Popular Now

القراءة الأولى: الوطن لايؤجر بالتقسيط .. د. محمد عوض متولي – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (7) .. بين تراجع التعبئة وتصاعد الضغوط الدولية… هل تدخل الحرب في السودان مرحلة إعادة تشكيل الميدان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

وجه الحقيقة | سنار تستعيد ذاكرة الدولة .. إبراهيم شقلاوي

القراءة الأولى: الوطن لايؤجر بالتقسيط .. د. محمد عوض متولي – مركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الازمات

في لحظة فارقة، قرر بنك السودان المركزي إلغاء التصديق الممنوح لشركة (العسجد للحلول الذكية والرقمية) لمزاولة نشاط محول المعاملات المالية. القرار لا يشبه قراراً إدارياً يمر في ملف ثم يُنسى. هو قرار سيادي يضع اليد على الجرح قبل أن ينزف. لأنه ببساطة أوقف محاولة لاستئجار جزء من السيادة المالية في بلد يعيش على شفا معادلة اسمها الصفر الكبير.

الصفر الكبير تعني أن الإيراد السيادي للدولة لا يتجاوز مائة وثمانين مليون دولار في السنة، بينما تبلغ كلفة تشغيل الدولة أربعة مليارات وستمائة مليون دولار. في هذا الميزان الهش، أي خطأ في إدارة البنية النقدية لا يسبب أزمة، بل يسبب انهياراً بلا طلقة واحدة.

لنبدأ بالأرقام لأنها وحدها تفضح حجم الخطر. نشرة بنك السودان المركزي لشهر مايو 2026م تقول إن المعاملات عبر المحافظ الإلكترونية بلغت مائتين وستة وستين مليون دولار شهرياً، أي ثلاثة مليارات ومائتي مليون دولار سنوياً. هذا الرقم يساوي ثمانية عشر ضعف الإيراد السيادي للدولة.

تخيل أن تدفقاً بهذا الحجم يُدار عبر محول خاص لا يخضع لخصم ضريبي آلي. التحليل الفني يشير إلى أن غياب خصم اثنين بالمائة على التحويلات التي تتجاوز خمسين ألف جنيه كان سيهرب من وعاء الجباية ستة وأربعين مليون دولار سنوياً على الأقل. وهذا المبلغ وحده يساوي ربع الإيراد السيادي الفعلي. كان هذا يعني عملياً تسليم مفاتيح الخزينة إلى جهة خارج جهاز الدولة، وترك الباب مفتوحاً أمام احتكار رسوم التحويل مستقبلاً دون سقف رقابي. قرار الإلغاء أغلق نافذة نزيف سيادي كانت وشيكة، وحمى الجنيه والمواطن معاً.

لكن الخطر لم يكن مالياً فقط. كان سعرياً أيضاً. الفجوة بين السعر الرسمي للدولار ستمائة وعشرون جنيهاً، والسعر الموازي الذي تجاوز خمسة آلاف جنيه، خلقت فارقاً يتجاوز ثمانية أضعاف. أي محول خاص لا يخضع لسيطرة بنك السودان الكاملة كان سيتحول تلقائياً إلى مرجعية تسعير للسوق الموازي. من يملك بيانات التحويل اللحظية يملك توقعات السوق، ومن يملك التوقعات يستطيع أن يخلق أزمة سيولة مصطنعة أو فائضاً وهمياً بضغطة زر. التجارب العالمية أثبتت أن احتكار البيانات المالية يتحول سريعاً إلى احتكار القرار الاقتصادي. قرار الإلغاء أحبط محاولة تأسيس دولة داخل الدولة تملك زر السيولة.

ويزيد الأمر خطورة البعد السيبراني. شركة العسجد وقعت اتفاق تعاون مع شركة مصرية هي بنك إن بوكس لبناء محول مركزي سوداني. السؤال هنا ليس تجارياً، بل سيادي بالكامل. أين ستُستضاف الخوادم؟ أين يوجد الكود المصدري؟ وأين تُحفظ النسخ الاحتياطية؟ من يملك الخادم يملك القدرة على تجميد حساب وزارة أو بنك أو ولاية بضغطة واحدة. تركيز كل المدفوعات في جهة خاصة واحدة يرفع معامل الهشاشة السيبرانية إلى مستويات حرجة، واختراق واحد يعني تسريب بيانات ملايين العملاء وانهيار الثقة في النظام المصرفي كله.

العالم أعطانا أمثلة قاسية. أمازون أوقفت برنامج إقراضها الداخلي بقيمة مائة وأربعين مليار دولار فجأة في 2024م. فما بالك بدولة تعيش معادلة الصفر الكبير؟ لا دولة محترمة تمنح رخصة محول قومي قبل أن تصدر قانوناً لحماية البيانات السيادية يحدد مكان الاستضافة وملكية الكود. تجربة الهند مع UPI وتجربة روسيا مع MIR تؤكدان أن السيادة الرقمية تبدأ بتشريع، لا بتصديق.

وهنا يبرز سؤال منطقي. لماذا لم نعالج EBS بدل أن نستبدلها؟ ديوان الخدمة المدنية رصد هجرة أربعة آلاف ومائتي كادر مالي ومحاسبي خلال عامين. هذا النزيف أضعف القدرة الداخلية على بناء محول وطني. كان المنطق الاقتصادي السليم يقول نعالج شركة الخدمات المصرفية الإلكترونية EBS، الذراع التقني لبنك السودان منذ 1999م، بدل أن نستبدلها بشركة خاصة هدفها الربح. التحليل المالي المقارن يبين أن تكلفة إعادة تأهيل EBS وتحديث بنيتها تتراوح بين أربعين وستين مليون دولار. وهذا المبلغ أقل من واحد ونصف بالمائة من حجم التدفق السنوي عبر المحول. كلفة سيادية مقبولة تماماً مقابل تفادي رهن تقني قد تصل فاتورة فكه مستقبلاً إلى مئات الملايين، أو إلى توقف كامل للخدمة في لحظة حرجة.

بعد هذا التشريح، تبقى ثلاث سيناريوهات فقط. الأول هو العودة إلى نقطة الصفر. إلغاء الرخصة دون بديل جاهز قد يدفع المواطنين إلى المحافظ الأجنبية وينهي التجارة الرقمية المحلية. الثاني هو إعادة الهيكلة الذكية. تحويل العسجد إلى مشغل من الباطن تحت مظلة EBS وبنك السودان، بعقد محدد المدة وسقف ربح ومراقبة فنية مباشرة، مع إلزامية استضافة البيانات داخل السودان فقط. هذا السيناريو يحقق التوازن بين الشمولية والسيادة. الثالث هو التأميم الكامل. إسناد المحول حصرياً إلى EBS. خيار سيادي صرف لكنه يحتاج تمويلاً عاجلاً واستقطاب كفاءات هربت من السوق.

أما التوصيات فهي واضحة ومباشرة. على بنك السودان المركزي أن ينشر معايير منح التراخيص كاملة للرأي العام، وأن يفرض خصماً آلياً بنسبة اثنين بالمائة على كل تحويل فوق خمسين ألف جنيه لصالح الخزينة العامة. وعلى مجلس السيادة الانتقالي أن يصدر مرسوماً يصنف المحول المالي كبنية تحتية حيوية للأمن القومي، ويحظر استضافة بياناته خارج السودان، ويقر قانون حماية البيانات السيادية فوراً. وعلى النائب العام أن يصدر قراراً يجرّم التحويل خارج المحول الوطني فوق مائة ألف جنيه باعتباره تهديداً للأمن القومي. أما التنفيذ فيقع على عاتق EBS كمشغل وطني رئيسي، وعلى غرفة عمليات للأمن الاقتصادي الرقمي السوداني يجب إنشاؤها فوراً. ترتبط بالمحول لحظياً وترفع تقريراً أسبوعياً لمجلس السيادة.

في الختام، إلغاء تصديق العسجد ليس تراجعاً عن الشمول المالي. هو حماية للشمول من فخ الاستئجار. السودان لا يحتاج إلى محول أسرع فقط، بل إلى محول أملك. محول يعمل للخزينة العامة لا للربح الخاص. محول يعمل للجنيه السوداني لا للدولار الموازي. محول يعمل للأمن القومي السوداني لا للبيانات الأجنبية.

القاعدة الذهبية واضحة. من يملك المحول يملك القرار. ومن يملك القرار في زمن الصفر الكبير يملك مصير الوطن. التاريخ لن يسأل هل كانت المنصة سريعة. سيسأل من كان يمسك بزرها يوم انهار الجنيه.

جاء قرار بنك السودان ليؤكد حقيقة واحدة: الوطن لا يؤجر بالتقسيط.

المقالة السابقة

سلسلة: السودان بعد الخرطوم… معركة دارفور وإعادة تشكيل الدولة (7) .. بين تراجع التعبئة وتصاعد الضغوط الدولية… هل تدخل الحرب في السودان مرحلة إعادة تشكيل الميدان؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود .. أستاذ مساعد – باحث متخصص في الشأن الأفريقي وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *