Popular Now

وجه الحقيقة | العقود بين الشفافية والأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

من يملك مفاتيح أموال السودانيين؟ عندما تصبح البيانات المالية قضية رأي عام وسيادة وطنية .. محمد الخاتم تميم

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6121 | الضرر: يتحدثون عن جبره ولكن ..

من يملك مفاتيح أموال السودانيين؟ عندما تصبح البيانات المالية قضية رأي عام وسيادة وطنية .. محمد الخاتم تميم

في مقالي السابق، حاولت أن أتناول الجدل الذي أثير حول منح إحدى الشركات الخاصة رخصة للعمل كمحول للمعاملات المالية، موضحاً طبيعة هذه الرخصة، والفرق بين المحولات الخاصة والبنية التحتية القومية التي تديرها الدولة. وكان هدفي آنذاك تصحيح بعض المفاهيم الفنية التي اختلطت على كثير من المتابعين، بعيداً عن التهويل أو التهوين.

غير أن التفاعل الواسع الذي صاحب المقال، وما أثاره عدد من الزملاء والمهتمين من أسئلة عميقة، أقنعني بأن القضية لم تعد قضية تقنية يقتصر فهمها على المختصين، بل أصبحت قضية رأي عام، لأنها تمس المواطن السوداني في أكثر ما يملكه خصوصية: ماله، وبياناته، وثقته في مؤسسات الدولة.

فلنتخيل مواطناً بسيطاً يتلقى راتبه عبر تطبيق مصرفي، أو مغترباً يرسل جزءاً من دخله إلى أسرته في السودان، أو تاجراً صغيراً يسدد قيمة بضاعته إلكترونياً، أو مزارعاً يقبض ثمن محصوله عبر الهاتف. بالنسبة لكل هؤلاء، تبدو العملية في غاية البساطة؛ رسالة قصيرة تؤكد أن التحويل تم بنجاح. لكن خلف هذه الرسالة رحلة رقمية معقدة، تنتقل خلالها معلومات لا تقل أهمية عن الأموال نفسها. فهذه البيانات لا تخبر فقط بأن مبلغاً مالياً انتقل من حساب إلى آخر، بل ترسم صورة دقيقة عن حياة الناس: كيف يكسبون، وأين ينفقون، ومن يساعدهم، ومن يعتمدون عليه، وما إذا كانوا يعيشون في سعة أو ضيق.

لهذا السبب، لم تعد البيانات المالية مجرد شأن مصرفي، بل أصبحت جزءاً من مفهوم الأمن القومي في الدولة الحديثة.

من هنا، أعتقد أن النقاش الدائر ينبغي ألا ينحصر في اسم شركة، أو في الأشخاص القائمين عليها، أو في الجدل الذي دار على منصات التواصل الاجتماعي. فالشركات قد تتغير، والأشخاص يأتون ويذهبون، أما المؤسسات والسياسات العامة فهي التي تبقى، وهي التي ينبغي أن تخضع للنقاش الموضوعي.

لقد أصدر بنك السودان المركزي بياناً أوضح فيه أن منح الترخيص لا يمنح أي جهة حقاً تلقائياً في تشغيل خدماتها أو الربط مع المصارف، وأن أي تشغيل فعلي لن يتم إلا بعد استكمال الاشتراطات الفنية والتنظيمية والحصول على موافقة البنك المركزي. وأرى أن هذا البيان كان مهماً، لأنه أعاد التأكيد على أن السلطة التنظيمية ما تزال في يد الدولة، وأن منح الترخيص لا يعني التخلي عن الرقابة.

لكن البيان، على أهميته، لا يغلق باب الأسئلة المشروعة، بل ربما يفتحه بصورة أكثر نضجاً.

فالتحول الرقمي الذي يشهده العالم حقيقة لا يمكن تجاهلها، والسودان ليس استثناءً. وليس من الحكمة أن نقف موقف الرافض لكل جديد، أو أن ننظر إلى شركات التكنولوجيا المالية باعتبارها خطراً في ذاتها. فالابتكار، والمنافسة، والشراكات التقنية، كلها أدوات يمكن أن تسهم في تطوير القطاع المالي، وتوسيع الشمول المالي، وتحسين جودة الخدمات.

غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل نريد التحول الرقمي؟
بل السؤال هو: كيف نحقق هذا التحول دون أن نفرط في سيادتنا الرقمية؟

لقد تغير مفهوم السيادة في القرن الحادي والعشرين. فلم تعد الدولة تقاس فقط بحدودها الجغرافية أو بقوتها العسكرية أو باحتياطياتها النقدية، وإنما أيضاً بقدرتها على إدارة بياناتها الوطنية، وحماية بنيتها الرقمية، والتحكم في المفاصل الحيوية لاقتصادها.
ولذلك، فإن امتلاك الدولة للرؤية والإشراف على البنية الأساسية للمدفوعات لا يقل أهمية عن إشرافها على إصدار العملة أو إدارة الاحتياطي النقدي.

وليس المقصود من ذلك أن تحتكر الدولة كل خدمة أو تمنع القطاع الخاص من المشاركة، فالتجارب الدولية الناجحة تثبت أن القطاع الخاص شريك مهم في الابتكار. لكن هذه التجارب نفسها تؤكد أن البنية السيادية التي تمر عبرها المدفوعات، والبيانات، والتسويات النهائية، تظل خاضعة لرقابة الدولة وإشرافها المباشر، حتى عندما يشارك القطاع الخاص في تقديم الخدمات.

وفي هذا السياق، يبرز سؤال آخر أراه مشروعاً، ولا يحمل في طياته اتهاماً لأحد: هل دُرست جميع البدائل المؤسسية قبل منح هذه الرخصة؟
فهل جرى تقييم إمكانية تطوير المنظومة الوطنية القائمة، والاستفادة من الخبرات المتراكمة التي راكمتها شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية (EBS) خلال أكثر من ربع قرن؟ وهل نوقشت خيارات أخرى، مثل توسيع الشراكات الوطنية أو طرح منافسة أكثر اتساعاً بين الشركات المؤهلة؟ وما هي المعايير التي رجحت هذا الخيار على غيره؟
الإجابة الواضحة عن هذه الأسئلة لا تضعف القرار، بل تمنحه مزيداً من الشرعية والثقة.

كما يبرز سؤال آخر لا يقل أهمية: إذا كانت هناك شراكات تقنية مع شركات خارج السودان، فما هو نطاق هذه الشراكات؟ وهل تقتصر على تطوير البرمجيات، أم تمتد إلى إدارة بعض مكونات المنظومة؟ وأين تُستضاف البيانات؟ وتحت أي ولاية قانونية تخضع؟ ومن يملك مفاتيح التشفير؟ وما هي الضمانات التي تكفل بقاء السيطرة الكاملة على البيانات الوطنية في يد المؤسسات السودانية؟

هذه ليست أسئلة ترف فكري، ولا تعكس رفضاً للتعاون الدولي، وإنما هي أسئلة تفرضها طبيعة المرحلة التي يعيشها السودان، فنحن لسنا في ظروف اعتيادية، نحن في بلد يخوض حرباً؛ ويواجه تحديات تمس مؤسساته وبنيته التحتية ويحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى تحصين موارده المادية والرقمية معاً.

وفي مثل هذه الظروف، يصبح من المشروع أن يتساءل المواطن: هل لدينا من الضمانات ما يكفل ألا تتحول البيانات المالية إلى نقطة ضعف يمكن استغلالها مستقبلاً؟ وهل تكفي الضمانات القانونية والفنية القائمة لحماية هذا المورد الاستراتيجي؟

وأعتقد أن هذه الأسئلة لا ينبغي أن تُفهم على أنها تشكيك في مؤسسة أو شركة، بل ينبغي النظر إليها باعتبارها جزءاً من ثقافة الحوكمة الرشيدة التي تقوم على الشفافية والمساءلة والإفصاح.

لقد علّمتنا التجارب أن الثقة لا تُبنى بالتصريحات وحدها، وإنما تبنى عندما يشعر المواطن أن المؤسسات العامة لا تكتفي باتخاذ القرار الصحيح، بل تشرح أيضاً لماذا اتخذته، وما هي البدائل التي درستها، وكيف ستراقب تنفيذه، وما هي الضمانات التي تحمي المصلحة العامة.

وربما تكون هذه هي الرسالة الأهم التي أود أن أختتم بها.

إن التحول الرقمي ليس خصماً للسيادة الوطنية، بل يمكن أن يكون أحد أهم أدوات تعزيزها، إذا تأسس على قواعد مؤسسية واضحة، وعلى شراكات شفافة، وعلى رقابة فعالة وعلى تشريعات تحمي البيانات الوطنية.

وقد نختلف في تقييم هذه الرخصة أو تلك، وقد نختلف في تقدير هذا الخيار أو غيره، لكن ما ينبغي ألا نختلف عليه هو أن البيانات المالية للمواطنين ليست مجرد أرقام تتحرك بين الخوادم، بل هي جزء من ذاكرة الوطن الاقتصادية، وصونها مسؤولية وطنية مشتركة.

فالسيادة في عصرنا لم تعد تقتصر على حماية الحدود، بل أصبحت تشمل أيضاً حماية البيانات، لأنها تكشف، في نهاية المطاف، كيف نعيش، وكيف ننتج، وكيف ننفق وكيف نبني مستقبلنا.

المقالة السابقة

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6121 | الضرر: يتحدثون عن جبره ولكن ..

المقالة التالية

وجه الحقيقة | العقود بين الشفافية والأمن القومي .. إبراهيم شقلاوي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *