Popular Now

القراءة الأولى: الوطن لايؤجر بالتقسيط .. د. محمد عوض متولي – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (7) .. بين تراجع التعبئة وتصاعد الضغوط الدولية… هل تدخل الحرب في السودان مرحلة إعادة تشكيل الميدان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | سنار تستعيد ذاكرة الدولة .. إبراهيم شقلاوي

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (7) .. بين تراجع التعبئة وتصاعد الضغوط الدولية… هل تدخل الحرب في السودان مرحلة إعادة تشكيل الميدان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

مقدمة
تشهد الحرب في السودان تطورات متلاحقة توحي بأن مسار الصراع يدخل مرحلة تختلف عن سابقاتها. فلم تعد المواجهة تقتصر على الاشتباكات العسكرية المباشرة، بل أصبحت تشمل معركة الإرادة، واستنزاف الموارد، والتأثير في البيئة الاجتماعية، والتنافس على كسب الشرعية السياسية داخلياً وخارجياً.
وفي هذا السياق، تتقاطع عدة مؤشرات؛ من بينها التطورات الميدانية في الكرمك والأبيض، وتراجع الاستجابة لبعض دعوات التعبئة، واستمرار الجدل حول الدعم الخارجي للأطراف المتحاربة، إلى جانب تصاعد الحراك داخل مؤسسات الأمم المتحدة بشأن الأزمة الإنسانية وحماية المدنيين.
أولاً: الميدان العسكري… انتقال تدريجي إلى المبادرة
تشير التقارير المتداولة إلى إحراز القوات المسلحة السودانية تقدماً في محيط الكرمك، بالتزامن مع إعلانها إحكام السيطرة على جميع محاور القتال حول مدينة الأبيض، وهي تطورات تمنح الجيش – إذا استمرت وثبتت ميدانياً – مساحة أوسع للمبادرة بعد أشهر من المعارك الدفاعية.
ومن الناحية العسكرية، فإن تأمين الأبيض يمثل أهمية كبيرة، ليس فقط لكونها مركزاً استراتيجياً في شمال كردفان، بل لأنها تشكل عقدة مواصلات تربط وسط السودان بغربه. أما الكرمك، فإن موقعها الحدودي يمنحها بعداً أمنياً يتجاوز حدود الولاية نفسها.
ثانياً: التعبئة الشعبية… هل بدأت مؤشرات الإنهاك؟
تداولت تقارير إعلامية معلومات عن ضعف الاستجابة لبعض دعوات التعبئة والاستنفار، وهو تطور يستحق المتابعة دون التسرع في استخلاص نتائج نهائية.
فالخبرة في النزاعات الممتدة تشير إلى أن استمرار الحرب لفترات طويلة يؤدي غالباً إلى ضغوط اجتماعية واقتصادية ونفسية تؤثر في قدرة الأطراف المختلفة على المحافظة على وتيرة التعبئة نفسها التي صاحبت بدايات الصراع.
غير أن قياس هذا المتغير يحتاج إلى مؤشرات ميدانية مستقلة ومتراكمة، وليس إلى وقائع منفردة.
ثالثاً: ليبيا والحدود الغربية… ملف ما زال يثير التساؤلات
عادت بعض التقارير الإعلامية إلى الحديث عن معسكرات أو تحركات مرتبطة بقوات الدعم السريع داخل الأراضي الليبية، وهي مزاعم سبق أن ظهرت في مراحل مختلفة من الحرب.
ولا يمكن الجزم بصحة هذه المعلومات دون أدلة مستقلة، إلا أن تكرار الحديث عن الحدود الغربية يعكس حقيقة استراتيجية مهمة، وهي أن استقرار السودان يرتبط بدرجة كبيرة بأمن حدوده مع دول الجوار، وأن أي فراغ أمني في تلك المناطق ينعكس مباشرة على مسار الصراع.
ولهذا، فإن تعزيز الرقابة الحدودية والتعاون الإقليمي يظل أحد أهم متطلبات استقرار دارفور وغرب السودان.
رابعاً: الأمم المتحدة… عودة الملف السوداني إلى الواجهة
تكشف مسودات ومداولات داخل المؤسسات الدولية عن استمرار الاهتمام بالأزمة السودانية، مع تركيز متزايد على حماية المدنيين، والوصول الإنساني، واحترام القانون الدولي الإنساني.
ويعكس ذلك إدراكاً متنامياً بأن استمرار الحرب ستكون له تداعيات تتجاوز السودان إلى الإقليم بأكمله، سواء من خلال النزوح، أو تدفقات السلاح، أو تنامي المخاطر الإنسانية.
لكن التجربة السودانية خلال العامين الماضيين أوضحت أيضاً أن القرارات الدولية، مهما كانت أهميتها، تبقى محدودة الأثر إذا لم تقترن بإرادة سياسية من الأطراف المتحاربة، وآليات عملية لتنفيذها.
خامساً: الحرب الإعلامية… الصراع على الرواية
تواصل الأطراف المتحاربة خوض معركة موازية في الفضاء الإعلامي، حيث يسعى كل طرف إلى تقديم روايته للأحداث وكسب الرأي العام المحلي والدولي.
وفي ظل كثافة المعلومات المتداولة، تصبح الحاجة أكبر إلى التحقق من الأخبار، والتمييز بين البيانات الرسمية، والتقارير الصحفية، والتحليلات والمعلومات غير المؤكدة.
فالحرب الحديثة لا تُدار بالسلاح وحده، بل أصبحت الرواية الإعلامية أحد عناصر القوة والتأثير.
سادساً: هل يقترب ميزان القوى من نقطة تحول؟
إذا جُمعت المؤشرات العسكرية والسياسية والإعلامية معاً، فإنها توحي بأن الصراع يشهد تغيرات تدريجية في ميزان القوى، إلا أن الحديث عن حسم نهائي ما يزال يحتاج إلى قدر كبير من الحذر.
فالسيطرة على المدن والمحاور لا تكفي وحدها لتحقيق الاستقرار، ما لم تتبعها قدرة على إدارة المناطق المستعادة، وتأمين السكان، واستعادة مؤسسات الدولة، وفتح مسار سياسي يعالج جذور الأزمة.
ومن ثم، فإن المرحلة المقبلة قد تكون أكثر حسماً من حيث اتجاهات الحرب، لكنها ستكون أيضاً أكثر تعقيداً من حيث متطلبات تثبيت السلام.

خاتمة
تؤكد التطورات الأخيرة أن الحرب في السودان لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل أصبحت اختباراً لقدرة الدولة على استعادة المبادرة، ولقدرة المجتمع على الصمود، ولقدرة الإقليم والمجتمع الدولي على الإسهام في إنهاء النزاع دون المساس بسيادة السودان.
ويبقى الهدف النهائي هو الانتقال من إدارة الحرب إلى إدارة السلام، ومن استعادة السيطرة العسكرية إلى بناء دولة قادرة على حماية مواطنيها، وإعادة الإعمار، وترسيخ سيادة القانون.
وبقدر ما تحمل التطورات الحالية من مؤشرات على تغيرات في الميدان، فإن النجاح الحقيقي سيقاس بمدى قدرة السودانيين على تحويل هذه التحولات إلى سلام مستدام يحفظ وحدة البلاد، ويعيد الأمن والاستقرار إلى جميع أقاليمها.

المقالة السابقة

وجه الحقيقة | سنار تستعيد ذاكرة الدولة .. إبراهيم شقلاوي

المقالة التالية

القراءة الأولى: الوطن لايؤجر بالتقسيط .. د. محمد عوض متولي – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *