Popular Now

منشورات د. احمد المفتي رقم 6155 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية المنشور ) تعليق على بيان مجموعة السبع G7 الصادر بتاريخ الامس 14 يوليو 2026 بشأن مدينة الابيض

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… الإنسان والحقيقة من الأسباب إلى الآثار .. د. محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

مسار حر | ما بعد بارا: كيف أعادت عمليات شمال كردفان رسم مركز الثقل العملياتي في الحرب؟ .. المسلمي البشير الكباشي

أصل القضية | من سلسلة الجسر والمورد السودان… الإنسان والحقيقة من الأسباب إلى الآثار .. د. محمد أحمد أبوبكر .. باحث بمركز الخبراء للدراسات الإنمائية وتحليل الأزمات

ليست كل الأزمات تبدأ من الاقتصاد ولا كل الانهيارات تبدأ من السياسة فبعض الأمم تبدأ خسارتها يوم تنسى أن الإنسان ليس مجرد رقم في تعداد السكان، ولا بندًا في الموازنة العامة، ولا ضحية تُحصى في تقارير المنظمات.

إنما هو الغاية التي قامت الدولة لأجلها والوسيلة التي تنهض بها والثروة التي لا تعوضها حقول الذهب، ولا آبار النفط، ولا موارد الأرض كلها.
وربما كانت هذه هي الحقيقة الأكثر إهمالًا في السودان.

لقد انشغل السودانيون طويلًا بالحديث عن الأرض ، عن السلطة ، عن الثروة ، عن الحدود وعن السلاح.
لكن السؤال الذي ظل مؤجلًا هو:
أين الإنسان في كل هذه المعادلة؟
فالدول لا تُقاس بما تملكه من موارد بل بما تصنعه من إنسان.
ولا تنهض بما تملكه من جغرافيا بل بما تبنيه من كرامة، وثقة، وقدرة داخل مواطنيها.

ولهذا فإن أخطر خسائر السودان خلال العقود الماضية ليست خسارة مدينة ولا مؤسسة ولا مشروع وإنما خسارة الإنسان نفسه.
وحين نقرأ مشهد الحرب بعيونٍ استراتيجية، فإننا ندرك أن الانتصار العسكري، على عظمته، ليس نهاية الطريق، بل بدايته.
فقد حققت القوات المسلحة السودانية انتصارات ميدانية مهمة في مواجهة التمرد، واستعادت كثيرًا من الأرض، ورسخت معادلات جديدة في الميدان.
غير أن هناك معركة أخرى لا تقل أهمية عن معركة السلاح إنها معركة كسب الإنسان السوداني.
فإذا كان هناك ميدان لا تزال الدولة مطالبة بحسمه، فهو ميدان الثقة، والكرامة، والعدالة، والأمل.

لأن الدول قد تستعيد الأرض لكنها لا تكون قد انتصرت حقًا إذا خسرت الإنسان.
وقد تكسب المدن لكنها لا تربح المستقبل إذا فقد المواطن ثقته فيها.

فالإنسان ليس مجرد أحد عناصر الدولة بل هو أحد مكوناتها الأساسية.
وبخسارته لا تخسر الدولة فردًا بل تخسر أحد أركان وجودها، ومصدر شرعيتها، وقاعدة استقرارها.

فالانتصار الحقيقي لا يُقاس بعدد الكيلومترات المحررة بل بعدد المواطنين الذين يشعرون أن هذه الدولة تستحق أن يعيشوا من أجلها، وأن يبنوها، وأن يدافعوا عنها.
حين يتحول الإنسان من “غاية” إلى “وسيلة” تبدأ رحلة الانهيار.
فيصبح المواطن مجرد رقم انتخابي أو وقودًا لحرب أو تابعًا لحزب أو مستهلكًا في سوق أو لاجئًا في معسكر أو مهاجرًا يبحث عن وطن بديل.
وهنا لا تتآكل الدولة دفعة واحدة بل تتآكل من داخلها.
ولم يكن ذلك نتيجة الحرب وحدها بل هو حصيلة تراكمات طويلة.
حين ضعفت المدرسة…
وتراجعت الجامعة…
واهتزت الخدمة المدنية…
وتآكلت المؤسسات الصحية…
وتراجعت العدالة…
وتقلصت فرص العمل…
وتراجع احترام الكفاءة لصالح الولاء…
بدأ الإنسان يفقد إحساسه بأن الدولة تستثمر فيه.

وحين يشعر الإنسان أنه لم يعد مشروع الدولة…
يتوقف هو أيضًا عن الاستثمار في دولته.
ومن هنا تبدأ أخطر دائرة في تاريخ الأمم.
فالدولة التي تهمل الإنسان ينتج عنها مجتمع ضعيف.
والمجتمع الضعيف ينتج اقتصادًا هشًا.
والاقتصاد الهش يعمق الفقر.
والفقر يضعف التعليم.
وضعف التعليم يضعف الوعي.
وضعف الوعي يجعل المجتمع أكثر قابلية للاستقطاب والانقسام.
فتدخل الدولة في حلقة مفرغة لا تكسرها زيادة الموارد بل إعادة بناء الإنسان.
لقد كشفت الحرب حجم الأزمة الإنسانية الكامنة أكثر مما صنعتها.
نزح الملايين من بيوتهم…
لكن الأخطر أن كثيرين نزحوا من فكرة الوطن نفسها.
وتضررت المدن…
لكن الأخطر أن الثقة تصدعت.
وتوقفت مؤسسات…
لكن الأخطر أن الإنسان بدأ يفقد يقينه بأن مستقبله يمكن أن يُبنى هنا.
وهذه خسارة لا تُقاس بالأرقام.
إن التنمية ليست بناء الطرق وحدها…
ولا تشييد الجسور…
ولا زيادة الناتج المحلي.

فكل ذلك يمكن أن يتحقق ، ويبقى الإنسان فقيرًا في المعرفة…
وفقيرًا في الكرامة…
وفقيرًا في الأمل.

ولهذا أصبحت الأمم الحديثة تقيس نجاحها بجودة حياة الإنسان، وبقوة رأس مالها البشري، وبمستوى الثقة المجتمعية، أكثر مما تقيسه بحجم الموارد الطبيعية.
لأن الإنسان ليس ناتج التنمية بل صانعها.

ومن منظور رؤية الجسر والمورد، فإن إعادة إعمار السودان لا تبدأ بالإسمنت والحديد بل تبدأ بإعادة إعمار الإنسان.

إن بناء المدارس أهم من بناء الأسوار…
وبناء الثقة أهم من بناء الشعارات…
وبناء المؤسسات أهم من بناء الأشخاص…
وبناء الكفاءة أهم من بناء الولاءات.

فالإنسان المؤهل يصنع المؤسسة…
والمؤسسة الرشيدة تصنع الدولة…
والدولة العادلة تصنع المستقبل.

إن أخطر ما يواجه السودان اليوم ليس الدمار الذي أصاب الحجر بل التآكل البطيء الذي أصاب علاقة الإنسان بدولته.

فالقانون ما يزال قائمًا…
لكن كثيرًا من الناس لم يعودوا يشعرون بحماية القانون.

والأرض ما تزال تمتد على اتساع الوطن…
لكنها تعجز عن أن تمنح أهلها الأمن الغذائي الذي يليق بإمكاناتها.

والموارد الطبيعية ما تزال تختزن ثروات هائلة…
لكن الاقتصاد يزداد هشاشة، والجنيه السوداني يواصل فقدان قيمته، حتى أصبح المواطن يفقد مع كل تراجع في العملة جزءًا من قدرته على الحياة، وجزءًا من ثقته في المستقبل.

والأسواق تعج بالبضائع…
لكن غلاء الأسعار يسبق الأجور، ويبتلع الدخول، ويحوّل أبسط احتياجات الأسرة إلى معركة يومية.

والمنازل ما تزال قائمة…
لكن ارتفاع الإيجارات جعل السكن نفسه حلمًا مؤجلًا لآلاف الأسر التي أنهكتها الحرب والنزوح.

والمؤسسات ما تزال تحمل أسماءها…
لكن المواطن كثيرًا ما يبحث عن أثرها في حياته فلا يجده.

إنها المفارقة السودانية المؤلمة…
كل شيء يبدو موجودًا… إلا أثره في الإنسان.
وهنا يكمن الخطر الحقيقي.

فالدول لا تبدأ بالانهيار يوم تنضب مواردها…
بل يوم تصبح مواردها عاجزة عن حماية إنسانها.
ولا يوم تُهدم مبانيها…
بل يوم يشعر مواطنها أنه يعيش داخل وطن لا يستطيع أن يمنحه العدالة، ولا الكرامة، ولا فرصة العيش الكريم.

وقد يبقى العلم مرفوعًا فوق المباني…
لكن الوطنية لا تُصنع فوق السواري، وإنما تُبنى داخل الإنسان.

فإذا أصبح كل صباح يحمل معه غلاءً جديدًا…
وكل شهر يحمل انخفاضًا جديدًا في قيمة الجنيه…
وكل عام يحمل ارتفاعًا جديدًا في تكاليف الحياة…
فإن الاستنزاف لا يطال الجيب وحده، بل يطال الانتماء نفسه.

وعندما يتحول الوطن في وعي مواطنيه من مساحة للأمل إلى مساحة للنجاة فقط…
فإن الخطر لم يعد اقتصاديًا، ولا اجتماعيًا، ولا أمنيًا فحسب…

بل أصبح خطرًا استراتيجيًا يهدد الركن الذي تقوم عليه الدولة كلها.

لأن الدول لا تُستأصل فقط باحتلال أرضها…
بل قد تُستأصل وطنيتها حين يُستنزف الإنسان، ويُرهق حتى يفقد ثقته بوطنه، وإيمانه بدولته، وقدرته على الحلم بمستقبل فيها.

إن السودان لا يعاني فقط من فجوة في الموارد بل من فجوة في ترتيب الأولويات.
فكل مشروع لا يبدأ بالإنسان…
سينتهي إلى خدمة الأشياء على حساب البشر.
وكل سياسة لا تجعل كرامة المواطن معيارًا للنجاح…
ستظل سياسة ناقصة مهما بلغت دقتها.
ولذلك…
ربما لم يعد السؤال الحقيقي هو:
كيف نعيد بناء السودان؟
بل كيف نحمي الإنسان السوداني من أن يخسر وطنه وهو ما يزال يعيش فوق أرضه؟
فهناك تبدأ كل نهضة..
وهناك تُحسم كل معركة…
لأن الإنسان… ليس أحد ملفات الدولة.
إنه الدولة نفسها.

المقالة السابقة

مسار حر | ما بعد بارا: كيف أعادت عمليات شمال كردفان رسم مركز الثقل العملياتي في الحرب؟ .. المسلمي البشير الكباشي

المقالة التالية

منشورات د. احمد المفتي رقم 6155 .. ( بدعم من الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية المنشور ) تعليق على بيان مجموعة السبع G7 الصادر بتاريخ الامس 14 يوليو 2026 بشأن مدينة الابيض

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *