ليس من الصعب على واشنطن أن تصدر بياناً جديداً عن السودان ولا أن تفرض حزمة أخرى من العقوبات تحت عناوين براقة تتحدث عن السلام وحقوق الإنسان ومنع استخدام الأسلحة المحظورة، الصعب حقاً هو أن تقنع السودانيين بأن هذه العقوبات تستهدف إنهاء الحرب لا إعادة تشكيلها بما يخدم المصالح الأمريكية، فالولايات المتحدة تقول إنها تريد وقف النزاع، لكنها تختار الوسيلة ذاتها التي أثبت التاريخ أنها تزيد الأزمات تعقيداً.
العقوبات لا تسقط القذائف، ولا توقف البنادق ولا تفتح ممراً إنسانياً، إنها تضيق الخناق على دولة أنهكتها الحرب وتزيد اقتصادها ضعفاً بينما يبقى المتحاربون قادرين على مواصلة القتال بوسائل أخرى، والأدهى من ذلك أن البيان الأمريكي يتحدث عن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع وكأنهما وجهان لعملة واحدة في مساواة سياسية تثير كثيراً من علامات الاستفهام، فمهما اختلف الناس حول أداء الجيش فإنه يظل المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة، بينما يواجه الدعم السريع اتهامات موثقة بارتكاب انتهاكات واسعة ضد المدنيين.
تجاهل هذا الفارق ليس حياداً ،وإنما إعادة صياغة للمشهد بما يناسب الرؤية الأمريكية.
ثم يأتي الحديث عن شبكات السلاح والمقاتلين الأجانب لكن أين كانت واشنطن طوال الفترة الماضية؟ وهل اكتشفت هذه الشبكات اليوم فقط؟ إذا كانت تملك المعلومات فلماذا تُركت الحرب حتى بلغت هذا المستوى من الدمار؟ وإذا لم تكن تعلم فذلك يطرح سؤالاً آخر عن كفاءة السياسة التي تدعي اليوم أنها تقود جهود السلام
أما حظر شركات الطيران السودانية فهو قرار يصعب العثور على علاقة منطقية بينه وبين حماية المدنيين، فالذي سيدفع الثمن ليس قادة الحرب، وإنما دولة تدفع تدريجياً نحو مزيد من العزلة وشعب أصبح يدفع فاتورة الحرب والعقوبات معا الحقيقة التي لا تريد القوى الكبرى الاعتراف بها هي أن العقوبات أصبحت في كثير من الأحيان أداة لإظهار الموقف السياسي أكثر من كونها وسيلة لحل الأزمات فهي تمنح صانع القرار في واشنطن شعوراً بأنه فعل شيئا لكنها نادراً ما تغيّر سلوك الأطراف المسلحة، بل قد تمنحها ذرائع إضافية للاستمرار المؤسف أن الولايات المتحدة تتحدث كثيراً عن إنهاء الدعم الخارجي للحرب بينما يلاحظ العالم صمتاً أو تردداً عندما يتعلق الأمر بحلفاء تربطهم بها مصالح استراتيجية وهنا يظهر الوجه الحقيقي لازدواجية المعايير فالمبادئ ترفع حين تخدم السياسة وتؤجل حين تتعارض مع حسابات النفوذ إن السودان لا يحتاج إلى عقوبات جديدة بقدر ما يحتاج إلى إرادة دولية صادقة توقف تدفق السلاح وتلزم جميع الأطراف الإقليمية باحترام سيادته وتدفع نحو تسوية عادلة لا تفرق بين دم سوداني وآخر أما سياسة العصا وحدها فقد جربت في أكثر من مكان ولم تنتج سلاماً، بل أورثت الشعوب مزيدا من الفقر والخراب وفي السياسة كما في التاريخ فان قيمة القرارات لاتكون بحجم الضجيج الذي يرافق إعلانها وإنما بقدرتها على تغيير الواقع وحتى الآن لم تثبت العقوبات الأمريكية أنها تنهي الحروب لكنها أثبتت مراراً أنها تثقل كاهل الشعوب بينما يظل أصحاب السلاح أكثر قدرة على التكيف من أصحاب المعاناة.


