في علم الجيوبوليتيك، لا يمنح الموقع الجغرافي الدولة القوة فحسب، بل كثيراً ما يحوّلها إلى مسرح دائم لتجاذب القوى الكبرى، وساحة مفتوحة على صراعات النفوذ والمصالح. وتذهب النظريات الجيوسياسية إلى أن السيطرة على المناطق الحدودية والأطراف ذات الأهمية الاستراتيجية تشكل مفتاحاً حاسماً لفهم موازين القوى الإقليمية والدولية. ومن هذا المنظار، لم تتحول ليبيا بعد عام 2014 إلى ميدان للصراع بفعل أزمتها الداخلية فحسب، بل لأن موقعها الجغرافي الفريد، وثرواتها النفطية الهائلة، وامتدادها الحيوي العميق، جعلها نقطة التقاء لمشاريع إقليمية ودولية متباينة، لكل منها حساباته الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية الخاصة.
فقد كان انهيار مؤسسات الدولة وتعدد مراكز السلطة إيذاناً بمرحلة جديدة، لم يعد فيها الصراع الليبي شأناً داخلياً خالصاً، بل أصبح جزءاً من معادلة إقليمية أوسع، تمتد من شرق البحر المتوسط إلى عمق الساحل والصحراء. وأضحت أي رياح تهب على هذا البلد المغاربي تنعكس مباشرة على أمن جيرانه، كما باتت أي تسوية سياسية ممكنة مرتبطة بتوازنات دقيقة تتجاوز حدود ليبيا ذاتها، لتلامس مصالح دول كبرى وقوى إقليمية متنافسة.
وكانت مصر -بحكم حدودها الممتدة مع ليبيا وما تفرضه من اعتبارات أمن قومي بالغة الحساسية- من أكثر الدول تأثراً بما جرى في الجارة الغربية. فالقاهرة، التي ترى في استقرار ليبيا امتداداً لأمنها القومي، لم تخف قلقها من استمرار الفوضى وانتشار التشكيلات المسلحة على حدودها الغربية، واعتبرت أن الحفاظ على وحدة مؤسسات الدولة الليبية يمثل ضرورة استراتيجية، ليس فقط لحماية الحدود الممتدة، وإنما أيضاً لمنع تمدد الفوضى وشبكات تهريب السلاح والبشر عبر الصحراء الغربية. ومن هذا المنطلق، تعاملت مصر مع الملف الليبي باعتباره قضية أمن قومي من الدرجة الأولى، ودعمت كل الجهود الرامية إلى إعادة بناء مؤسسات الدولة واستعادة الاستقرار، مع إدراكها العميق بأن أي فراغ أمني في ليبيا سينعكس سلباً على أمنها الداخلي واستقرارها الإقليمي.
وفي المقابل، برزت تركيا كلاعب مؤثر في المشهد الليبي، خاصة بعد توقيع مذكرتي التفاهم الأمنية والبحرية مع حكومة الوفاق الوطني في أواخر عام 2019. وقد منح هذا التطور الدراماتيكي أنقرة حضوراً سياسياً وعسكرياً أكثر تأثيراً في مجرى الأزمة، كما ربط الملف الليبي بمعادلات شرق المتوسط الشائكة، وما يرتبط بها من ملفات ترسيم الحدود البحرية وموارد الطاقة والتنقيب عن الغاز. ولم تكن الإمارات العربية المتحدة بعيدة عن هذا المشهد المتشابك، إذ انخرطت في الملف الليبي دون مبالاة، محاولة ترسيخ نفوذها في المنطقة الغربية، لتتحول الأزمة إلى ساحة لصراع محموم على النفوذ والمصالح، متجاوزة بذلك حدود النزاع الداخلي لتصبح جزءاً من شبكة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي.
ووجدت روسيا في الأزمة الليبية فرصة ذهبية لتعزيز حضورها في جنوب البحر المتوسط، مستفيدة من حالة الانقسام الداخلي وتعقيدات البيئة الإقليمية، ووظفت وجودها العسكري والسياسي كورقة ضغط في لعبة القوى الكبرى. وفي المقابل، حافظت الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوروبية، على اهتمامها البالغ بالملف الليبي، انطلاقاً من اعتبارات متعددة الأوجه، أبرزها أمن المتوسط، ومكافحة الإرهاب، واستقرار أسواق الطاقة والحد من تدفقات الهجرة غير النظامية نحو القارة العجوز. وهكذا، تداخلت أولويات القوى الدولية، وإن اختلفت أدواتها ومقارباتها، حول هدف جوهري واحد يتمثل في منع تحول ليبيا إلى مصدر دائم لعدم الاستقرار الإقليمي، مع بقاء الخلافات قائمة حول الوسائل والآليات الكفيلة بتحقيق ذلك.
ولم يقتصر التنافس على السواحل الليبية المطلة على المتوسط ومراكز القرار السياسي في طرابلس وبنغازي، بل امتد إلى الجنوب حيث يلتقي المثلث الحدودي مع السودان وتشاد والنيجر. ففي هذه المنطقة الصحراوية الشاسعة، أصبحت الحدود أكثر هشاشة، واتسعت حركة شبكات التهريب بمختلف أنواعها، وانتقلت الأسلحة والمقاتلون عبر فضاء صحراوي يصعب ضبطه ومراقبته. وأدى ضعف مؤسسات الدولة إلى جعل الجنوب الليبي إحدى أكثر مناطق الساحل حساسية، لما يمثله من حلقة وصل حيوية بين شمال أفريقيا ووسطها وغربها، وهو ما جعله محوراً أساسياً في أي معادلة أمنية أو سياسية تتعلق بمستقبل المنطقة برمتها.
كما اكتسبت الموانئ النفطية والحقول الكبرى أهمية استثنائية في معادلة الصراع، إذ لم تعد موارد الطاقة مجرد مصدر للدخل الوطني، بل أصبحت أحد أهم عناصر التوازن السياسي والعسكري. فكل تغير في السيطرة على المنشآت النفطية كان ينعكس مباشرة على قدرة الأطراف المتنافسة في تمويل أنشطتها وتعزيز مواقعها التفاوضية، الأمر الذي جعل الاقتصاد جزءاً لا يتجزأ من الصراع على السلطة، وأداة ضغط رئيسية في يد كل طرف، ومع تعاقب المبادرات السياسية والمؤتمرات الدولية، من برلين إلى جنيف، ومن مسارات الأمم المتحدة إلى جهود الاتحاد الأفريقي، ظل المشهد الليبي يراوح بين محاولات التسوية وعودة التصعيد. فقد أظهرت التجربة المريرة أن أي اتفاق سياسي لا يستند إلى توافق ليبي واسع، ولا يواكبه توحيد فعلي للمؤسسات الأمنية والعسكرية، يبقى عرضة للاهتزاز والانهيار مع أول تغير في موازين القوى، أو أول نزاع حول توزيع المناصب والموارد.
وتكشف هذه المرحلة الحرجة عن حقيقة استراتيجية مفادها أن ليبيا لم تعد مجرد دولة تواجه أزمة داخلية، بل أصبحت محوراً تتقاطع عنده مصالح أمن البحر المتوسط، واستقرار شمال أفريقيا، وأمن الساحل والصحراء، ومستقبل أسواق الطاقة، وملف الهجرة غير النظامية. ولذلك فإن أي تغير في الداخل الليبي لم يعد يؤثر في الليبيين وحدهم، بل يمتد أثره الموجع إلى محيط إقليمي ودولي واسع، يعيد تشكيل خرائط النفوذ والمصالح.
ومن هنا، فإن فهم الأزمة الليبية فهماً عميقاً لا يكتمل بالنظر إلى طرابلس أو بنغازي وحدهما، بل يقتضي النظر أيضاً إلى الجنوب، حيث تتقاطع الحدود مع السودان، وتشاد والنيجر، وحيث تشكل الجغرافيا، أكثر من أي عامل آخر، مفتاحاً لفهم كثير من التحولات الأمنية والاستراتيجية التي يشهدها الإقليم. إن ليبيا اليوم ليست مجرد دولة تعاني من أزمة، بل هي مرآة عاكسة لتحديات المنطقة برمتها، ومختبر حي لصراعات النفوذ والمصالح التي ترسم ملامح المستقبل في شمال أفريقيا وحوض المتوسط.
دولة ليبيا: من حلم الجماهيرية إلى مأزق الدولة (3).. عندما تصبح الجغرافيا ساحةً لتصارع النفوذ .. د. إسماعيل الناير عثمان .. مدير مركز إنماء للدراسات الاستراتيجية
المقالة السابقة


