Popular Now

القراءة الأولى: الوطن لايؤجر بالتقسيط .. د. محمد عوض متولي – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (7) .. بين تراجع التعبئة وتصاعد الضغوط الدولية… هل تدخل الحرب في السودان مرحلة إعادة تشكيل الميدان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | سنار تستعيد ذاكرة الدولة .. إبراهيم شقلاوي

نظام الطيبات .. بين الرفض، التحفظ والجموح .. الصادق عبدالله أبوعيّاشة ..خبير، مستشار في السياسات العامة .. الإدارة الاستراتيجية والتنمية المستدامة

مع قصة الدكتور ضياء العوضي، استدعى البعض قصة الطبيب المجري إغناتس زيميلويس، الذي لاحظ في منتصف القرن التاسع عشر أن حمى النفاس كانت تحصد أرواح أعداد كبيرة من النساء بعد الولادة، وأن معدلات الوفيات ترتفع بصورة لافتة في الجناح الذي يعمل فيه الأطباء مقارنة بالجناح الذي تشرف عليه القابلات. ومن خلال الملاحظة الدقيقة والاستنتاج، توصل إلى أن الأطباء كانوا ينقلون العدوى من غرف تشريح الجثث إلى النساء أثناء الولادة.
أصدر زيميلويس توجيهاً بسيطاً يقضي بغسل الأيدي بمحلول مطهر قبل فحص المريضات، فانخفضت الوفيات انخفاضاً مذهلاً. غير أن فكرته قوبلت بالرفض والسخرية، لأن العلم في زمانه لم يكن قد اكتشف الجراثيم بعد، كما رفض كثير من الأطباء الاعتراف بإمكانية أن تكون أيديهم سبباً في نقل المرض والموت. وتحولت حياته إلى ما يشبه المحاكمة الفكرية والمهنية، فعانى التهميش والعزلة حتى توفي عام 1865 دون أن ينال التقدير الذي يستحقه. وبعد سنوات قليلة، أثبتت اكتشافات الجراثيم والتعقيم صحة ما توصل إليه، ليعاد الاعتبار له بوصفه «منقذ الأمهات»، ويصبح غسل اليدين أحد أعظم مبادئ الوقاية في تاريخ الطب.
استحضار هذه القصة عند الحديث عن الدكتور ضياء العوضي لا يعني بالضرورة تشابه النتائج، ولكنه يذكرنا بحقيقة مهمة، وهي أن الأفكار الجديدة كثيراً ما تواجه قدراً من الشك والمقاومة، خاصة إذا جاءت من داخل المؤسسة الطبية نفسها، أو إذا كانت تتحدى مسلمات مستقرة وتمتد آثارها إلى ما هو أبعد من غرف العلاج.
المدخل إلى نظام الطيبات
بحكم تخصصي في الزراعة واهتمامي بقضايا الأمن الغذائي، كنت أراجع مادة عن حبوب الدخن، ذلك المحصول الذي تصفه منظمات دولية بأنه غذاء واعد للمستقبل، كما ظل غذاءً أساسياً لملايين البشر في أفريقيا وآسيا. وقد عاد الاهتمام بالدخن في السنوات الأخيرة لما يتمتع به من قيمة غذائية عالية، ولكونه خالياً من مادة الجلوتين المرتبطة ببعض حالات الحساسية واضطرابات الهضم، الأمر الذي يجعله مرشحاً ليكون بديلاً مهماً للقمح في كثير من البيئات الغذائية.
وعلى امتداد الساحل الأفريقي يستهلك الدخن في صور متعددة، والأشهر صور تناوله مع الحليب واللبن الرائب، وتتمتع المجتمعات التي تعتمد عليه عموماً بمؤشرات صحية جيدة وممتازة. وبحسب متابعتي لأطروحة نظام الطيبات، فإن الدخن من الأغذية المسموح بها في النظام، بينما يعد الحليب، بوصفه مكملاً غذائياً تقليدياً له، جاء الحليب لدى العوضي في قائمة (الممنوعات). فدفعتني هذه المفارقة إلى مزيد من التدقيق في فكرته، بما في ذلك كتاب الطيبات. الذي تم إعداده بعد وفاته، وتابعت كثيراً مما كتب وقيل حول المشروع في وسائل الإعلام والوسائط الاجتماعية.
الدكتور ضياء الدين شلبي محمد العوضي (1979-2026)، رحمه الله، طبيباً لا ينقصه التأهيل العلمي ولا الخبرة العملية. فقد تخرج في كلية الطب بجامعة عين شمس بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، ثم حصل على الدكتوراه في الرعاية المركزة، وتدرج في التعليم الطبي الأكاديمي حتى درجة أستاذ مساعد.
وقد وضعه تخصصه في العناية المركزة في تماس يومي مع المرضى في حالاتهم الأكثر حرجاً، ومع مختلف التخصصات الطبية، ولا سيما أمراض الباطنية والأمراض المزمنة. وهذه البيئة المهنية تتيح للطبيب فرصاً واسعة للملاحظة والمقارنة والتأمل في استجابة المرضى للعلاج وأثر أنماط الحياة المختلفة في مسار المرض.
بجانب تخصصه وممارسته، واهتمامه بالمرضى، جاء خطابه، المفعم بالإشارات إلى القرآن الكريم والسنة النبوية والموروث الإسلامي في الغذاء، يعكس شخصية مؤمنة تنظر إلى الطب بوصفه رسالة إنسانية تتجاوز حدود الوصفة الدوائية.
ذاعت شهرة ضياء العوضي عندما خرج من فضاء العناية المركزة إلى فضاء التثقيف الصحي عبر عيادته وعبر وسائل التواصل الاجتماعي، مقدماً مشروعه الذي أسماه (نظام الطيبات)، وهو نظام غذائي وصحي، برأيه أنه يصلح لفئات عمرية واسعة (من عمر ثلاث إلى فوق السبعين). وأن نظام الطيبات يمتلك القدرة على تحسين الصحة والوقاية من كثير من الأمراض.
الإستشفاء الذاتي
يقوم نظام الطيبات، لدى العوضي، على فكرة مركزية مفادها أن الجسم البشري خُلق سليماً وقادراً على الحفاظ على صحته وإصلاح نفسه إذا توفرت له المدخلات المناسبة وابتعد عن المؤثرات الضارة. ويرى العوضي أن الجسم يمتلك قدرات ذاتية كبيرة على التكيف والتجدد والتخلص من الأضرار، وأن الإفراط في المنتجات المصنعة والمكملات الغذائية ليس شرطاً لتحقيق الصحة.
ومن هنا انطلق إلى مبدئه الأشهر: (الغذاء السليم هو الدواء). ورأى أن كثيراً من الأمراض المزمنة ترتبط ارتباطاً وثيقاً بنوعية الغذاء ونمط الحياة، وأن تعديل السلوك الغذائي يسهم في الوقاية وتحسين الحالة الصحية وتقليل الأعراض المرضية. كما دعا إلى إزالة ما يراه غذاءً ضاراً قبل إضافة ما يعتقد أنه نافع، معتبراً أن الجسم يحتاج أولاً إلى التوقف عن التعرض للمؤثرات المؤذية.
وانطلاقاً من هذا التصور، قسم العوضي الأغذية إلى (مسموحات) و(وممنوعات) فالمسموحات، في نظره، هي الأغذية الطبيعية الأقرب إلى الفطرة، السهلة الهضم والقليلة الفضلات. أما الممنوعات (الخبائث) فهي الأغذية المصنعة أو التي يرى أنها تسبب إجهاداً للقناة الهضمية أو تسهم في الالتهابات واضطرابات الهضم.
وبناءً على هذا التصنيف، أعطى مكانة خاصة للدهون الطبيعية، مثل زيت الزيتون والسمن البلدي والزبدة والقشدة الطبيعية، كما رفع من شأن اللحوم والأسماك وبعض الحبوب الكاملة وعدد من الخضروات المطبوخة. وفي المقابل، استبعد الحليب وبعض منتجات الألبان، وكذلك الطيور والبيض والبقوليات وبعض الخضروات النيئة في كثير من تطبيقات نظامه، معتبراً أنها قد تزيد الفضلات والانتفاخ واضطرابات الهضم.
كما دعا إلى تناول الطعام عند الجوع الحقيقي، وتجنب الأكل بدافع العادة أو التسلية، وعدم الوصول إلى الامتلاء المفرط، والاقتصار على وجبات بسيطة قليلة المكونات، مع تطبيق فترات من الصيام المتقطع أو الدوري. وأكد أن صحة الإنسان لا تعتمد على الغذاء وحده، وإنما تشمل كذلك الحركة اليومية والنوم الجيد والابتعاد عن التوتر وشرب الماء باعتدال.
نقد العوضي للممارسة
لكن مشروع العوضي لم يقتصر على تصنيف الأغذية، بل تجاوز ذلك إلى نقد كثير من أساليب الطبابة والتداوي المعاصرة. ليقول أن الموت والبتر والعجز مع كل الوصفات لا تزال موجودة ومتزايدة. وهو ما عرضه لانتقادات حادة من مؤسسات المهن الطبية. وفي المقابل، استقطبت أفكاره اهتماماً جماهيرياً كبيراً، وأثارت في الوقت نفسه اعتراضات مهنية واسعة.
ورأت جهات طبية ومتخصصون في التغذية أن كثيراً من أطروحاته لا تستند، حتى الآن، إلى أدلة سريرية كافية ومنشورة تثبت جميع ادعاءاته العلاجية. وكان أكثر ما أثار الجدل توصياته لبعض المرضى بتقليل الاعتماد على الأدوية والتركيز على الغذاء ونمط الحياة، ولا سيما لدى المصابين بالأمراض المزمنة.
كما أن آثار هذه الدعوة لا تقف عند حدود الممارسة الطبية، بل تمتد إلى مجتمعات الأعمال المرتبطة بصناعات الدواء والمكملات الغذائية ومنتجات الألبان والدواجن والبيض وكثير من الصناعات الغذائية. وفي ظل هذا الجدل انتهى الأمر بمحاكمته مهنياً وإلغاء ترخيص مزاولته للمهنة وإغلاق عيادته في مارس 2026.
أنصار العوضي
وفي المقابل، رأى كثير من المرضى وبعض الباحثين أن العوضي كان طبيباً استثنائياً وصاحب رؤية تستحق الدراسة الجادة. فبحسب مؤيديه، تكمن أهمية مشروعه في لفت الانتباه إلى قضايا أصبحت اليوم محل اهتمام علمي متزايد، مثل تأثير نمط الحياة في الأمراض المزمنة، وأهمية الصيام المتقطع، ودور الغذاء الطبيعي في الإستشفاء، وأثر صحة القناة الهضمية والميكروبات المعوية في صحة الإنسان. وبتناول أطعمة غير طيبة، تتعرض الأمعاء وأجهزة الجسم الباطنية للإنتفاخ والاسترجاع، والتعفن والإمساك والإلتواء والتليف وغير ذلك. ولا ينفع معها دواء.
ويرى هؤلاء المناصرون للعوضي، أنه اعتمد على اكتشافات علمية نال عليها بعض العلماء جوائز نول، مثل نظرية إلتهام الجسم الجائع للخلايا الميتة والضعيفة والتي هي عرضة للسرطنة. وأن الصيام يحرك مخزونات الجسم من كثير من المواد الركدة داخل الخلايا والانسجة. وأن القناة الهضمية تتأذى بالأغذية المصنعة والخشنة وغير المناسبة.
وبذلك أن تميز العوضي لا يكمن بالضرورة في اكتشاف هذه المفاهيم، وإنما في قدرته على قراءتها مبكراً، وربطها بالسلوك الغذائي اليومي، وتقديمها في قالب جماهيري مبسط ومتماسك. ومن ثم فإن مساهمته الأساسية، في نظرهم، تتمثل في تحويل المعارف العلمية المتخصصة إلى رسالة صحية عملية قريبة من الناس وقادرة على التأثير في الوعي العام.
ومهما اختلف الناس مع الدكتور ضياء العوضي أو اتفقوا معه، فإن ما أثاره لا يمكن تجاهله، لأنه أعاد طرح أسئلة جوهرية حول علاقة الغذاء بالصحة والمرض، وأعاد لفت الانتباه إلى أهمية الغذاء الطبيعي ونمط الحياة في الوقاية وتحسين الصحة. غير أن تاريخ الطب يعلمنا في الوقت نفسه أن الأفكار الجديدة لا تُقبل لأنها مثيرة للجدل، ولا تُرفض لأنها مخالفة للمألوف. فالفيصل في النهاية هو قوة الأدلة العلمية وقابليتها للاختبار والتكرار والتحقق المستقل.
لذلك، فإن القيمة الحقيقية لتجربة ضياء العوضي قد تكمن في أنها فتحت باباً واسعاً للنقاش والبحث، وقد تكون منطلقاً لدراسات سريرية ومنهجية مستقلة تخضع أفكاره للإثبات أو النفي. فالعلم لا يعرف الأحكام النهائية المسبقة، وإنما يعرف السؤال والاختبار والدليل. ويبقى الهدف النهائي، كما هو شأن الطب دائماً، خدمة الإنسان والارتقاء بصحته على هدى من المعرفة والبرهان.
الصادق عبدالله أبوعيّاشة
الرياض يوليو 2026

sadigabdala@gmail.com

facebook.com/elsadig.abdalla.503 linkedin.com/in/elsadig-abdalla

المقالة السابقة

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… لماذا نصدق ما نريد تصديقه؟ .. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

المقالة التالية

الأحزاب والمجتمع حكاية ظلّ يبحث عن جسد .. هشام محمود سليمان

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *