Popular Now

منظومة البناء المعنوي بالقوات المسلحة السودانية ودورها في تحقيق الانتصار.. بروفيسور علي عيسى عبد الرحمن

مسارات .. متحف الجعليين… ذاكرة الوطن .. د. نجلاء حسين المكابرابي

سلسلة الحرب على السودان (45) حوار الداخل وشروط السلام: هل يقترب السودان من التسوية السياسية بعد التحولات العسكرية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

سلسلة الحرب على السودان (45) حوار الداخل وشروط السلام: هل يقترب السودان من التسوية السياسية بعد التحولات العسكرية؟ .. د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب .. الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات

تشهد الحرب في السودان مرحلة دقيقة تتداخل فيها التحولات العسكرية مع التحركات السياسية بصورة غير مسبوقة. فبينما تتواصل المعارك في شمال كردفان ودارفور والنيل الأزرق، وتتعرض قوات الدعم السريع لخسائر ميدانية متتالية وفق ما تورد التقارير، برزت مبادرة الفريق أول عبد الفتاح البرهان بشأن الحوار السوداني من الداخل، بالتزامن مع تأكيده عدم عودة قوات الدعم السريع إلى مؤسسات الدولة أو المشهد العسكري بصورتها الحالية، مع طرح ضمانات وقواعد للعفو والحوار.
وتكتسب هذه التطورات أهمية خاصة لأنها تأتي في لحظة تبدو فيها موازين القوة أكثر ارتباطاً بالمسار السياسي. فالسؤال لم يعد فقط: من يسيطر على الأرض؟ وإنما أصبح: كيف يمكن تحويل التحولات العسكرية إلى تسوية سياسية تحفظ وحدة الدولة وتمنع إنتاج حرب جديدة؟
أولاً: خطاب البرهان وتحول معادلة الحوار
يمثل طرح الحوار من داخل السودان تحولاً مهماً في مسار إدارة الأزمة، لأنه ينقل مركز الثقل من المبادرات الخارجية إلى المبادرة السياسية السودانية.
وقد ظل أحد أبرز أوجه الأزمة خلال الفترة الماضية تعدد المبادرات الإقليمية والدولية، وتباين القوى السياسية حول الجهات الراعية لها وشروط المشاركة فيها. ولذلك فإن الدعوة إلى حوار داخلي يمكن أن تشكل محاولة لإعادة القرار السياسي إلى الداخل، شريطة ألا يتحول الحوار إلى مجرد أداة لإقصاء الخصوم أو إعادة إنتاج الانقسامات.
وتبرز هنا نقطة جوهرية: الحوار الداخلي لا يعني بالضرورة التسوية مع قوات الدعم السريع كتنظيم عسكري، وإنما يمكن أن يعني فتح الباب أمام القوى السياسية والمجتمعية، وأمام الأفراد الذين لم يثبت تورطهم في جرائم، للمشاركة في عملية سياسية جديدة.
ثانياً: «لا عودة للدعم السريع».. ماذا تعني؟
التأكيد على عدم عودة الدعم السريع يطرح تصوراً واضحاً لشكل الدولة بعد الحرب.
فأحد جذور الأزمة السودانية كان تعدد مراكز القوة المسلحة داخل الدولة، وهو وضع أضعف احتكار الدولة للسلاح وأوجد بنية أمنية موازية للقوات المسلحة.
ومن منظور استراتيجي، فإن أي سلام مستدام يحتاج إلى معالجة هذه المشكلة بصورة جذرية، عبر:
إعادة بناء المؤسسة العسكرية والأمنية على أسس وطنية.
منع إنشاء قوات موازية للدولة.
إخضاع السلاح لسلطة الدولة.
معالجة أوضاع المقاتلين وفق ترتيبات قانونية وأمنية واضحة.
الفصل بين التسوية السياسية والعفو عن الجرائم الخطيرة.
وهنا تكمن أهمية التمييز بين العفو السياسي والمساءلة الجنائية؛ فالعفو لا ينبغي أن يتحول إلى حصانة شاملة لمن تثبت مسؤوليته عن جرائم حرب أو انتهاكات جسيمة.
ثالثاً: العفو والضمانات.. فرصة أم مخاطرة؟
طرح الضمانات للعائدين إلى المسار السياسي يمكن أن يساعد في تفكيك حالة الخوف التي تمنع بعض الأطراف من الدخول في الحوار.
لكن نجاح هذه الخطوة يتطلب إطاراً قانونياً واضحاً يحدد:
من يشمله العفو؟
وما الجرائم التي يمكن أن يشملها؟
ومن يملك سلطة إصدار القرار؟
وكيف يتم التعامل مع الملفات التي تتعلق بضحايا الحرب؟
ومن ثم فإن أفضل صيغة هي عفو سياسي مشروط، وليس عفواً مطلقاً.
فالهدف ينبغي أن يكون تشجيع العودة إلى الحياة السياسية، دون إلغاء حق الضحايا في العدالة.
رابعاً: خسائر الدعم السريع وأثرها في المسار السياسي
تأتي الدعوة إلى الحوار في ظل تقارير متزايدة عن خسائر قوات الدعم السريع في عدد من محاور كردفان ودارفور، وتراجعها من بعض المواقع، إلى جانب الحديث عن مقتل قيادات ميدانية واعتقالات داخلية وحالات انشقاق واستسلام.
ولا يمكن التعامل مع كل هذه التقارير باعتبارها حقائق نهائية قبل التحقق المستقل منها، إلا أن تزامنها يشير إلى تغير مهم في البيئة العسكرية.
وتكشف التجربة العسكرية أن التنظيمات المسلحة عندما تتعرض لضغط متزايد تبدأ عادة في مواجهة ثلاثة تحديات:
تراجع القدرة على الإمداد، وتراجع الروح المعنوية، وظهور الخلافات داخل القيادة.
وإذا استمرت هذه الاتجاهات، فإن قدرة الدعم السريع على خوض حرب واسعة متعددة الجبهات قد تتراجع، الأمر الذي يفتح مساحة أكبر أمام الحل السياسي.
خامساً: من جبرة الشيخ إلى دارفور.. إلى أين تتجه الحرب؟
تمثل جبهة كردفان إحدى أهم ساحات الصراع الحالية، نظراً لموقعها الذي يربط الوسط السوداني بدارفور.
وأي تقدم للجيش والقوات المتحالفة معه في هذه المنطقة يمكن أن ينعكس مباشرة على الوضع في دارفور، خصوصاً إذا أدى إلى قطع أو إضعاف خطوط الإمداد والحركة.
وفي المقابل، فإن استمرار العمليات في أقصى دارفور والنيل الأزرق يعني أن الحرب لم تصل بعد إلى مرحلة الحسم النهائي.
وهنا تظهر معادلة مهمة:
كلما اتسعت السيطرة الحكومية في كردفان، زادت الضغوط على قوات الدعم السريع في دارفور؛ وكلما زادت الضغوط العسكرية، ازدادت أهمية المسار السياسي.
سادساً: النيل الأزرق والكرمك.. الجبهة الجديدة
تأتي هذه التطورات بالتزامن مع استمرار المعارك في قيسان والكرمك ومناطق النيل الأزرق.
وتحمل هذه الجبهة أهمية خاصة بسبب قربها من الحدود الإثيوبية، وارتباطها بملفات الأمن الحدودي وسد النهضة وحركة اللاجئين.
ومن ثم فإن انتقال الحرب إلى النيل الأزرق لا يمثل مجرد توسع جغرافي، بل يحمل احتمالاً بزيادة البعد الإقليمي للصراع، خصوصاً في ظل الأوضاع الداخلية المعقدة في إثيوبيا.
ولهذا فإن السودان يواجه تحدياً مزدوجاً: حسم الحرب الداخلية ومنع تحول الحدود الشرقية إلى مسرح لحرب إقليمية.
سابعاً: الموقف السعودي والمصري
تكتسب التحركات السعودية والمصرية أهمية متزايدة في هذه المرحلة.
فالسعودية تملك قدرة مهمة على التواصل مع الأطراف السودانية، كما أن مصر ترتبط بالسودان بعلاقات أمن قومي وجغرافيا ومياه وحدود.
وتتقاطع مصالح البلدين في عدد من الملفات، أبرزها:
وحدة السودان، منع انهيار الدولة، حماية البحر الأحمر، منع تمدد الفوضى إلى دول الجوار، والحفاظ على الأمن المائي.
ولهذا فإن أي تسوية سودانية قادمة تحتاج إلى استيعاب الدورين السعودي والمصري، دون تحويل العملية السياسية إلى وصاية خارجية.
ثامناً: هل أصبح الحوار الداخلي ممكناً؟
الإجابة ليست سهلة.
فالحوار يحتاج إلى طرفين أو أكثر مستعدين لتقديم تنازلات، بينما لا تزال الحرب مستمرة في عدة جبهات.
لكن التطورات العسكرية قد تخلق ظروفاً جديدة.
فإذا استمرت قوات الدعم السريع في فقدان المواقع والقيادات والقدرة على الإمداد، فقد تصبح تكلفة استمرار الحرب أعلى من تكلفة التفاوض بالنسبة لبعض مكوناتها.
وفي المقابل، فإن الحكومة والقوات المسلحة مطالبتان بإدراك أن التفوق العسكري لا يكفي وحده لبناء السلام.
فالانتصار العسكري يحتاج إلى مشروع سياسي قادر على إنتاج دولة مستقرة.
تاسعاً: الموقف الإثيوبي وتداعياته على السودان
لا يمكن فصل التطورات في النيل الأزرق عن البيئة الإقليمية، وخاصة إثيوبيا.
فالتوترات الداخلية الإثيوبية، بما فيها التحديات المرتبطة بتيغراي والمناطق الحدودية، يمكن أن تنعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على الأمن السوداني.
وأي اضطراب طويل على الحدود قد يؤدي إلى زيادة حركة اللاجئين، وتهريب السلاح، وتراجع النشاط الزراعي والتجاري، وارتفاع احتمالات الاحتكاك الحدودي.
لذلك فإن استقرار شرق السودان أصبح جزءاً من الأمن القومي السوداني وليس ملفاً حدودياً منفصلاً.
عاشراً: أربعة مسارات محتملة
المسار الأول: تسوية سياسية تدريجية.
تتراجع العمليات العسكرية تدريجياً، ويتم فتح حوار داخلي واسع، مع ترتيبات أمنية وسياسية للمرحلة الانتقالية.
المسار الثاني: استمرار الحرب مع تراجع الدعم السريع.
يواصل الجيش عملياته حتى تتراجع قدرة الدعم السريع على الاحتفاظ بمناطق واسعة، ثم يبدأ التفاوض من موقع قوة.
المسار الثالث: إعادة تشكيل الدعم السريع.
قد تؤدي الخسائر إلى إعادة تنظيم القوات وانتقالها إلى حرب استنزاف تعتمد بصورة أكبر على المسيرات والهجمات المتفرقة وخطوط الإمداد.
المسار الرابع: انهيار واسع في أوضاع الدعم السريع وتأسيس في كردفان ودارفور.
إذا تزامنت الخسائر الميدانية مع الانشقاقات والاستسلامات وتراجع الإمدادات وفقدان القيادة السيطرة على الوحدات، فقد تدخل قوات الدعم السريع وتشكيلات «تأسيس» في مرحلة تفكك تنظيمي وميداني، خاصة في كردفان ودارفور. وفي هذه الحالة قد تنتقل الحرب من مرحلة الصراع على المدن إلى مرحلة إعادة بناء الدولة وترتيب الأوضاع الأمنية والسياسية في المناطق المستعادة.
القراءة الاستراتيجية
السودان يقف أمام لحظة مفصلية.
فالميدان يشهد تغيرات متسارعة، والسياسة بدأت تبحث عن مخرج من الحرب، والمجتمع الدولي والإقليمي يحاول إعادة صياغة مساراته.
لكن نجاح المرحلة المقبلة يتوقف على قدرة الدولة السودانية على الجمع بين ثلاثة عناصر:
الحسم الأمني، والتسوية السياسية، وإعادة بناء الدولة.
ولا ينبغي أن يكون الحوار الداخلي بديلاً عن الدولة، كما لا ينبغي أن يتحول الانتصار العسكري إلى إقصاء سياسي شامل.
إن السودان يحتاج إلى سلام لا يعيد إنتاج أسباب الحرب.
الخاتمة
إن دعوة الفريق أول عبد الفتاح البرهان إلى الحوار من داخل السودان، مقرونة بتأكيده عدم عودة الدعم السريع إلى المشهد العسكري، تمثل تطوراً سياسياً مهماً في سياق الحرب.
لكن نجاح المبادرة يتوقف على قدرتها على بناء عملية سياسية سودانية حقيقية، تستوعب القوى السياسية والاجتماعية، وتضع ترتيبات واضحة للعدالة والعفو، وتعيد بناء المؤسسات العسكرية والأمنية على أساس وطني.
وفي المقابل، فإن استمرار التراجع العسكري لقوات الدعم السريع، إذا تأكد واتسع، قد يجعل المرحلة المقبلة مختلفة جذرياً عن المراحل السابقة.
فقد تكون الحرب قد اقتربت من نقطة ينتقل فيها السؤال من «من ينتصر في المعركة؟» إلى «كيف تُبنى الدولة بعد الحرب؟».
وهنا تكمن المعركة الأكبر: إنهاء الحرب دون إنتاج حرب جديدة، وبناء دولة سودانية موحدة تمتلك قرارها السياسي والأمني، وتحمي حدودها ومصالحها الإقليمية، وتفتح الطريق أمام سلام دائم.
د. الزمزمي بشير عبد المحمود حبيب
الباحث المختص في الشأن الإفريقي والدراسات الاستراتيجية وتحليل النزاعات
البريد الإلكتروني: bshair057@gmail.com

المقالة السابقة

منشورات د. احمد المفتي رقم 6186 .. ( الصياغة والمراجعة بمساعدة الذكاء الاصطناعي وتعليقاته في نهاية هذا المنشور ) ظهور مفهوم ” التآخي ” ، علي الساحة السياسية ، لاول مرة !!!

المقالة التالية

مسارات .. متحف الجعليين… ذاكرة الوطن .. د. نجلاء حسين المكابرابي

أضف تعليقك

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *