التقدم الميداني والدعم الإفريقي للخرطوم
تشير التطورات الأخيرة إلى أن الحرب السودانية دخلت مرحلة تتداخل فيها المكاسب العسكرية مع التحركات الدبلوماسية والأمنية. فمع إعلان القوات المسلحة السودانية تحقيق تقدم في عدد من محاور القتال، ولا سيما في غرب مدينة الأبيض، تزامنت هذه التطورات مع نشاط دبلوماسي وأمني مكثف قاده رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان عبر لقاءات مع قادة أجهزة المخابرات في شرق ووسط إفريقيا.
ويعكس هذا الحراك إدراك الخرطوم أن المعركة لم تعد عسكرية فحسب، وإنما أصبحت أيضاً معركة لكسب المواقف الإقليمية، وشرح تداعيات الحرب على أمن القرن الإفريقي والإقليم بأكمله، خاصة في ظل امتداد تأثيرات النزاع إلى قضايا الهجرة والحدود والجريمة المنظمة وتهريب السلاح.
وفي المقابل، تتحدث تقارير إعلامية عن تحركات موازية لقائد قوات الدعم السريع لإجراء لقاءات مع زعماء القبائل والعشائر في دارفور وكردفان، في إطار مساعٍ لتعزيز التجنيد وتعويض الخسائر البشرية التي تعرضت لها القوات خلال الأشهر الماضية. وإذا صحت هذه التقارير، فإنها تعكس حجم الضغوط العسكرية التي تواجهها قوات الدعم السريع في عدد من الجبهات.
اقتصاد الحرب… الموارد الطبيعية بين تمويل الدولة وتمويل الصراع
أعاد تقرير أممي حديث قضية اقتصاد الحرب إلى واجهة النقاش، متناولاً دور الموارد الطبيعية في تمويل العمليات العسكرية. ولا خلاف على أن الذهب والموارد المعدنية أصبحا من أهم عناصر الصراع الاقتصادي في السودان، وأن السيطرة على هذه الموارد تمنح أطراف النزاع مصادر تمويل مؤثرة.
غير أن قراءة هذا الملف تتطلب قدراً من التمييز بين ما يورده التقرير من معلومات وما يبقى محل خلاف سياسي. فالتقرير تناول الحكومة السودانية وقوات الدعم السريع ضمن إطار اقتصاد الحرب، إلا أن تقييم طبيعة استخدام الموارد وأثرها القانوني والسياسي يظل موضع جدل بين مختلف الأطراف، ولكل طرف روايته ومبرراته.
ومن منظور استراتيجي، فإن استمرار الحرب يعني استمرار استنزاف الموارد الوطنية، وتعميق الأزمة الاقتصادية، وإضعاف فرص إعادة الإعمار، بغض النظر عن الطرف المسيطر على تلك الموارد.
المفقودون… الجرح الإنساني الأكثر إيلاماً
بعيداً عن خرائط القتال، تبقى قضية آلاف المفقودين واحدة من أكثر الملفات الإنسانية إيلاماً في الحرب السودانية.
فآلاف الأسر لا تزال تبحث عن معلومات حول مصير ذويها، وسط تقارير حقوقية وإعلامية تتحدث عن حالات اختفاء واحتجاز في مناطق مختلفة. وتؤكد منظمات حقوق الإنسان أهمية الكشف عن أماكن الاحتجاز، وتوثيق أوضاع المفقودين، وضمان وصول ذويهم إلى المعلومات وفقاً للقانون الدولي الإنساني.
ومهما تكن المسؤوليات التي ستثبتها التحقيقات مستقبلاً، فإن هذا الملف سيظل من أعقد ملفات العدالة الانتقالية، لما تركه من آثار نفسية واجتماعية عميقة داخل المجتمع السوداني.
الإمارات… بين النفوذ الإقليمي والاتهامات المتكررة
وفي السياق الإقليمي، تستمر دولة الإمارات في لعب أدوار دبلوماسية متزايدة في عدد من الملفات الدولية، بدءاً من الوساطة في تبادل الأسرى بين روسيا وأوكرانيا، وصولاً إلى توسيع حضورها السياسي والاقتصادي في مناطق متعددة.
وفي المقابل، ما تزال الحكومة السودانية، إلى جانب عدد من التقارير الإعلامية والحقوقية الدولية، توجه اتهامات للإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات تنفيها أبوظبي بصورة متكررة، مؤكدة أنها تدعم الحلول السياسية، وترفض الانحياز لأي طرف في النزاع.
ويعكس استمرار هذا الجدل أن الملف السوداني أصبح جزءاً من شبكة أوسع من التنافسات الإقليمية والدولية، حيث تتداخل المصالح الاقتصادية، وأمن البحر الأحمر، والاستثمارات، والنفوذ الجيوسياسي.
إلى أين تتجه الحرب؟
تشير المؤشرات الحالية إلى أن ميزان القوى يشهد تغيرات تدريجية على الأرض، إلا أن ذلك لا يعني بالضرورة اقتراب نهاية الحرب. فالخبرة التاريخية في النزاعات الداخلية تؤكد أن التقدم العسكري وحده لا يكفي لإنهاء الصراع ما لم يترافق مع مسار سياسي يحظى بقبول وطني واسع.
وفي ضوء التطورات الراهنة، تبدو السيناريوهات الأكثر احتمالاً هي:
استمرار الضغط العسكري بالتوازي مع تحركات دبلوماسية إقليمية ودولية.
تصاعد الضغوط الدولية لفتح مسارات إنسانية ومعالجة ملفات المفقودين والأسرى.
استمرار الجدل حول اقتصاد الحرب وتمويل أطراف النزاع.
السعي إلى إطلاق مفاوضات جديدة إذا توافرت ضمانات كافية للأطراف المختلفة.
وفي جميع الأحوال، فإن مستقبل السودان سيظل مرتبطاً بقدرة السودانيين على بناء مشروع وطني جامع يحفظ وحدة الدولة، ويعيد بناء مؤسساتها، ويضع حداً لمعاناة المدنيين التي طال أمدها، بعيداً عن منطق الحرب المفتوحة والاستقطابات الإقليمية.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


