Popular Now

منشورات د. أحمد المفتي رقم 6139 | تعليق الذكاء الاصطناعي على توحيد المواطنين في حركة جماهيرية حقوقية سودانية (ح ج ح س)

أصل القضية | السودان… التفريغ الصامت للدولة.. د. محمد أحمد أبوبكر – باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (3).. عندما تصبح الجغرافيا ساحةً لتصارع النفوذ .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية

البرهان في مواجهة المبادرات: ثوابتُ لا تتزحزح.. المبادرات الدولية وحرصها على منع الجيش من تحقيق نصرٍ حاسم .. بقلم: د. خالد حسين محمد

مقدمة
كلما اقترب الجيش السوداني من حسم المعركة عسكريًا، ازدادت الضغوط الخارجية حرصًا على إبقاء الدعم السريع حاضرًا في المعادلة السياسية. ومن هذا الباب جاءت المبادرة الأمريكية التي طرحها مسعد بولس، وكان هدفها الأساسي منعَ الجيش من تحقيق انتصار حاسم على الدعم السريع، فضلًا عن محاولتها تبرئة يد الإمارات من الدم السوداني ومن تورّطها في دعم قوات الدعم السريع.

المبادرة الأمريكية الأخيرة

كشفت وكالة رويترز عن مبادرة أمريكية جديدة، وذكرت أنها اطّلعت على وثائق تتضمن المقترح الأمريكي حلًّا للصراع في السودان. وقد تضمّن المقترح ما يلي:

– هدنة إنسانية فورية يتم التفاوض خلالها لوقف إطلاق النار.
– انتقال سياسي سلمي بقيادة مدنية وصولًا إلى انتخابات عامة.
– إنشاء آلية بقيادة الأمم المتحدة للإشراف على انسحابات محدودة لقوات الدعم السريع.

ووفقًا لرويترز، فإن الحكومة السودانية وافقت على معظم بنود المبادرة، غير أنها اعترضت على بند الانسحاب المحدود، مؤكدةً أن أي اتفاق يجب أن ينص على انسحاب قوات الدعم السريع من جميع المدن التي سيطرت عليها منذ الرابع عشر من أبريل 2023م. وأضافت رويترز أن المقترح الأمريكي يتضمن خطةً لتشكيل جيش وطني موحّد، إلى جانب ترتيبات لنزع السلاح وإطلاق عملية سياسية بقيادة مدنية تستبعد عناصر جماعة الإخوان المسلمين والمليشيا.

قراءة في الموقف السوداني الرسمي

تناول كثير من الكتّاب والمحللين المقترح الأمريكي بالتحليل، وبيّنوا أهدافه ومقاصده، وأبدى بعضهم تخوّفه من احتمال وجود صفقة سرية للإبقاء على الدعم السريع وعودة نظام الحكم السابق مرةً أخرى. وبصرف النظر عن الاتفاق أو الاختلاف مع هذه القراءات، فسوف أركّز على الظروف التي يتعامل فيها الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان مع تلك المبادرات، مع وضوح المبادئ التي يؤمن بها لحسم التمرد منذ بداية الضغوط والمبادرات في منبر جدة في مايو 2023م.

إن تغيّرات المشهد السوداني، بما فيها من تقاطعاتٍ داخلية وإقليمية ودولية، ما كانت لتسمح للبرهان بأن يختار خيار المواجهة المفتوحة؛ لأنه يُدرك نتائج هذا الخيار الذي عاشه ثلاثين عامًا مع نظام الإنقاذ. وفي الوقت ذاته، ما كان يقبل لشعبه ولا لجيشه ولا لتاريخه العسكري الانبطاحَ، ولا حتى الاستجابةَ للمطلوبات الخارجية التي تمتهن سيادة دولته وتنتهك شرف شعبه. فلم يقل “لا” صريحة، ولم يُنفّذ مطلوبًا واحدًا للخارج رغم كثافة الضغوط، وبذلك سلك منهجًا ونهجًا للوصول إلى المطلوبات الوطنية التي يتوافق عليها الشعب السوداني، بصورةٍ لا تُمكِّن أحدًا من تسجيل هدفٍ في مرماها.

وللوصول إلى تلك الغايات، تحمّل البرهان الأذى والاستخفاف والاتهامات وكلَّ مساسٍ بشخصه، وصبر على ذلك من أجل الوطن. ولأن الرؤية كانت واضحة عنده منذ اندلاع الحرب في الخامس عشر من أبريل، رسّخ الفريق البرهان عقيدةً خطابية راسخة وثابتة، قوامها ركيزتان لا تتزحزحان، هما:

1. الحسم العسكري خيارًا شعبيًّا لا رجعة عنه.
2. اشتراط تنفيذ اتفاق جدة الذي يقضي بانسحاب المليشيا من المدن، والذي يمثّل سقفًا للانخراط في أي عملية تفاوضية.

المنظومة العقدية للموقف الرسمي السوداني

جاءت هذه الثوابت في مناسباتٍ وطنية كبرى ومحافلَ دولية وإقليمية، فشكّلت ما يمكن وصفه بـالمنظومة العقدية للموقف الرسمي السوداني، ويتضح ذلك فيما يلي:

1. بعد خروجه من القيادة العامة في 24/8/2023م، خاطب جنوده في وادي سيدنا، رافضًا أي سلامٍ لا يكون مبنيًّا على ما اتُّفق عليه يوم 11/5/2023م في جدة، من خروج الدعم السريع من بيوت المواطنين ومن الأعيان المدنية، وإرجاع حقوق المواطنين وممتلكاتهم التي سُرقت.

2. من وادي سيدنا، وبعد خروجه من القيادة، توجّه إلى بورتسودان، وخاطب الشعب السوداني من خلال جنوده في قاعدة فلامنغو، حيث أكّد استمرار القوات المسلحة في حربها ضد المليشيا المتمردة، وقال: “إننا نقاتل وحدنا ولأنفسنا وبلا ظهير، وهو أمرٌ نعتزّ به كثيرًا”، مؤكدًا أن الجهد سيذهب نحو حسم التمرد.

3. في 9/11/2023م، خاطب البرهان قمة الإيقاد، وقدّم في خطابه مقترحات للحل السلمي للأزمة، تتمثل في:
– إنفاذ ما اتُّفق عليه في جدة بإخلاء الأعيان المدنية ومنازل المواطنين بالكامل.
– وقف إطلاق النار وتجميع المتمردين في مناطق يُتَّفق عليها.
– إطلاق عملية سياسية شاملة تستند إلى إرادة وطنية خالصة وتوافق وطني حول إدارة الفترة الانتقالية وصولًا إلى انتخابات عامة.

4. في 10/11/2023م، خاطب الفريق البرهان القمة الأفريقية السعودية التي انعقدت في الرياض، وطالبها بتصنيف الدعم السريع مجموعةً إرهابية، مستنكرًا مساواة بعض دول الإقليم والمجتمع الدولي بين الدولة وقوةٍ متمردة عليها، ومؤكدًا أن الحل هو ما تم الاتفاق عليه في منبر جدة.

5. في 2/2/2024م، خاطب الشعب السوداني من خلال الفرقة الثانية مشاة بالقضارف، وأكّد في خطابه أننا سننتصر في هذه المعركة في كل السودان حتى يتم تطهيره من هؤلاء المرتزقة. وأضاف: “لن نسمح لأي شخصٍ أن يسيطر أو يفرض أي شيء على القوات المسلحة”.

6. في 12/12/2023م، ألقى خطابه في الفرقة الثالثة بشندي، حيث قال إن هذه الحرب فُرضت علينا وسوف نمضي فيها حتى النهاية، وسوف نقضي على هؤلاء القتلة قريبًا جدًّا، وإن القوات المسلحة تتقدم بثباتٍ للقضاء على هذا السرطان وهذا التمرد. وأضاف أن الذين ارتكبوا هذه الجرائم سوف ينالون عقابهم عاجلًا أم آجلًا، وأنه لا بد أن يدفع المتمردون الأموال والممتلكات التي استولوا عليها. وقال: “سنلاقي العدو وأيدينا في عينه، وفي عين أي زولٍ سنده ووقف وراءه”، وقال: “إن هؤلاء الخونة عرضوا عليَّ من أول يوم أن أخرج ويضمنوا لي السلام، فقلت لهم كلامًا لن ينسوه إلى أن يموتوا”.

7. في يوم 5/1/2024م، مخاطبًا قوات الفرقة (15) التابعة لغرب دارفور، والتي كان يتم تأهيلها بجبيت، أكّد في خطابه أنه لا صلح ولا اتفاق مع الدعم السريع، ولا بد من الانتهاء منهم. وقد وصف حميدتي في هذا اللقاء بـ”الخائن والجبان والأرجواز”.

8. في خطاب الذكرى السبعين للعيد السنوي للقوات المسلحة في 13/8/2024م، أعلن بوضوح أن “طريق السلام يبدأ بتطبيق ما تم الاتفاق عليه في جدة في مايو 2023م”، مؤكدًا أنه لا وقف للعمليات العسكرية من قِبَل الجيش دون انسحاب وخروج آخر عنصر من قوات الدعم السريع من المدن والقرى التي استباحوها واستعمروا أهلها.

9. في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 26/9/2024م في الدورة التاسعة والسبعين، طالب الأمم المتحدة بتصنيف الدعم السريع منظمةً إرهابية، وحدّد ثلاثة شروطٍ لأي عملية سلام:
– أن تدعم الملكيةَ الوطنية للحل.
– أن تُنهي احتلال المليشيا للمناطق.
– أن تتضمن إلقاء المليشيا سلاحَها والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

مع رفضٍ قاطع لمشاركة أي دولةٍ تدعم الدعم السريع.

10. في خطاب استعادة القصر الجمهوري في 26/3/2025م، وبعد تفقّده للقصر، بعث برسالةٍ مفادها أن الحسم العسكري ليس شعارًا نظريًّا، بل واقعٌ ثبّتته جغرافيا المعركة.

11. في خطابه عبر التلفزيون القومي بمناسبة عيد الفطر المبارك يوم السبت 29/3/2025م، تعهّد بأنه لا تراجع عن هزيمة قوات الدعم السريع، مؤكدًا استحالة أي حلولٍ وسطى لا تُفضي إلى تفكيك المليشيا وتسليم سلاحها.

12. في خطابه يوم 14/8/2025م بمناسبة عيد الجيش ومرور مائة عام على تأسيس الجيش السوداني، أعلن البرهان أننا “ماضون في عدم المهادنة أو المصالحة مهما كانت التكلفة”، مضيفًا أن القيادة السودانية “لن تخون دماء شعبها وأبناء الشعب الذين قدّموا أنفسهم فداءً لبلدهم”، وأن الجيش ماضٍ في دحر التمرد حتى نهاية المعركة.

13. في 1/1/2026م، وفي الذكرى السبعين لاستقلال السودان، قال في خطابه من أمام القصر الجمهوري المدمَّر: “إن السودان يخوض معركةً وجودية”، وإن أوهام التقسيم لن تتحقق، وأكّد أن النصر قادم، وتوعّد بطرد الخونة والمتمردين من البلاد.

14. في ذكرى 6 أبريل 2026م، جدّد البرهان تأكيده على شعار “جيش واحد، شعب واحد”، بوصفه واقعًا تجسّد في معركة الكرامة، مستحضرًا إنجاز الجيش في ثورتَي 1985م و2019م، ومكرِّسًا خيار الحسم بوصفه إرادةً شعبية لا مساومة عليها.

15. في خطابه بتكريم قيادات هيئة الأركان السابقين يوم 29/4/2026م، حسم البرهان الجدل بعبارةٍ قاطعة: “لا تفاوض مع المتمردين ومن يساندهم، والقوات المسلحة ماضية في تحقيق ما ينتظره الشعب السوداني، وتخليصه من هذا الكابوس”، مؤكدًا استمرار العمليات العسكرية حتى التطهير الكامل للبلاد.

16. في خطابه للمصلين بـمسجد (الشيخ أبو قرون) في يوم 26/6/2026م، أعلن أن معركة السودان وجودية لا تحتمل حلولًا وسطى أو رمادية، وأن الهدف هو القضاء على المليشيا المتمردة واستئصالها من جميع أنحاء السودان، رافضًا أي مسارٍ تفاوضي لا ينتهي بتفكيك الدعم السريع وتسليم أسلحتها، مع التأكيد على محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات.

17. في يوم الجمعة 10/7/2026م، خاطب الفريق البرهان المصلين بمسجد ومَسِيد الشيخ الطيب في منطقة (أم مرحي) بالريف الشمالي، حيث أكّد التزام الجيش والمستنفرين بمواصلة المعركة حتى تطهير البلاد، ووجّه رسالةً للداخل والخارج بأن السودان قادرٌ على الانتصار، وأن القوات المسلحة تمضي في معركتها مستندةً إلى التفاف الشعب السوداني حولها. وأضاف أن العمليات العسكرية ستتواصل حتى تطهير البلاد من كل معتدٍ، وأن “أي طرحٍ لا يحقق أمن واستقرار السودانيين لن نمضي فيه، ولن نسلّم الدولة إلا وفق تراضٍ وطني بين جميع السودانيين”، وأن السودان قادرٌ بعزيمة أبنائه على الانتصار في هذه المعركة الوطنية المقدسة.

الثوابت العقدية الثلاثة

تكشف القراءة المتأنية لهذه المنظومة الخطابية عن ثلاثة ثوابت عقدية لا تنفكّ عن بعضها:
الثابت الأول: الحسم العسكري تعبيرٌ عن إرادةٍ شعبية لا خيارٍ قياديٍّ فردي
إذ يستند البرهان في كل مناسبةٍ إلى شرعية الشعب السوداني الذي قدّم دماءه فداءً، مما يُخرج القرار من دائرة التفاوض السياسي إلى دائرة الأمانة الوطنية.

الثابت الثاني: اتفاق جدة سقفٌ ومرجعية
بمعنى أن الانخراط في أي منبرٍ تفاوضي مشروطٌ بتطبيق ما تم التوافق عليه في جدة، وفي القلب منه خروج آخر عنصر من الدعم السريع من المدن والقرى، وهو الشرط الذي تحوّل من مطلبٍ إلى عقيدةٍ راسخة.

الثابت الثالث: تفكيك المليشيا وتسليم السلاح شرطٌ جوهري لا تجميلي
بحيث لا يُقبَل أي تسويةٍ سياسية تُبقي على الوجود العسكري للدعم السريع؛ لأن أي اتفاقٍ دون ذلك — كما يُصرّح البرهان — سيسمح بعودة المواجهات مستقبلًا.

المعادلة الواضحة

بهذه البنية المُحكَمة، رسّخ خطاب البرهان معادلةً واضحة لا لَبْسَ فيها: لا حديث عن السلام قبل تنفيذ اتفاق جدة، ولا انخراط في تفاوضٍ قبل خروج المليشيا من المدن، ولا تسوية سياسية دون تفكيك الدعم السريع وتسليم سلاحه.
وهي معادلةٌ صمدت في وجه كل الضغوط الإقليمية والدولية، وباتت تُشكّل الإطار المرجعي الذي يُحاكَم عليه أي مقترح تسويةٍ يُطرح على الطاولة السودانية.

الرد على المبادرة الأخيرة

وعلى ذلك، جاء الردّ على مسعد بولس بعد كلمته التي ألقاها في اجتماع مجلس الأمن يوم 26/6/2026م، من خلال الكلمة التي ألقاها البرهان في مسجد الشيخ أبو قرون في اليوم ذاته الذي اجتمع فيه مجلس الأمن. كذلك جاء الردّ على هذه المبادرة الأخيرة من خلال كلمته في مسجد ومَسِيد الشيخ الطيب في (أم مرحي) بالريف الشمالي لأم درمان يوم 10/7/2026م الجاري.

خاتمة
توضّح هذه القراءة بصورةٍ جليّة موقفَ البرهان من أي مقترحاتٍ للتسوية؛ فهو لا يرفض الوساطة، ولكن قبول المقترحات مشروطٌ باستيفائها للمطلوبات الوطنية. وعلى ذلك، يبقى تهريج بولس في دائرة المفاوضات فقط، ليس إلا.

المقالة السابقة

اتصالات الحكومة ….وحديث الهمس والصمت .. محمد حسن فضل الله

المقالة التالية

مسارات .. السياسات الاقتصادية المستقبلية السودانية .. نحو اقتصاد منتج ومستدام .. د.نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *