كأن السياسة في السودان من فرط ما طال بها السفر صارت رجلا يحمل حقيبة لا يعرف ماذا فيها ويقف كل مساء عند باب المجتمع يسأل هل ما زلت تعرفني؟
والمجتمع ذلك الكائن المتعب يرفع رأسه قليلا يتأمله طويلا ثم يقول في شيء من الحيرة أأنت الذي وعدتني أن تصنع لي وطنا يشبه الحلم؟ أم أنك مجرد ظلّ للحلم نفسه؟ هكذا بدأت الحكاية ولا تزال لم تنته
الأحزاب في السودان ليست شجرة واحدة بل غابة من الأشجار المتجاورة التي لا تتشابك جذورها بقدر ما تتزاحم فروعها في السماء كل شجرة تقول للأخرى الظل لي بينما الأرض العطشى لا يهمها من يملك الظل بل من يملك الماء وفي هذه الغابة ولدت السياسة قبل أن يكتمل معنى ( الدولة ) في وعي الناس ولذلك بدت الأحزاب في كثير من اللحظات كأنها تتكلم لغة أعلى من قدرة الواقع على الفهم أو أقل من حاجة الواقع إلى الفعل ومع ذلك لا يجوز أن نقسو على الذاكرة فقد كانت هناك لحظات ولو قصيرة بدا فيها أن للأحزاب قلبا نابضا حين ارتفع صوت الاستقلال كان للمجتمع أذن تصغي وكان للحلم يد تدفع الباب المغلق وحين ضاق الناس بالاستبداد كانت الأحزاب على ضعفها وتنازعها تقول شيئا يشبه ( لا) لكن المشكلة ليست في لحظة القول بل في لحظة الفعل
المجتمع لا يعيش على البلاغة وهو لا يطلب خطيبا بارعا بقدر ما يطلب خبزا لا يتأخر وكرامة لا تستأذن وطريقا لا ينقطع في موسم المطر وهنا بدأت المسافة تتسع شيئاً فشيئا بين الحزب والمجتمع
الحزب يتكلم عن ( المشروع الوطني ) والمجتمع يسأل عن ( مشروع الكهرباء )
الحزب يناقش ( التحول الديمقراطي ) والمواطن يناقش ( تحول سعر الوقود )
حتى صار كل طرف يعيش في جملة مختلفة من نفس اللغه ولعل أعجب ما في هذه الحكاية أن الأحزاب حين تدخل السلطة تتحول من حلم معارض إلى واقع مرهق وكأنها تفقد في لحظة واحدة خفة الفكرة وثقل المسؤولية معا وحين تخرج منها تعود أكثر جمالا في الخطاب وأقل قدرة على الفعل كأننا أمام ممثل بارع على خشبة المسرح لكنه كلما نزل إلى الحياة الحقيقية نسي نصه ونسي الجمهور ونسي حتى سبب الوقوف على الخشبة ومع ذلك لا يمكن إغلاق الباب فالمجتمع بلا أحزاب كجسد بلا مفاصل والأحزاب والمجتمع حين يخطئ كلّ في حقّ الآخر باسم الوطن
كأنّ السياسة في السودان ليست فن إدارة الممكن بل فنّ تأجيل المستحيل
تتبدّل الوجوه وتبقى الأسئلة معلّقة على باب الوطن كثوب لم يجف بعد من مطر قديم والأحزاب في هذه المسرحية الطويلة لا تبدو ككتلة واحدة بل كجوقة من الأصوات التي تتنازع على اللحن نفسه دون أن تتفق على معنى النشيد أما المجتمع فهو ذلك الكائن الهادئ ظاهريا الصاخب داخليا الذي يتقن الشكوى أكثر مما يتقن التنظيم ويتقن انتظار الدولة أكثر مما يتقن صناعتها لقد قدمت الأحزاب للمجتمع شيئا لا ينكر قدّمت له فكرة السياسة نفسها فكرة أن السلطة ليست قدرا أبديا وأن الحاكم ليس ظلا مقدسا على الجدار لكنها في المقابل لم تستطع أن تمنح هذه الفكرة جسدا صالحا للحياة
فبقيت الديمقراطية عندنا فكرة جميلة في الخطب متعبة في الواقع كزهرةٍ تزرع في صخر ثم نلومها لأنها لم تزهر غير أن الإنصاف يقتضي أن نلتفت إلى الوجه الآخر من المرآة فالمجتمع ذاته ليس بريئا تماما من هذا التعثر التاريخي
لقد أراد دولة حديثة لكنه ظلّ يطلبها بأدوات قديمة يريد مؤسسات لكنه يمنح ولاءه للأشخاص يريد عدالة لكنه كثيرا ما يصمت حين تختبر العدالة في دائرة قريبة من انتمائه ويريد إصلاحا سريعا لكنه لا يحتمل كلفته البطيئة إنه مجتمع يشتكي من ضعف الدولة ثم يشارك من حيث لا يشعرفي إعادة إنتاج ضعفها ومن أخطاء المجتمع أيضا أنه تعامل مع السياسة أحيانا كأنها موسم عاطفي يشتد الحماس يعلو التصفيق ثم ينكسر كل شيء عند أول خيبة فيتحول الإيمان إلى سخرية والسخرية إلى انسحاب والانسحاب إلى فراغ تملؤه القوى الأكثر صلابة لا الأكثر حكمة وهكذا لا تبنى الدول في المقابل لم تتقن الأحزاب السودانية تحويل المجتمع إلى شريك واعٍ بل كثيرا ما اكتفت باستدعائه وقت الحاجة كأنّه جمهورٌ في مسرح لا صاحب مسرح فنشأ بين الطرفين سوء فهمٍ تاريخي الأحزاب تتوقع من المجتمع صبرا سياسياً عميقاً
والمجتمع يتوقع من الأحزاب نتائج فورية كأن السياسة قرار إداري لا صراع إرادات
وفي المسافة بين التوقعين ضاع الوطن أكثر من مرة ثم جاءت الانقسامات لا كأحداث تمر سريعا بل كعادة سياسية مستقرة كل حزبٍ صغير يلد حزبه الأصغر وكل خلافٍ يتحول إلى راية وكل رايةٍ تبحث عن جمهور حتى لو كان ذلك على حساب الفكرة ذاتها حتى بدا المشهد أحيانا وكأننا لا نبني مشروع دولة بل نعيد تفكيك فكرة الدولة نفسها قطعة قطعة باسم الاختلاف المشروع ومع ذلك ليس في الأمر إدانة نهائية لأحد فالأحزاب بدون مجتمعٍ واع تتحول إلى نخبة تتحدث مع نفسها
والمجتمع بدون أحزاب قوية يتحول إلى جسد بلا تنظيم تتنازعه الغرائز أكثر مما تقوده الرؤية إنهما في النهاية وجهان لمرآة واحدة حتى لو تظاهرا بالافتراق لكن السؤال الذي يتسلل من بين كل هذا الضجيج يظل قائما هادئا مزعجا في هدوئه هل نريد دولة تُدار بالانفعال أم تبنى بالعقل؟ فإن كان الجواب هو الثاني فلابد أن يعيد المجتمع النظر في طريقته في الفعل والضغط والمساءلة ولابد أن تعيد الأحزاب النظر في طريقة فهمها للناس لا كجمهور بل كشركاء وحين يحدث ذلك لن نحتاج إلى خطب طويلة عن الوطن لأن الوطن حينها لن يكون فكرة تقال بل واقعا يرى ويعاش ويحترم ليست في وجود الأحزاب بل في أن كل طرف ما زال يبحث عن الآخر كأنه لم يولد بعد ولعل السؤال الحقيقي ليسج ماذا قدمت الأحزاب للمجتمع؟ بل متى يتوقف كل طرف عن انتظار الآخر ويبدأ في الاعتراف بأنه جزء من نفس الحكاية ؟ عندها فقط لن تكون السياسة مرآة مشروخة بل نافذة مفتوحة يدخل منها هواء البلاد دون استئذان
الأحزاب والمجتمع حكاية ظلّ يبحث عن جسد .. هشام محمود سليمان
المقالة السابقة


