Popular Now

وجه الحقيقة | بين المنامة والقاهرة… كيف يُهندس المشهد؟ .. إبراهيم شقلاوي

الخرطوم عادت والسودان عاد قوياً ولكن هناك بثور وطفح و أذى لا بد من المعالجة الفورية .. د. بابكر عبدالله محمد علي

حين انتصر التلاميذ لمعلمهم.. المجتمع الذي سبق الدولة .. هشام محمود سليمان

وجه الحقيقة | بين المنامة والقاهرة… كيف يُهندس المشهد؟ .. إبراهيم شقلاوي

في السياسة، لا تُقرأ اللقاءات بمعزل عن توقيتها و دلالتها، ولا تُفهم التسريبات بعيدًا عن الذاكرة. وفي هذا المقال نحاول قراءة المشهد الذي تشكل نهاية الأسبوع بين لقاء الرئيس عبد الفتاح البرهان بمبعوث الاتحاد الأفريقي في الخرطوم، ولقاء الفريق الركن شمس الدين الكباشي بالمبعوث الأمريكي مسعد بولس في القاهرة، وتحرير الكرمك في سياق التحولات العسكرية والدبلوماسية المتسارعة، وكيف أصبحت هذه التطورات تعيد هندسة المشهد السياسي وتحدد ملامح السلام المحتمل في بلادنا.

إعلان الاتحاد الأفريقي عزمه إعادة فتح مكتب الاتصال في الخرطوم وحديث مبعوثه أمس عن استئناف العملية السياسية لا يمكن فصله عن التطورات الميدانية الأخيرة وفي مقدمتها استعادة مدينة الكرمك و ما سبقها من تقدم في محاور كردفان ودارفور. فالمجتمع الدولي يدرك أن ميزان القوة الذي حاولت المبادرات السابقة التعامل معه قد تغير، وأن أي عملية سياسية تتجاهل الوقائع على الأرض لن تكون واقعية.

في المقابل، جاء التسريب المتعلق بلقاء الكباشي ومسعد بولس ليعيد إلى الاذهان سؤالًا ظل حاضرًا منذ بدايات الحرب: من يدير التفاوض؟ وهل تتحرك الدولة عبر مؤسسة واحدة، أم عبر مسارات متوازية تفرضها تعقيدات الحرب وضغوط الخارج؟

هذا السؤال لا ينبع من لقاء القاهرة وحده، وإنما من إرث سياسي لا يزال حاضرًا في الذاكرة السودانية، وهو ما عُرف باتفاق المنامة. فحينها كشفت التسريبات عن لقاءات جمعت الفريق شمس الدين الكباشي بقيادات من مليشيا الدعم السريع في البحرين، وتداولت وسائل الإعلام وثيقة تضمنت مبادئ لتسوية سياسية، بينما اختارت الحكومة السودانية الصمت، فلم تتبنَّ الاتفاق ولم تدحض تفاصيله ، الأمر الذي أحدث ارتباكًا سياسيًا، وفتح الباب أمام انطباع بوجود أكثر من مركز لإدارة الملف التفاوضي.

ولم تكن الأزمة في مبدأ الحوار، فالحروب تنتهي عادة بالتفاوض، وإنما في الغموض الذي أحاط بمن يملك حق التفاوض وحدود التفويض السياسي.

لهذا اكتسب لقاء القاهرة حساسية استثنائية، لأن الذاكرة السياسية استدعته فورًا إلى جانب المنامة. غير أن ما أعقب التسريبات هذه المرة بدا مختلفًا، إذ تسربت معلومات تؤكد أن اللقاء تم بعلم الرئيس البرهان، وأن وزير الخارجية كان قد تسلم المقترح الأمريكي رسميًا قبل يوم واحد من اجتماع الكباشي مع مسعد بولس، وأن الخرطوم أرسلت ردها الرسمي إلى الإدارة الأمريكية عبر القنوات الدبلوماسية. وإذا صحت هذه الرواية، فإنها تعكس روية واضحة لتفادي تكرار ارتباك المنامة، أن الدولة تتحدث بصوت واحد، وأن ما يجري ليس تفاوضًا موازيًا، وإنما جزء من إدارة محكمة للملف.

لكن في المقابل، فإن تأخر الرواية الرسمية حتى تسبقها التسريبات يكشف استمرار خلل في إدارة الاتصال. ففي أوقات الحرب، تشكل المعلومة عنصرًا إعلاميًا مهمًا، إلى جانب أنها أحد مكونات الأمن القومي، لأن الفراغ المعلوماتي سرعان ما تملؤه التأويلات، وتستثمره الأطراف أخرى لتغذية الانقسام وإضعاف الثقة في مؤسسات الدولة.

ولا يبدو التحرك الأمريكي منفصلًا عن هذا السياق، فتصريحات مسعد بولس أمام مجلس الأمن بشأن رفض السودان للمقترح الأمريكي، وما تبعها من ردود رسمية سودانية، تعكس أن الصراع لا يدور فقط حول وقف الحرب، بل يمتد إلى ما بعد ذلك: من يحدد شكل المرحلة المقبلة؟ وما طبيعة الترتيبات التي ستُبنى عليها؟ إذ إن بعض التحركات الدولية تبدو معنية بالتأثير في مآلات الصراع، عبر محاولة التأثير في هندسة مرحلة ما بعد الحرب وشكل النظام السياسي القادم أو ابقاء هامش للمليشيا.

في الوقت نفسه، كانت القوات المسلحة تعيد رسم الخريطة العسكرية، فاستعادة الكرمك تمثل تحولًا استراتيجيًا يضيّق خطوط الإمداد ويعزز السيطرة على الشريط الحدودي، بينما يعكس انتقال المليشيا نحو استخدام المسيّرات واستهداف المدنيين تراجع قدرتها على المناورة البرية.

ومن هنا يمكن فهم زيارة قيادة الاتحاد الأفريقي المرتقبة للخرطوم، كما يمكن قراءة زيارة منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية دينيس براون إلى الأبيض، لتقييم الأوضاع الإنسانية والخدمية بعد تغير المعطيات الميدانية وانحسار الحديث عن سقوط المدينة. فالمشهد يتحرك اليوم وفق التحولات العسكرية، بينما لا تزال المؤسسات الإقليمية أسيرة بيانات القلق والإدانة بدل الانتقال إلى الاستجابة الإنسانية.

ما يجري اليوم لا يعكس اقتراب سلام تقليدي، بل إعادة تشكيل للمشهد السياسي. فالولايات المتحدة تسعى للحفاظ على مسار تفاوضي قبل أن يفرض الميدان معادلات جديدة ، بينما يستعيد الاتحاد الأفريقي دوره، وتعمل الدولة السودانية على تثبيت رؤيتها عبر الجمع بين التقدم العسكري والانفتاح الدبلوماسي دون التفريط في سيادتها. والمفارقة أن تصاعد الانتصارات الميدانية يقابله ارتفاع الدعوات للتهدئة، لأن الوساطات غالبًا تتحرك عندما يبدأ ميزان القوة في التحول ويصبح من الصعب إعادة إنتاج معادلات التفاوض القديمة.

بحسب #وجه_الحقيقة، لم يعد المشهد متعلقًا بنهاية الحرب، بل بشروط السلام الذي سيليها. فبين المنامة والقاهرة تتشكل ملامح مرحلة جديدة تختبر قدرة الدولة على توحيد قرارها وإدارة مستقبلها من موقع السيادة. وإذا كان الميدان قد أعاد ترتيب موازين القوة، فإن معادلة السلام لا يحرسها إلا السودانيون أنفسهم، فهم أصحاب الحق في صياغة مستقبل بلادهم وضبط مسار التسوية بما يحفظ الدولة ويمنع إعادة إنتاج الأزمة بأدوات جديدة. فالسلام الحقيقي لا يُفرض من الخارج، وإنما تصنعه إرادة وطنية واعية تدرك ما الذي أنهته الحرب وما الذي ينبغي أن تبنيه بعدها.

دمتم بخير وعافية
Shglawi55@gmail.com

المقالة السابقة

الخرطوم عادت والسودان عاد قوياً ولكن هناك بثور وطفح و أذى لا بد من المعالجة الفورية .. د. بابكر عبدالله محمد علي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *