مع دخول الحرب في السودان عامها الرابع، تبدو هذه الآية من سورة آل عمران وكأنها تفتح بابًا للتأمل في سنن الله في الابتلاء.
في غزوة أُحد، أصاب المسلمين غمٌّ بعد غم؛ هزيمة، وجراح، وفقد للأحبة، ثم شاعت أنباء استشهاد رسول الله ﷺ، فكان الهم الأعظم الذي غطّى ما دونه. عندها بيّن القرآن الحكمة بقوله تعالى: ﴿فَأَثَابَكُمْ غَمًّا بِغَمٍّ لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَىٰ مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ﴾.
إنها ليست دعوة إلى الحزن، ولا تقريرًا بأن الغم دواء للغم، وإنما هي إشارة إلى أن الله قد يقدّر من الابتلاء ما يعيد ترتيب سلم الأولويات في النفوس؛ فإذا حضرت القضايا الكبرى، صغرت في الأعين الهموم الصغرى.
وهذا ما عاشه كثير من السودانيين خلال هذه الحرب. فقد كان الإنسان قبلها ينشغل بخلافات يومية، أو منافسات سياسية، أو مكاسب شخصية، أو مظاهر اجتماعية. ثم جاءت الحرب لتضع الجميع أمام سؤال أكبر: كيف نحفظ الوطن؟ كيف نصون الإنسان؟ كيف نعيد الأمن، ونحفظ الكرامة، ونوقف نزيف الدم؟
لقد صار بقاء الدولة، ووحدة المجتمع، وأمن الأسر، وعودة النازحين، وتضميد الجراح، قضايا تتقدم على كثير من التفاصيل التي كانت تستنزف الطاقات.
وهنا يتجلى المعنى التربوي للآية: ليس لأن الألم محمود في ذاته، وإنما لأن الشدائد قد توقظ الأمم من غفلتها، وتعيد إليها ترتيب أولوياتها، وتدفعها إلى مراجعة نفسها، واكتشاف ما هو أثمن مما كانت تتنازع عليه.
لكن هذا المعنى لا يكتمل إلا إذا تحولت المحنة إلى منحة؛ فإذا خرج الناس من البلاء بحكمة، ومن الفرقة إلى الوحدة، ومن الخصومة إلى التوافق، ومن هدم الإنسان إلى بناء الإنسان.
ولعل أعظم ما ينبغي أن نتعلمه من هذه المحنة أن الأوطان لا تُبنى بالثأر، ولا تستقر بتغليب الأحقاد، ولا تنهض بإدامة الانقسام. لقد دفعت بلادنا ثمنًا باهظًا من دماء أبنائها، وتشريد أهلها، وتعطل مؤسساتها، فلا يجوز أن نضيف إلى ذلك إرثًا جديدًا من الكراهية تتوارثه الأجيال.
إن المرحلة المقبلة تتطلب شجاعة من نوع آخر؛ شجاعة الاعتراف بالأخطاء، وشجاعة التسامح، وشجاعة تقديم مصلحة الوطن على المصالح الضيقة. فليس المقصود أن ننسى التاريخ، وإنما ألا نبقى أسرى له، وأن نستفيد من دروسه دون أن٦ نحمل أوزاره إلى المستقبل.
إن السودان يتسع لجميع أبنائه، على اختلاف قبائلهم، وأقاليمهم، وتوجهاتهم الفكرية والسياسية. وما يجمعهم من دين، ووطن، وتاريخ، ومصير، أكبر بكثير مما يفرقهم. ولن يكون المستقبل إلا بتعزيز ثقافة قبول الآخر، واحترام التنوع، وترسيخ قيم الحوار، والاحتكام إلى القانون، ونبذ خطاب الكراهية والإقصاء.
ولنجعل من هذه الحرب آخر الحروب، ومن هذه المعاناة آخر الدروس القاسية، ولنتعاهد جميعًا على بناء وطنٍ يقوم على العدالة، وتكافؤ الفرص، وسيادة القانون، والتنمية المتوازنة، حتى ينشأ أبناؤنا وأحفادنا في سودانٍ آمنٍ مستقر، يفاخرون بالانتماء إليه، ويجدون فيه ما يستحقون من حياة كريمة وأمل رحب.
نسأل الله أن يجعل ما أصاب السودان سببًا في نهضة جديدة، وأن يبدل خوف أهله أمنًا، وفرقتهم اجتماعًا، وحزنهم أملًا، وأن يهيئ لهم من أمرهم رشدًا، وأن يجعل هذه المحنة بدايةً لوحدة الصف، ورأب الصدع، وإحياء قيم التراحم والتكافل، لتعود بلادنا أقوى بإيمانها، وأرسخ بوحدتها، وأزهى بمستقبلها، بإذن الله.


