Popular Now

مستقبل مجلس السيادة السوداني في المرحلة القادمة .. قراءة استراتيجية في ضوء اتجاهات الرأي العام والتحول الدستوري .. د. أبو الطيب آدم حسن سليمان .. مؤسس مبادرة سوا – السودان أولاً

رَسَنُ حميدتي… إعلانُ النهاية وسقوطُ رهانِ البندقية .. عادل الرفاعي ابوالحسن

سلسلة الحرب على السودان وعودة دارفور (31) بين الحراك الدبلوماسي والتصعيد العسكري: هل تقترب الحرب السودانية من منعطف سياسي جديد؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

مستقبل مجلس السيادة السوداني في المرحلة القادمة .. قراءة استراتيجية في ضوء اتجاهات الرأي العام والتحول الدستوري .. د. أبو الطيب آدم حسن سليمان .. مؤسس مبادرة سوا – السودان أولاً

يمثل مجلس السيادة أحد أبرز مؤسسات الدولة السودانية خلال المرحلة الانتقالية، غير أن استمرار الحرب وما صاحبها من تحولات في موازين القوى وتبدل أولويات الدولة من إدارة المرحلة الانتقالية إلى استعادة الأمن والاستقرار، يفرض إعادة النظر في دور المجلس ووظيفته ومستقبله. ولم يعد السؤال المطروح اليوم هو ما إذا كان المجلس سيستمر، وإنما ما هي الصيغة التي تمكنه من خدمة أهداف بناء الدولة وتحقيق الاستقرار السياسي والدستوري.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة في ظل استطلاع الرأي الذي أطلقه مركز الخبراء العرب للخدمات الصحفية ودراسات الرأي العام، إذ يأتي في توقيت يحتاج فيه صانع القرار إلى قراءة دقيقة لاتجاهات الرأي العام قبل الإقدام على أي ترتيبات تتعلق بإحدى أعلى مؤسسات الدولة. فالدول الخارجة من النزاعات لا تؤسس شرعيتها بالقوة وحدها أو بالتوافقات السياسية فحسب، وإنما أيضاً بإشراك المواطنين في رسم مستقبل مؤسسات الحكم والاستفادة من قياس اتجاهات الرأي العام بوصفه أحد أدوات صناعة القرار.

وقد مر مجلس السيادة منذ تأسيسه بعدة مراحل عكست طبيعة التحولات السياسية التي شهدتها البلاد، بداية بمجلس السيادة الذي تشكل عقب ثورة ديسمبر، ثم المجلس الذي أعقب اتفاق جوبا للسلام، فالمجلس الذي جاء بعد إجراءات أكتوبر، ثم مجلس السيادة خلال فترة الحرب، وصولاً إلى المجلس المتوقع بعد انتهاء النزاع. ويؤكد هذا التسلسل أن المجلس ظل مؤسسة انتقالية تتطور وفق المتغيرات السياسية ولم يكن مؤسسة دستورية دائمة، الأمر الذي يجعل تقييم مستقبله مسألة طبيعية في سياق تطور الدولة.

وتبرز عدة عوامل تجعل مستقبل مجلس السيادة قضية وطنية تستحق النقاش. فمن ناحية، تقترب البلاد تدريجياً من تجاوز مرحلة الضرورة التي أوجدت كثيراً من مؤسسات المرحلة الانتقالية، بما يستدعي مراجعة هياكل الحكم ووظائفها. ومن ناحية أخرى، تختلف متطلبات إدارة الدولة في مرحلة ما بعد الحرب عن متطلبات إدارة العمليات العسكرية، كما تفرض المرحلة المقبلة الحاجة إلى مؤسسات تستند إلى شرعية دستورية واضحة، وتتسم بالكفاءة والوضوح في الاختصاصات، مع تقليل التكاليف الإدارية والاستعداد لمرحلة الانتخابات وبناء مؤسسات دائمة.

وفي هذا السياق، تؤدي استطلاعات الرأي دوراً مهماً في دعم صناعة القرار، إذ تمثل وسيلة علمية لقياس مستوى الثقة في المؤسسات العامة، وتقييم أدائها، واستشراف الإصلاحات المطلوبة، والمساهمة في تخفيف الاحتقان السياسي، وتوفير معلومات تساعد متخذي القرار. ومع ذلك، فإن نتائج الاستطلاعات ينبغي أن تُقرأ في إطار منهجيتها العلمية وحدود تمثيلها، وألا تُعد بديلاً عن الآليات الدستورية أو الإرادة الشعبية التي تعبر عنها الانتخابات.

وعند استشراف مستقبل مجلس السيادة، يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. يتمثل السيناريو الأول في استمرار المجلس بصورته الحالية، وهو خيار قد يوفر قدراً من الاستقرار ويجنب البلاد فراغاً سياسياً، لكنه قد يطيل أمد المرحلة الانتقالية ويؤدي إلى استمرار تداخل الاختصاصات وضعف المساءلة. أما السيناريو الثاني فيقوم على إعادة هيكلة المجلس من خلال تقليص عدد أعضائه، وتحديد صلاحياته بصورة أكثر وضوحاً، والفصل بين السلطات السيادية والتنفيذية، مع وضع سقف زمني محدد لعمله، وهو سيناريو قد يسهم في تحقيق انتقال أكثر تنظيماً إذا توافرت له البيئة السياسية المناسبة. بينما يقوم السيناريو الثالث على إنهاء المجلس وإنشاء نظام دستوري جديد، وهو خيار يتطلب دستوراً انتقالياً ومؤسسات بديلة وتوافقاً وطنياً واسعاً وضمانات أمنية كافية، بما يجعل نجاحه مرتبطاً بمدى توفر تلك الشروط.

وتشير خبرات عدد من الدول التي مرت بتجارب انتقالية، مثل جنوب أفريقيا ورواندا وتشيلي، إلى أن المؤسسات الانتقالية لا ينبغي أن تتحول إلى مؤسسات دائمة، بل تخضع للمراجعة الدورية وتستبدل تدريجياً بمؤسسات دستورية منتخبة، مع المحافظة على الاستقرار وتجنب أي فراغ مؤسسي قد يهدد مسار الانتقال.

ومن المتوقع أن تتركز اهتمامات المواطنين عند تقييم مستقبل مجلس السيادة حول قضايا الأمن والاستقرار، وإنهاء الحرب، وتحسين الأوضاع الاقتصادية والخدمية، والعودة إلى الحكم الدستوري، وتحديد موعد واضح للانتخابات، إلى جانب تقليل الإنفاق الحكومي، ومكافحة الفساد، وضمان وضوح المسؤوليات داخل مؤسسات الدولة.

وانطلاقاً من ذلك، فإن أي صيغة مستقبلية لمجلس السيادة ينبغي أن تستند إلى مجموعة من المعايير الأساسية، في مقدمتها الشرعية الدستورية، والكفاءة المؤسسية، والشفافية، والمساءلة، والتمثيل الوطني المتوازن، وترشيد الإنفاق العام، وسرعة اتخاذ القرار، ودعم الوحدة الوطنية، واحترام سيادة القانون.

ولتحقيق انتقال مستقر، تبرز أهمية إجراء استطلاعات رأي دورية وفق معايير علمية، والاستفادة من نتائجها باعتبارها مؤشراً مساعداً في صناعة القرار دون أن تحل محل المؤسسات الدستورية. كما تبدو الحاجة قائمة إلى إطلاق حوار وطني واسع حول مستقبل مجلس السيادة، وتحديد سقف زمني واضح للمؤسسات الانتقالية، وإعداد مشروع دستوري يحدد شكل رئاسة الدولة بعد المرحلة الانتقالية، وربط أي تعديلات بخارطة طريق وطنية متفق عليها، مع تعزيز الشفافية في أداء المؤسسات السيادية، والاستعداد لانتخابات حرة ونزيهة تؤسس لشرعية دائمة.

وفي الختام، فإن مستقبل مجلس السيادة لا يمثل شأناً يخص القوى السياسية وحدها، بل يعد جزءاً أساسياً من مشروع إعادة بناء الدولة السودانية بعد الحرب. ومن ثم فإن الاستناد إلى أحكام الدستور وسيادة القانون، والإفادة من التجارب المقارنة، والإنصات إلى اتجاهات الرأي العام، يمكن أن يسهم في دعم انتقال متوازن يجمع بين متطلبات الأمن ومقتضيات الحكم الدستوري. وفي هذا الإطار، تظل استطلاعات الرأي، متى أُجريت وفق أسس علمية وفُسرت نتائجها بموضوعية، أداة مهمة لإسناد القرار العام وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع.

والله ولي التوفيق.

المقالة السابقة

رَسَنُ حميدتي… إعلانُ النهاية وسقوطُ رهانِ البندقية .. عادل الرفاعي ابوالحسن

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *