى ليس دائمًا صوت الأغلبية، والأكثر تداولًا ليس دائمًا الأكثر قبولًا والأكثر متابعة ليس دائمًا الأكثر تمثيلًا.
وفي السودان تزداد هذه الإشكالية تعقيدًا، لأن جزءًا كبيرًا من المجتمع لا يشارك أصلًا في النقاشات الرقمية، وجزءًا آخر يراقب بصمت وجزءًا ثالثًا لا يجد منصة يعبر من خلالها عن نفسه.
ومع ذلك كثيرًا ما تُختزل هذه التعددية الهائلة في صوت واحد أو اتجاه واحد أو منصة واحدة. من يملك حق تعريف إرادة الناس؟
هذا هو السؤال الذي يتجنب الجميع الإجابة عنه.
هل إرادة الناس هي ما تقوله المنصات؟
أم ما تقوله النخب؟
أم ما تقوله الأحزاب؟
أم ما تقوله استطلاعات الرأي؟
أم ما يظهر في الشارع؟
الحقيقة أن إرادة المجتمعات أعقد من أن تُختزل في مؤشر واحد، وأعقد من أن يحتكر تفسيرها شخص واحد.
فالناس ليسوا كتلة واحدة، و لا يفكرون بالطريقة نفسها ولا يعيشون التجربة نفسها خصوصًا في بلد مركب ومتعدد مثل السودان. ولهذا فإن أكبر خطأ استراتيجي يمكن أن تقع فيه أي نخبة هو الاعتقاد بأنها أصبحت هي الشعب.
أزمة السودان ليست في قلة المتحدثين، بل في كثرتهم، فالسودان لا يعاني من غياب الأصوات، بل من فائض الأصوات، ولا يعاني من نقص من يتحدث باسم الناس، بل من وفرة من يدّعون ذلك.
والنتيجة أن المواطن يجد نفسه محاصرًا بسيل من المتحدثين باسمه بينما تظل المسافة بين هؤلاء وبين الواقع أكثر اتساعًا مما تبدو عليه.
أصل القضية،،،
ليست المشكلة أن السياسيين، أو الإعلاميين أو المؤثرين يتحدثون باسم الناس، فهذه طبيعة المجال العام في كل المجتمعات، لكن المشكلة تبدأ حين يتحول الادعاء بالتمثيل إلى بديل عن التمثيل نفسه، وحين تصبح الشعبية مرادفًا للشرعية، والانتشار مرادفًا للتفويض والصوت الأعلى مرادفًا للحقيقة.
فإن المجتمع يبدأ تدريجيًا في فقدان القدرة على التمييز بين من يؤثر فيه ومن يمثله.
وربما كانت هذه إحدى أخطر القضايا في السودان اليوم.
لأن السؤال الذي يسبق الرأي العام، ويسبق السياسة و يسبق الرواية الوطنية نفسها هو: من يملك حق الحديث باسم الناس؟ ومن يملك حق الادعاء بأنه يعرف ما يريده الناس؟
أما الإجابة الحقيقية فربما تبدأ حين نتوقف عن البحث عمن يتحدث باسم الشعب، ونبدأ في البحث عن الكيفية التي يستطيع بها الشعب أن يتحدث بنفسه لنخط اولى سطور الرواية السودانية.


