Popular Now

الحرب على السودان وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية (18) .. بين مسار السلام والتصدعات الداخلية والاتهامات الإقليمية.. هل دخلت الحرب السودانية مرحلة التحول الاستراتيجي؟ .. التصدعات داخل قوات الدعم السريع وتراجع التماسك التنظيمي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

سلسلة: هندسة السلام: رؤية سودانية لإعادة الإعمار وبناء السلام المستدام .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. أستاذ مساعد – خبيرة في إدارة الكوارث والتنمية الريفية المستدامة، وباحثة في هندسة السلام والتعافي بعد النزاعات

منشورات د. احمد المفتي رقم 6143 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) كيف يتولد ” الضغط ” الجماهيري ، من دون جهد ومن دون تكلفة مالية ؟

سلسلة: هندسة السلام: رؤية سودانية لإعادة الإعمار وبناء السلام المستدام .. د. غادة الهادي يوسف أحمد .. أستاذ مساعد – خبيرة في إدارة الكوارث والتنمية الريفية المستدامة، وباحثة في هندسة السلام والتعافي بعد النزاعات

هل الحرب في السودان صراع واحد… أم منظومة نزاعات متداخلة؟
“إن فهم طبيعة الأزمة هو الخطوة الأولى نحو بناء سلام مستدام؛ فالحلول الفاعلة لا تُبنى على مظاهر المشكلة، بل على فهم جذورها.”

مقدمة
عندما تندلع الحروب، ينصرف الاهتمام عادةً إلى الأطراف المتحاربة وساحات القتال، بينما تحظى العوامل التي مهدت لاندلاعها باهتمام أقل في النقاش العام. غير أن فهم الحرب في السودان يتطلب تجاوز مظاهر الصراع إلى تحليل منظومة العوامل التي راكمت الهشاشة عبر عقود، حتى أصبحت الحرب نتيجةً لتفاعل هذه العوامل، لا مجرد حدث مفاجئ.
وجاءت الحرب التي اندلعت في أبريل 2023 لتكشف حجم هذه التراكمات؛ فلم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل تحولت إلى كارثة معقدة (Complex Disaster) امتدت آثارها إلى الإنسان، ومؤسسات الدولة، والاقتصاد، والبنية التحتية، وسبل كسب العيش، لتصبح واحدة من أكبر الأزمات الإنسانية في العالم.
ويطرح هذا الواقع سؤالًا جوهريًا:
هل ما يشهده السودان هو صراع واحد، أم منظومة من النزاعات المتداخلة، تراكمت عواملها عبر الزمن حتى انفجرت في حرب شاملة؟

تشير أدبيات إدارة مخاطر الكوارث إلى أن الكوارث الكبرى لا تنشأ عادةً بسبب عامل واحد، بل نتيجة تفاعل مجموعة من العوامل السياسية، والمؤسسية، والاقتصادية، والاجتماعية، والبيئية، والأمنية، إلى جانب تأثيرات البيئة الإقليمية والدولية، داخل دولة تعاني من الهشاشة. ومن هذا المنظور، يمكن فهم الحرب في السودان باعتبارها نتاج هذا التفاعل المعقد، وليس نتيجة سبب منفرد.
فقد أسهمت الخلافات المستمرة حول الدستور الدائم، وطبيعة نظام الحكم، وتوزيع السلطات بين المركز والأقاليم، في إضعاف الاستقرار المؤسسي وتعقيد إدارة التنوع. كما أسهمت التدخلات الإقليمية والدولية، وما ارتبط بها من تباين في المصالح والتنافس الجيوسياسي، في زيادة تعقيد المشهد وإطالة أمد الصراع. غير أن تأثير هذه التدخلات ظل مرتبطًا بوجود تحديات داخلية أضعفت قدرة الدولة على احتواء الأزمة وتعزيز تماسكها الوطني.
وانطلاقًا من هذه الرؤية، يناقش هذا المقال أربعة محاور رئيسة أسهمت في تشكيل منظومة النزاعات في السودان، هي: إدارة التنوع، وإدارة الموارد الطبيعية وسبل كسب العيش، والحوكمة وبناء المؤسسات، والأمن وسيادة الدولة، انطلاقًا من أن فهم هذه العوامل يمثل الخطوة الأولى نحو الانتقال من إدارة نتائج الحرب إلى الوقاية من النزاعات وبناء سلام مستدام.

أولاً: كيف تشكلت منظومة النزاعات في السودان؟

إذا كانت الحرب التي يشهدها السودان تمثل كارثة معقدة، فإن فهمها يقتضي النظر إلى ما سبقها من تراكمات، لا إلى الأحداث التي صاحبت اندلاعها فقط. فالنزاعات، شأنها شأن الكوارث الكبرى، لا تنشأ فجأة، وإنما تتطور عبر مسار طويل تتفاعل فيه عوامل سياسية، واقتصادية، واجتماعية، وبيئية، ومؤسسية، وأمنية، حتى يصبح العنف أكثر احتمالًا.
وقد ترك الإرث الاستعماري بعض الاختلالات البنيوية في الدولة السودانية، إلا أن التحدي الأكبر بعد الاستقلال تمثل في بناء دولة قادرة على إدارة تنوعها، وتحقيق تنمية متوازنة، وتعزيز المشاركة والعدالة بين مختلف الأقاليم.
ومع تعاقب الأزمات، واتساع الفجوة التنموية بين المركز والأقاليم، واستمرار المركزية الإدارية، وبطء اتخاذ القرار، تراجعت قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وازدادت الهشاشة في عدد من المناطق، مما وفر بيئة مواتية لتفاقم التوترات.
ومن منظور إدارة مخاطر الكوارث، لا تُعد هذه الاختلالات أسبابًا مباشرة للحرب، وإنما مسببات للهشاشة تتفاعل تدريجيًا مع بعضها بعضًا، حتى تتحول إلى أزمات يصعب احتواؤها إذا غابت المعالجات المبكرة.
وهكذا، لا تبدو الحرب في السودان حدثًا منفصلًا عن سياقها، بل نتيجة منظومة نزاعات متداخلة تشكلت عبر عقود، تفاعلت فيها قضايا إدارة التنوع، والموارد الطبيعية، والحوكمة، والأمن، حتى قادت إلى واقع بالغ التعقيد.
ومن هنا، فإن بناء السلام لا يبدأ بعد توقف القتال، بل يبدأ بفهم هذه المنظومة، ومعالجة جذور الهشاشة التي سمحت للنزاعات بالتراكم وإعادة إنتاج نفسها.

ثانياً: إدارة التنوع والموارد… عندما تتحول التحديات إلى نزاعات:
تكشف التجربة السودانية أن التنوع الثقافي والإثني واللغوي والبيئي لم يكن يومًا سببًا للنزاعات، بل ظل عبر التاريخ مصدرًا للثراء والتكامل بين المجتمعات. غير أن غياب الإدارة الرشيدة لهذا التنوع، واتساع الفجوة التنموية بين الأقاليم، وضعف المشاركة في صنع القرار، أسهمت في تراجع الثقة بين الدولة والمواطن، وزادت من قابلية بعض المناطق للتوتر والاستقطاب.
وينطبق الأمر ذاته على الموارد الطبيعية، التي مثلت لعقود أساس النشاط الاقتصادي في معظم الأقاليم. فقد أسهمت الإدارة الأهلية والأعراف المحلية في تنظيم استخدام الأراضي والمياه ومسارات الرعي، بما في ذلك تنظيم حقوق الانتفاع بالأرض من خلال نظام الحواكير في بعض المناطق. إلا أن الضغوط السكانية، والتغيرات المناخية، والتصحر، والنزوح، وضعف إدارة الأراضي، أدت إلى تصاعد المنافسة على الموارد، وتحول بعض الخلافات المحلية إلى بؤر توتر.
كما برز خلال السنوات الأخيرة عامل آخر لا يقل خطورة، تمثل في تصاعد خطاب الكراهية، وانتشار المعلومات المضللة، خاصة عبر وسائل التواصل الاجتماعي، الأمر الذي عمّق الانقسامات المجتمعية، وعزز الصور النمطية السلبية، وأضعف الثقة بين مكونات المجتمع. وفي المقابل، تراجع حضور الإعلام المهني والإعلام الإيجابي القادر على نشر ثقافة الحوار، وتعزيز قيم المواطنة، واحترام التنوع، وترسيخ ثقافة التعايش السلمي.
إن هذه القضايا، كلٌّ على حدة، لا تفسر اندلاع الحرب، لكنها عندما تتفاعل داخل بيئة تعاني من الهشاشة وضعف المؤسسات، تصبح جزءًا من منظومة النزاعات التي تزيد من احتمالات العنف وتُعقّد فرص احتوائه.
ولهذا، فإن بناء السلام لا يقتصر على وقف القتال، بل يتطلب إدارة عادلة للتنوع، وإصلاح سياسات الأراضي، وتحسين سبل كسب العيش، وتعزيز دور الإدارة المحلية والإدارة الأهلية، إلى جانب دعم إعلام مهني مسؤول يواجه خطاب الكراهية، ويعزز ثقافة الحوار، ويُرسخ قيم المواطنة والتماسك المجتمعي، باعتبارها جميعًا ركائز أساسية للوقاية من النزاعات.

ثالثاً: الحوكمة والأمن… عندما تضعف الدولة تتسع دائرة النزاع

إذا كانت إدارة التنوع والموارد الطبيعية تمثل جانبًا من منظومة النزاعات، فإن الحوكمة تحدد قدرة الدولة على إدارة هذه القضايا بكفاءة وعدالة. فالدول لا تدخل في دوامات الصراع بسبب تنوعها أو محدودية مواردها، وإنما عندما تضعف مؤسساتها، وتتراجع كفاءتها، ويختل تطبيق القانون، وتُدار الموارد العامة بصورة غير رشيدة.
وقد أظهرت التجربة السودانية أن المركزية الإدارية، وبطء اتخاذ القرار، واتساع الفجوة بين مراكز صنع القرار والأقاليم، جميعها أضعفت قدرة مؤسسات الدولة على الاستجابة للتحديات التنموية والأمنية، وأثرت في ثقة المواطنين في مؤسساتهم.
كما أن الفساد المالي والإداري لا يقتصر أثره على إهدار الموارد، بل ينعكس على جودة الخدمات، ويؤخر جهود التنمية، ويضعف برامج التعافي وإعادة الإعمار، بما يطيل أمد الأزمات ويزيد من هشاشة الدولة.
وفي الجانب الأمني، أدى تعدد الحركات المسلحة، وانتشار السلاح خارج المؤسسات النظامية، إلى تعقيد المشهد الأمني وارتفاع احتمالات تجدد العنف، كما حدّ من قدرة الدولة على حماية المدنيين وفرض النظام العام.
وأظهرت التجربة كذلك أن بعض اتفاقيات السلام ركزت بدرجة أكبر على تقاسم السلطة والثروة والترتيبات السياسية، دون أن تعالج بصورة كافية القضايا الهيكلية التي أسهمت في نشوء النزاعات، مثل بناء المؤسسات، وتحقيق التنمية المتوازنة، والإدارة الرشيدة للموارد، وتعزيز سلطة الدولة وسيادة القانون. لذلك، ورغم أهمية تلك الاتفاقيات، فإنها لم تكن كافية لمنع تجدد الصراعات أو ظهور حركات مسلحة جديدة.
ومن منظور الحرب بوصفها كارثة معقدة، فإن هذه الاختلالات لا تُعد نتائج للحرب فحسب، بل تمثل أيضًا بيئة خصبة لإعادة إنتاج النزاعات إذا لم تُعالج بصورة شاملة.
ولهذا، فإن بناء السلام المستدام يتطلب مشروعًا وطنيًا لإعادة بناء مؤسسات الدولة، وتعزيز كفاءتها ونزاهتها، ومكافحة الفساد، وترسيخ حكم القانون، وحصر السلاح في يد الدولة، إلى جانب تنفيذ برامج فعالة لنزع السلاح والتسريح وإعادة الدمج، بما يهيئ بيئة آمنة للتنمية، ويعزز ثقة المواطنين في دولتهم.
الخاتمة:
تكشف التجربة السودانية أن الحرب لم تكن نتيجة حدث منفرد، بل حصيلة تراكمات سياسية، ومؤسسية، واقتصادية، واجتماعية، وبيئية، وأمنية، تفاعلت عبر عقود حتى تحولت إلى كارثة معقدة تجاوزت آثارها ميادين القتال لتطال الإنسان، والدولة، والاقتصاد، وسبل كسب العيش.
ومن ثم، فإن إنهاء الحرب، على أهميته، لا يكفي وحده لضمان الاستقرار، ما لم تُعالج الجذور التي أسهمت في إنتاج النزاعات. ويتطلب ذلك إعادة بناء مؤسسات الدولة، وتحقيق تنمية أكثر توازنًا بين الأقاليم، وإدارة التنوع والموارد بعدالة، وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع، والحد من مسببات الهشاشة قبل أن تتحول إلى أزمات جديدة.
وتؤكد أدبيات إدارة مخاطر الكوارث أن الاستثمار في الوقاية أكثر جدوى وأقل كلفة من الاكتفاء بالاستجابة بعد وقوع الكارثة. وينطبق هذا المبدأ على النزاعات المسلحة أيضًا؛ فكلما ازدادت قدرة الدولة على رصد مؤشرات التوتر والاستجابة لها مبكرًا، تراجعت احتمالات تحولها إلى صراعات واسعة النطاق.
ولعل السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا اليوم ليس: كيف نوقف الحرب؟ وإنما: كيف نبني دولة تمنع اندلاع الحرب القادمة؟

إن الإجابة عن هذا السؤال تمثل جوهر هندسة السلام؛ أي الانتقال من إدارة الأزمات بعد وقوعها إلى بناء منظومة وطنية للوقاية، تستند إلى مؤسسات فاعلة، ومجتمع متماسك، وتنمية شاملة، وآليات علمية لرصد المخاطر والاستجابة لها قبل أن تتفاقم.

سؤال للتأمل:

إذا كانت النزاعات تتطور عبر سنوات من تراكم التحديات، فهل يستطيع السودان بناء منظومة وطنية للإنذار المبكر، تعتمد على مؤشرات علمية ترصد بوادر التوتر، وتدعم صانعي القرار في التدخل الوقائي قبل تحولها إلى نزاعات مسلحة؟
*المراجع

1. de Waal, A. (2015). The Real Politics of the Horn of Africa: Money, War and the Business of Power. Polity Press.

2. Johnson, D. H. (2003). The Root Causes of Sudan’s Civil Wars. James Currey.

3. United Nations & World Bank. (2018). Pathways for Peace: Inclusive Approaches to Preventing Violent Conflict. Washington, DC: World Bank.

4. United Nations Office for Disaster Risk Reduction (UNDRR). (2015). Sendai Framework for Disaster Risk Reduction 2015–2030.

5. World Bank. (2011). World Development Report 2011: Conflict, Security and Development. Washington, DC: World Bank.

6. International Organization for Standardization (ISO).ع (2021). ISO 37000: Governance of Organizations — Guidance.

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6143 ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) كيف يتولد ” الضغط ” الجماهيري ، من دون جهد ومن دون تكلفة مالية ؟

المقالة التالية

الحرب على السودان وإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية (18) .. بين مسار السلام والتصدعات الداخلية والاتهامات الإقليمية.. هل دخلت الحرب السودانية مرحلة التحول الاستراتيجي؟ .. التصدعات داخل قوات الدعم السريع وتراجع التماسك التنظيمي .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الأفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *