مع استمرار العمليات العسكرية في كردفان ودارفور والنيل الأزرق، برزت خلال الأسابيع الأخيرة مؤشرات على تصاعد الخلافات داخل قوات الدعم السريع، سواء على المستوى القيادي أو بين المكونات القبلية والميدانية.
ومن أبرز هذه المؤشرات ظهور القيادي عبيد أبوشوتال في تسجيلات مصورة تحدث فيها عن ما وصفه بالتمييز والعنصرية داخل القوات، متهماً قيادات من الماهرية والرزيقات بتهميش المجموعات المتحالفة معها. وإذا صحت هذه التصريحات، فإنها تعكس انتقال الأزمة من مجرد خسائر ميدانية إلى أزمة ثقة داخلية، وهو تطور غالباً ما يؤثر في تماسك أي قوة عسكرية تعتمد على تحالفات قبلية ومناطقية متعددة.
كما تزامن ذلك مع تقارير عن اختفاء عدد من العربات القتالية التي انسحبت من منطقة الكرمك باتجاه الحدود الإثيوبية، وسط روايات متباينة حول الجهة التي استولت عليها، وهو ما يعكس حجم التعقيد الأمني على الحدود السودانية الإثيوبية، ويؤكد أن المناطق الحدودية أصبحت مسرحاً لتداخل جماعات مسلحة وقوى محلية وشبكات تهريب.
وحتى في ظل صعوبة التحقق المستقل من جميع هذه المعلومات، فإن تزامنها مع تراجع الدعم السريع في عدد من المحاور العسكرية يمنحها أهمية تستحق المتابعة والتحليل.
السلام بين الضغوط العسكرية والحسابات الإقليمية
في المقابل، تتواصل الجهود الدولية والإقليمية للدفع نحو هدنة أو مسار تفاوضي جديد، في وقت يبدو فيه ميزان العمليات العسكرية أكثر تعقيداً من أي وقت مضى.
فالجيش السوداني يواصل عملياته في عدة جبهات، بينما تظل قوات الدعم السريع طرفاً مؤثراً ميدانياً، الأمر الذي يجعل أي تسوية سياسية مرتبطة بدرجة كبيرة بالتوازنات العسكرية على الأرض.
وتشير التجارب السودانية السابقة إلى أن فرص نجاح أي اتفاق سلام ترتبط بثلاثة شروط رئيسية:
وجود إرادة سياسية حقيقية لدى أطراف النزاع.
توفر ضمانات إقليمية ودولية تحظى بقبول واسع.
معالجة جذور الأزمة، وليس الاكتفاء بوقف إطلاق النار.
ومن دون هذه العناصر، قد تتحول أي هدنة إلى مجرد فترة لإعادة ترتيب الصفوف بدلاً من إنهاء الحرب بصورة مستدامة.
الاتهامات المتبادلة والدور الإقليمي
شهدت الحرب السودانية منذ اندلاعها تبادل اتهامات بين أطراف مختلفة بشأن الدعم الخارجي.
فقد اتهمت الحكومة السودانية دولة الإمارات بتقديم دعم لقوات الدعم السريع، وهي اتهامات كررتها كذلك تقارير إعلامية ومنظمات مختلفة، في حين نفت الإمارات مراراً هذه الاتهامات وأكدت أنها تدعم الحل السياسي وتقدم مساعدات إنسانية للسودانيين.
كما أثيرت خلال الفترة الأخيرة روايات إعلامية بشأن محاولات للتأثير على التغطية الصحفية للحرب، ومن بينها ما نُسب إلى الصحفي الأمريكي نيكولاس كريستوف حول عرض مالي مزعوم للتأثير على تغطيته. وهذه المزاعم، إذا لم تثبت قضائياً أو بوثائق مستقلة، تبقى في إطار ما أعلنه صاحبها، ولا يجوز التعامل معها باعتبارها حقائق نهائية.
وتعكس هذه السجالات الإعلامية حجم الصراع على الرواية الدولية للحرب، حيث أصبحت المعركة الإعلامية جزءاً مكملاً للمعركة العسكرية والدبلوماسية.
ذهب السودان… صراع الاقتصاد والحرب
تواصل قضية الذهب السوداني احتلال موقع متقدم في النقاش الدولي، في ظل تقارير تتحدث عن شبكات تهريب وتمويل مرتبطة بالنزاع.
ولا خلاف على أن الذهب يمثل أحد أهم الموارد الاقتصادية للسودان، وأن أي اختلال في السيطرة عليه ينعكس بصورة مباشرة على الاقتصاد الوطني وعلى قدرة الدولة في تمويل الخدمات العامة.
وفي الوقت نفسه، فإن مكافحة تهريب الذهب تتطلب تعاوناً إقليمياً ودولياً شاملاً، لأن شبكات التهريب تتجاوز الحدود الوطنية، وترتبط بأسواق خارجية ومسارات مالية معقدة.
إلى أين تتجه الحرب؟
تشير المعطيات الحالية إلى أن الحرب السودانية تدخل مرحلة جديدة تختلف عن مراحلها الأولى.
فالخسائر العسكرية، والضغوط الدولية، والتحديات الاقتصادية، والانقسامات الداخلية لدى مختلف القوى السياسية والعسكرية، كلها عوامل تدفع نحو البحث عن مخرج سياسي، لكنها في الوقت نفسه تجعل الوصول إلى اتفاق شامل أكثر تعقيداً.
ومن المرجح أن تشهد الفترة المقبلة أحد السيناريوهات الآتية:
استمرار العمليات العسكرية بالتوازي مع مفاوضات غير مباشرة.
التوصل إلى هدنة محدودة ترتبط بترتيبات إنسانية دون اتفاق سياسي شامل.
أو الدخول في مسار تفاوضي أوسع إذا توافرت ضمانات مقبولة لجميع الأطراف.
ويبقى مستقبل السودان مرهوناً بقدرة القوى الوطنية على إنتاج مشروع سياسي جامع يحافظ على وحدة الدولة وسيادتها، ويحقق تطلعات السودانيين في الأمن والاستقرار، بعيداً عن الاستقطابات الإقليمية والدولية التي أسهمت في تعقيد المشهد.
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com


