قال دبشليم الملك لبيدبا الفيلسوف: ما بال الناس يصدقون ما يتناقله الغرباء عن مملكتنا، ويشككون فيما يصدر عن دواويننا؟ أهو سوء ظن بالرعية أم حسن حيلة من خصومنا؟
قال بيدبا: يا مولاي، إن الخبر إذا لم يخرج من بابه، دخل من نوافذ لا يحرسها أحد. وإن الدولة التي تصمت طويلاً عن شؤونها الكبرى، لا تمنع الحديث عنها، وإنما تمنح غيرها حق الحديث باسمها. فإذا غاب البيان، حضرت التسريبات، وإذا تأخر الإيضاح، سبقته التأويلات، وإذا تركت العقول بلا جواب، ملأتها الشائعات بما تشتهي.
ثم قال: بلغني يا مولاي أن ملكاً أراد أن يعقد صلحاً مع جار له، فأرسل رسله ليلا، وكتم أمرهم عن الناس جميعا. فلما رآهم بعض المارة، ولم يجدوا من دولتهم خبراً يطمئنهم، قال قائل: لقد باع الملك أرضه. وقال آخر: بل صالح عدوه على حساب جنوده. وقال ثالث: إن المملكة أوشكت أن تسقط. وما هي إلا أيام حتى صار حديث السوق أقوى من حديث القصر، واضطر الملك بعد ذلك إلى تكذيب عشرات الروايات التي ما كانت لتولد لو أنه أخبر الناس بالقدر الذي يحفظ هيبة الدولة ويصون ثقتهم بها.
فقال دبشليم: أوكل أمر يقال للناس؟
قال بيدبا: ليس كل ما يعلم يقال، ولكن كل ما يهم الناس لا يجوز أن يترك نهبا للتخمين. ففي شؤون الحرب والسلام، والمفاوضات، والاتصالات مع الأمم، لا يطلب الناس كشف الأسرار، وإنما يطلبون ما يحفظ الثقة بينهم وبين دولتهم. فالسر الذي تقتضيه المصلحة حكمة، أما الصمت الذي يبدد الثقة فليس من الحكمة في شيء.
ثم قال: واعلم يا مولاي أن الرأي العام لا يغضب لأنه يجهل كل شيء، وإنما يغضب حين يشعر أن الجميع يتحدثون عن وطنه إلا دولته. وحينئذ يصبح كل تسريب رواية، وكل إشاعة خبرا، وكل مجهول حقيقة في نظر من فقد المصدر الذي يطمئن إليه.
فقال دبشليم: وما دواء ذلك؟
قال بيدبا: أن تجعل للدولة لسانا يسبق ألسنة الآخرين، وأن تخاطب شعبها بقدر ما يحفظ الأمن، ويصون الثقة، ويغلق أبواب الظنون. فإن الفراغ لا يبقى فراغاً؛ فإن لم تملأه الحقيقة، ملأته الشائعة. وإن لم يتحدث أهل الدار، تحدث عنهم كل عابر سبيل. واعلم يا مولاي أن إدارة الرأي العام ليست بإخفاء الخبر، وإنما بحسن توقيت إعلانه، وحسن بيانه، وحسن تقدير ما يحتاج الناس إلى معرفته. ففي ذلك تحفظ هيبة الدولة، ويستقر يقين الرعية وتضيق المسافة التي تتسلل منها الشائعات.


