Popular Now

عندما تصبح البيانات سيادة … الدرس الذي يجب ألا نضيعه .. د. محمد الخاتم تميم

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6125 | ما المطلوب من الحكومة فعله إذا كانت المطالب مشروعة لكنها مستحيلة التنفيذ حالياً؟

حين يتحول الجدل إلى معركة .. روايات السودان بين خطابين لا يلتقيان .. هشام محمود سليمان

جلسة مجلس الأمن 10184 و الأبيض: كيف تُصنع الحملة الإعلامية و تُدار الضغوط على السودان (٢–٢) د. خالد حسين محمد

في الحلقة السابقة تناولنا مؤشرات التآمر على السودان من خلال التنسيق بين غرف العمالة في أبوظبي والمؤسسات الدولية والإقليمية في الحملة الإعلامية حول الأبيض، وذلك من خلال ما دار في جلسة مجلس الأمن رقم 10184، مقارنة بتعامل المجلس مع الفاشر.

وما يعزز فرضية التآمر في الحملة الإعلامية حول الأبيض هو كلمة مندوب الولايات المتحدة في مجلس الأمن، إلى جانب العقوبات الأمريكية التي تزامنت مع هذه الحملة.

ويكشف مضمون الكلمة الأمريكية عن دعم مبطن ومغلّف لقوات الدعم السريع، ويتضح ذلك من خلال تبني مقاربة مزدوجة للحرب في السودان؛ إذ يدين المندوب الأمريكي قوات الدعم السريع لارتكابها جرائم جسيمة تصل إلى حد الإبادة، وفي الوقت نفسه يتهم الجيش السوداني باستخدام أسلحة كيميائية من دون أن يقدم دليلًا واحدًا يدعم هذا الاتهام، ثم يفرض عقوبات على الجيش السوداني استنادًا إلى هذه المزاعم.

وفي الإطار نفسه، ساوى الخطاب الأمريكي بين الجيش والدعم السريع في استخدام المسيّرات، وفي الغارات التي تستهدف قوافل الإغاثة والمواقع المدنية، مع علمه الكامل بأن استخدام الجيش للمسيّرات يستهدف المواقع العسكرية للدعم السريع، بينما تستهدف مسيّرات الدعم السريع المدنيين والبنى التحتية المدنية. كما يعلم تمامًا أن من يستهدف قوافل الإغاثة هو الدعم السريع.

مرتكزات الموقف الأمريكي

يقوم الموقف الأمريكي ،كما صاغه بولس، على عدة مرتكزات تتسق مع هذا الدعم المبطن للمليشيا.

هدنة شاملة
المرتكز الأول هو الدعوة إلى هدنة إنسانية على مستوى السودان كله، مع العلم أن المناطق التي يسيطر عليها الجيش ينزح إليها المدنيون، بخلاف مناطق الدعم السريع التي ينزح منها المواطنون.

العقوبات وحظر السلاح
المرتكز الثاني هو توسيع أدوات الإكراه عبر العقوبات وحظر السلاح على السودان كله. وواضح أن المقصود من ذلك هو منع الجيش السوداني من الحصول على السلاح، لأن الدعم السريع لا وجود له إلا في دارفور وبعض مناطق كردفان، وهي مشمولة أصلًا بحظر السلاح.

المسار المدني
المرتكز الثالث هو الدفع نحو مسار مدني مستقل، ووضع الأساس لعملية انتقال ديمقراطي مدني بقيادة مدنية، بما يفضي إلى سلام دائم واستعادة الحكم المدني. ووفق هذا المرتكز يتم استخدام بندقية حميدتي، باعتبار أن ما جرى في السودان هو انقلاب على حكومة مدنية، وبالتالي عدم الاعتراف بالحكومة الحالية، والإصرار على عودة حمدوك.

ويأتي ضمن هذا الانتقال المدني الذي يريده بولس، ومن ثم الولايات المتحدة، إبعاد ما يسميه بمحاولات الشبكات الإسلامية أو أي حركة سياسية متطرفة للتلاعب بهذا النزاع أو تعطيل الانتقال المدني أو إعادة فرض السيطرة السلطوية، وهي أمور قال إن الولايات المتحدة لن تتسامح معها.

وعندما يستجيب الإسلاميون لدعوة الاستنفار للدفاع عن وطنهم، يصبح إبعادهم من المسار المدني جزءًا من المفهوم الأمريكي للديمقراطية.

رسائل واشنطن

من خلال كلمة مسعد بولس، أرادت الولايات المتحدة إرسال عدة رسائل، بعضها مباشر وبعضها ضمني.

الضغط على الجيش
الرسالة الأولى هي السعي إلى تسوية عبر الضغط على الجيش، لأنها هي من تحرك الدعم السريع، وسوف ينصاع لها عبر إصدار التعليمات إلى الإمارات إذا أرادت.

ورقة الأسلحة الكيميائية
الرسالة الثانية أن ملف الأسلحة الكيميائية لن يُغلق، بل سيظل أداة للعقاب والعزل حتى يستجيب الجيش للمطلوبات الأمريكية.

وقف الحسم العسكري
الرسالة الثالثة أنها تريد سحب ملف السودان من منطق الحسم العسكري، تحت دعوى أن أياً من الطرفين لا يستطيع حسم الحرب عسكريًا، مع أنها تعلم مقدرة الجيش، وقد أثبت ذلك عمليًا. وما هذا الضجيج إلا محاولة لإيقاف هزيمة الدعم السريع.

تعريف جديد للشرعية
الرسالة الرابعة أن الشرعية ليست لمن يسيطر على الأرض، بل لمن يقبل بالهدنة والرقابة والانتقال المدني والاصطفاف مع المبادئ الغربية في الحكم.

منع انتصار الجيش
الرسالة الخامسة أنها تسعى إلى إعادة هندسة موازين الحرب سياسيًا ودوليًا بما يمنع انتصارًا حاسمًا للجيش، ويدفع نحو تسوية تتيح مركز شرعية مدنيًا مقبولًا أمريكيًا تحت رعاية دولية وإقليمية.

لماذا استُهدفت الصناعات الدفاعية؟

جاء التزامن مع العقوبات الأمريكية التي استهدفت منظومة الصناعات الدفاعية السودانية، بما يكشف أن المقصود هو تفكيك مؤسسات الدولة السودانية. فهذا السلوك يمثل محاولة مكشوفة للانحياز إلى المليشيا، كما أن هذا الاستهداف موجّه لضرب قدرة الجيش السوداني، لأن المنظومة تؤدي دورًا محوريًا في تجهيز القوات المسلحة لمواجهة العدوان.

وبذلك تهدف هذه العقوبات إلى شل قدرة القوات المسلحة على الصمود عبر قطع خطوط إمداد الجيش وخنقه، بما يؤدي إلى ترجيح كفة التمرد المدعوم إماراتيًا، ثم إعادة تشكيل ميزان القوى.

دلالات الانحياز

يشير هذا الموقف الأمريكي إلى انحياز مغلف للدعم السريع، وقد أكد ذلك الباحث الأمريكي ورجل المخابرات السابق كاميرون هدسون، إذ قال إن الإجراءات والعقوبات التي اتخذتها الولايات المتحدة ضد الشركات التابعة للجيش تمنح الجيش السوداني قناعة راسخة بأن الولايات المتحدة لم تعد وسيطًا محايدًا، بل طرفًا يُظهر موقفًا منحازًا في النزاع.

وقال أيضًا إن هذه العقوبات تعاني من خلل استراتيجي آخر، لأنها تركز بصورة مفرطة على الجهات المشترية للسلاح، وتتجاهل تمامًا الدول التي تقوم بتوريده. وبدلًا من الضغط على الداعمين الإقليميين للنزاع، تكتفي واشنطن بإجراءات تزيد من تعقيد المشهد السياسي وتضعف فرص التسوية السياسية.

ورجح أن تكون هذه العقوبات قد أُعدّت لتتزامن مع جلسة مجلس الأمن، لتصبح ورقة ضغط يستخدمها مسعد بولس في كلمته أمام المجلس، وهو ما حدث فعلًا. وأضاف أن هذه العقوبات تنسف الجسور بين أطراف النزاع، ولن يجد الجيش فيها سوى دافع إضافي للتمسك بخيار الحسم العسكري، بدلًا من الجلوس إلى طاولة المفاوضات التي يراها ملوثة بالانحياز الأمريكي.

الخلفية الجيوسياسية

ويشرح الكاتب التركي (أموت جاغري ساري) السبب الأساسي للانحياز الأمريكي للدعم السريع، بأنه يتمثل في أن العلاقة المالية بين واشنطن والخرطوم أصبحت خاضعة بالكامل للنفوذ الإماراتي، مما أفقد الولايات المتحدة حيادها وأبعد أي أثر إيجابي محتمل.

وبعد سلسلة القرارات المثيرة للجدل، لم يعد السودان يمتلك ترف السير في مسارات تقليدية، بل بات عليه توظيف أوراقه الاستراتيجية بوضوح تام. لذلك على السودان تفعيل ورقة المعادن في الشراكة مع الصين، وتعزيز التعاون مع روسيا عبر ورقة القواعد العسكرية.

ويقول إن موقع السودان الجيوسياسي يجعله رقمًا صعبًا في معادلة التنافس الدولي، بدلًا من أن يكون مجرد طرف متلقٍ لقرارات عقابية تخدم أجندات إقليمية تتناقض مع سيادة الدولة واستقرارها.

ماذا تستهدف الحملة حول الأبيض؟

نخلص من كل ذلك إلى أن التواطؤ الدولي والإقليمي، عبر وسائط الإعلام الإماراتية ومجلس الأمن، للترويج لسقوط الأبيض، أو عبر النداءات الموجهة إلى الدعم السريع بعدم الهجوم على الأبيض، يهدف إلى الآتي:

1. إيقاف تقدم القوات المسلحة، والحيلولة دون هزيمة الدعم السريع، لإبقائه في المعادلة السياسية، ليس رغبة فيه، وإنما لإعادة (قحت).

2. الضغط على الجيش للقبول بهدنة إنسانية، كما يلح بولس، تحت مظلة الوصول الإنساني المستدام، بما يمهد للتفاوض على وقف دائم لإطلاق النار، لأن ذلك يضمن بقاء الدعم السريع في العملية السياسية، أو يخلق بيئة لحوار وفق المفهوم الأمريكي للحوار، الذي ينتهي إلى حكم مدني يقبل الاصطفاف مع المبادئ الغربية في الحكم.

رسالة البرهان

ومما يطمئن الشعب السوداني أن الرد على ذلك جاء على لسان الفريق البرهان في مسيد الشيخ أبوقرون، في اليوم نفسه الذي انعقدت فيه جلسة مجلس الأمن، 26/6/2026م، إذ قال:

– المعركة في السودان وجودية، ونحن واثقون من الانتصار فيها.
– ليست لدينا حلول وسطية، والحل هو القضاء على التمرد.
– هذه الحرب ليست ضد الحكومة، إنما هي ضد الشعب السوداني.
– على الجميع المضي قدمًا نحو القضاء على المليشيا وإنهاء تمردها على الدولة.
– إذا لم تنتهِ الحرب بانتصار الجيش السوداني، ستعود المليشيا إلى التنكيل بالشعب.
– أي مفاوضات لا تفكك المليشيا لن ندخلها.

المقالة السابقة

السيادة أولاً… من يقرر مستقبل السودان؟ تصريحات الخارج وحدود التأثير في القرار الوطني د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الإفريقي وتحليل النزاعات

المقالة التالية

حين يتحول الجدل إلى معركة .. روايات السودان بين خطابين لا يلتقيان .. هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *