ليست البيانات السياسية مجرد نصوص تُكتب لتُقرأ ثم تُنسى، بل هي في كثير من الأحيان أشبه بمرآة تعكس كيف ترى الأحزاب نفسها وتاريخها، وكيف تعيد ترتيب الوقائع في ذاكرتها بما يخدم حاضرها ويمنحها سنداً في معاركها السياسية. ومن هذا الباب، يجيء بيان الحزب الشيوعي السوداني الصادر في الذكرى الخامسة والخمسين لأحداث 19 يوليو 1971م، بوصفه نصاً سياسياً يحمل دلالات تستحق التوقف عندها، لا باعتباره حكماً نهائياً على التاريخ، وإنما كإحدى الروايات التي تشارك في تشكيل الوعي العام حول واحدة من أكثر محطات السودان الحديث إثارة للجدل.
ومن خلال قراءة متأنية للنص، يمكن تسجيل الملاحظات الآتية:
أولاً: يغلب على البيان الطابع السياسي التعبوي أكثر من الطابع التاريخي التوثيقي؛ فهو ينطلق من رؤية الحزب للأحداث، ويعرضها باعتبارها الأقرب إلى الحقيقة، دون أن يفتح الباب على مصراعيه أمام الروايات الأخرى التي تناولتها الدراسات الأكاديمية وشهادات الفاعلين واختلافات المؤرخين. وبذلك يقترب النص من خطاب الذاكرة الحزبية أكثر من كونه دراسة تاريخية مقارنة.
ثانياً: يعتمد البيان على لغة مشحونة بالعاطفة، تستحضر الشهداء والتضحيات والصمود، وهي لغة مألوفة في الخطاب السياسي، لكنها لا تكفي وحدها لبناء سردية تاريخية متماسكة، إذ يظل التاريخ في حاجة إلى تعدد المصادر، ومقارنة الشهادات، والاحتكام إلى الوثائق، لا إلى حرارة الانتماء وحدها.
ثالثاً: يميل البيان، بشكل مباشر أو غير مباشر، إلى نفي مسؤولية حركة 19 يوليو عن بعض الوقائع التي ظلت محل جدل، وفي مقدمتها حادثة بيت الضيافة، ويصف الاتهامات بأنها توظيف سياسي، دون أن يقدّم وثائق جديدة أو يناقش ما انتهت إليه التحقيقات والدراسات المختلفة. وكان الأجدر الإقرار بأن الملف ما يزال مفتوحاً أمام البحث التاريخي، وأن الوصول إلى الحقيقة الكاملة يقتضي إتاحة الأرشيفات أمام الباحثين والرأي العام.
رابعاً: يظهر في البيان قدر من التوتر بين الاحتفاء بتجربة قادها ضباط عبر تحرك عسكري، وبين التأكيد في الوقت نفسه على أن الديمقراطية لا تُنال إلا عبر الإرادة الشعبية ورفض الانقلابات. وهو تناقض يحتاج إلى مراجعة فكرية صريحة حول مشروعية الوسيلة التي أُنتجت بها تلك التجربة، وهي مراجعة لا تزال مطلوبة في مسار تطور الفكر السياسي السوداني.
خامساً: يربط البيان بين أحداث 1971م والواقع السوداني الراهن، في محاولة لإسقاط الماضي على الحاضر ضمن رؤية سياسية معاصرة. ورغم مشروعية هذا الربط في الخطاب الحزبي، إلا أنه لا يعكس بالضرورة إجماعاً وطنياً، لأن قراءة الأزمة السودانية نفسها ما تزال محل اختلاف واسع بين القوى السياسية.
سادساً: يدعو البيان إلى كشف الوثائق وتحقيق العدالة التاريخية، وهي دعوة يمكن الاتفاق معها من حيث المبدأ، غير أن العدالة الانتقالية تقتضي أن تشمل هذه الدعوة جميع الانتهاكات والضحايا دون استثناء، حتى لا تتحول إلى مطلب انتقائي، بل إلى مشروع وطني شامل للإنصاف والمصالحة.
وفي المحصلة، يعكس البيان بوضوح الذاكرة السياسية للحزب الشيوعي السوداني، لكنه لا يمكن اعتباره رواية تاريخية مكتملة، لأن أحداث 19 يوليو ما تزال من أكثر محطات التاريخ السوداني تعقيداً وتشابكاً، ولا يمكن الإحاطة بها إلا عبر الجمع بين الوثائق، والشهادات المتعددة، والبحث الأكاديمي الحر الذي يتجاوز حدود الاصطفاف السياسي.
ما لم يتطرق إليه البيان
ورغم اتساع مساحة البيان، فإن عدداً من القضايا الجوهرية ظل خارج دائرة المعالجة، أو ورد بصورة عابرة لا تتناسب مع أهميته التاريخية، ومن أبرزها:
أولاً: لم يتناول البيان بصورة كافية الخلفيات الفكرية والسياسية التي دفعت بعض الضباط والقوى المدنية إلى خيار التغيير العسكري، رغم أن فهم الدوافع يمثل مدخلاً أساسياً لفهم النتائج.
ثانياً: غابت المراجعة النقدية الصريحة لموقف الحزب التاريخي من الانقلابات العسكرية، واكتفى النص برفضها في الحاضر دون مساءلة التجربة السابقة أو تفكيكها فكرياً.
ثالثاً: ظل السرد محصوراً في رؤية الحزب، بينما غابت وجهات نظر القوى السياسية الأخرى، وأنصار نظام مايو، وبعض القراءات الأكاديمية المختلفة، مما أضعف التوازن المطلوب في تناول حدث لا يزال محل خلاف.
رابعاً: لم تُطرح مأساة ضحايا بيت الضيافة وغيرها من الوقائع المؤلمة بوصفها قضية إنسانية ووطنية تستحق الإنصاف بعيداً عن الاصطفاف السياسي، وهو ما كان سيمنح الخطاب بعداً أخلاقياً أوسع.
خامساً: لم يتوقف البيان عند الآثار العميقة التي خلّفتها أحداث يوليو 1971م على بنية الدولة السودانية، والعلاقة بين المدنيين والعسكريين، ومسار التحول الديمقراطي، وما ترتب عليها من تعميق للاستقطاب السياسي.
سادساً: غاب السياق الإقليمي والدولي الذي أحاط بالأحداث، في ظل الحرب الباردة والتجاذب الأيديولوجي بين المعسكرين الشرقي والغربي، وهي عوامل كان لها تأثير واضح في تشكيل المشهد آنذاك.
سابعاً: ركز البيان على ما تعرض له الحزب من استهداف، دون أن يناقش مسؤولية القوى السياسية السودانية كافة، مدنية وعسكرية، في إضعاف التجربة الديمقراطية وفتح الباب أمام تكرار الانقلابات.
ثامناً: لم يقدم البيان رؤية عملية واضحة لكيفية بناء توافق وطني يحمي الديمقراطية من الانهيار، واكتفى بالتأكيد عليها كهدف، دون تفصيل الآليات السياسية والمؤسسية الكفيلة بصونها.
خاتمة
يبقى التاريخ، مهما تعددت حوله الروايات، أوسع من أن تحتكره جهة واحدة أو تختزله ذاكرة حزب بعينه. فهو لا يُكتب بالبيانات وحدها، ولا يُحسم بالانحيازات السياسية، بل يتشكل عبر تراكم الوثائق والشهادات والنقد والمقارنة والإنصاف.
ومن هذا المنظور، فإن بيان الحزب الشيوعي السوداني، رغم أهميته بوصفه تعبيراً عن ذاكرة سياسية حية، يظل واحداً من أصوات متعددة في سجل تلك المرحلة، وليس الكلمة الأخيرة فيها. أما الحقيقة التاريخية الكاملة، فلن تكتمل إلا حين تُفتح الأرشيفات، وتتعدد القراءات، ويُترك للتاريخ أن يُحاكم الوقائع بميزان واحد لا يتبدل: ميزان الحقيقة.
قراءة في بيان الحزب الشيوعي السوداني بمناسبة الذكرى الخامسة والخمسين لانقلاب 19 يوليو 1971م .. المنشور بجريدة الميدان، العدد (4491)، بتاريخ 21 يوليو 2026م، تحت عنوان: (ذكرى الشهداء وصمود الحزب وانتصار قضية الديمقراطية) .. اللواء الركن (م) د. سعد حسن فضل الله .. المستشار بمركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام
المقالة السابقة


